ارشيف من :أخبار لبنانية

يوم الأرض ومواجهة الاستيطان الصهيوني

يوم الأرض ومواجهة الاستيطان الصهيوني
معن منيف سليمان ـ "البعث"

تحل غداً الذكرى السابعة والثلاثون ليوم الأرض، يوم 30 آذار 1976 الذي قامت فيه سلطات الاحتلال الإسرائيلي بمصادرة آلاف الدونمات من الأراضي الفلسطينية، وخاصة في منطقة الجليل، وعلى إثر هذا الاعتداء الممنهج، قررت الجماهير العربية في الداخل الفلسطيني إعلان الإضراب العام احتجاجاً على مصادرة أراضيهم، حيث وقعت اشتباكات مع أجهزة القمع والتنكيل الصهيونية، واستشهد عدد من المواطنين في مدن الجليل، ومنذ ذلك الحين يحيي الفلسطينيون هذه الذكرى التي أصبحت رمزاً لوحدة الشعب الفلسطيني، ومنطلقاً متجدداً للتمسك بالحقوق ومواجهة الاستيطان والتوسع العنصري.

أعلنت سلطات الاحتلال الصهيوني في أوائل عام 1976 عن خطة استيطانية لتهويد الجليل تحت عنوان "مشروع تطوير الجليل"، واشتمل المشروع على تشييد ثماني مدن صناعية في الجليل تمتد على مساحة عشرين ألف دونم من الأراضي الفلسطينية المحتلة. ولكن تطوير الجليل المدعى لم يكن المشروع الوحيد الذي استهدف الوجود العربي والأراضي العربية، لا بل سبقه مشروع توطين عرب النقب قسرياً والاستيلاء على أراضيهم، والذي ما زال مستمراً حتى يومنا هذا، ثم جاء "مشروع كينغ" في الأول من آذار عام 1976، الداعي إلى تكثيف الاستيطان الصهيوني في المناطق العربية في الجليل من خلال مصادرة الأراضي العربية وبناء المستوطنات الصهيونية.

وتلا مشروع تطوير الجليل "خطة النجوم السبع"  لعام 1990، بهدف تهويد المثلث العربي ومناطق وادي عارة، وتوالت الخطط الإسرائيلية للاستيلاء على ما تبقى من أراضٍ عربية في الجليل والمثلث والمركز والنقب، يذكر منها وثيقة مؤتمر هرتسيليا لعام 2000 الداعية إلى تكثيف الاستيطان الصهيوني في المناطق العربية، ثم جاءت خطة تهويد النقب والجليل لعام 2005 التي رصدت لها الحكومة الإسرائيلية مليارات الدولارات، بهدف الاستيلاء الكامل على ما تبقّى من أراضٍ عربية في النقب والجليل خاصة، والمناطق العربي بشكل عام، ومطاردة سكان القرى العربية غير المعترف بها من قبل حكومة إسرائيل سواء في النقب أو في الجليل، واستمرارية إسرائيل في تهويد ما تبقى من جيوب عربية في المدن الفلسطينية المحتلة.

وتهويد الجليل من أبرز الأهداف التي يسعى الصهاينة إلى تحقيقها، وقد حدد الإرهابي ديفيد بن غوريون هذا الهدف بقوله: "الاستيطان نفسه هو الذي يقرر إذا كان علينا أن ندافع عن الجليل أم لا". وتنفيذاً لهذه السياسة سعت إسرائيل  لبسط سيطرتها على أجزاء واسعة من الجليل، وأقامت عليها عدة مستوطنات، وقد بررت عملية اغتصاب الأراضي بزعم أنها أراضٍ للغائبين، ولكنها في الواقع لم تقتصر على اغتصاب أراضي الغائبين، وإنما استولت على الأملاك التي كانت تديرها حكومة الانتداب البريطاني، التي تقدر مساحتها بنحو (203)مليون دونم، ولم تكتف بذلك، بل استولت على أراضي الفلسطينيين الذين بقوا في أراضيهم، وكان العرب يملكون حتى عام 1948 نحو (13) مليون دونم من أصل (27) مليون دونم.

ومنذ عام 1948 اعتبرت إسرائيل وجود العرب في الأراضي التي تحتلها خطراً عليها، فانتهجت حيالها استراتيجية استهدفت الاستمرار في الإرهاب والتمييز العنصري لإجبار الفلسطينيين على الرحيل وإفراغ الأرض من أهلها الشرعيين، عبرعمليات تهجير واسعة «ترانسفير» لعرب عام 1948، عن مدنهم وقراهم فأصدرت التشريعات التي تخدم وتعزز عملية الاستعمار الاستيطاني وتبنى على التفوق العنصري باعتبار العرب أغياراً، فلجأت إلى اتخاذ إجراءات قانونية للتخلص من السكان العرب الأصليين وتغييبهم، ومن هذا الأساس انطلق الهيكل القانوني لإسرائيل التي عبّرت عن نفسها من خلال مجموعة من القوانين مثل: قانون العودة، قانون الجنسية، قانون توزيع السكان، قوانين الأراضي، قانون المستوطنات الزراعية، قانون استغلال الأراضي البور، قانون الاستيلاء على أراض في حالة الطوارىء، قانون استملاك الأراضي، قانون مرور الزمن، قانون تركيز الأراضي، قانون الأحراج، قانون البناء والتخطيط وغيرها من القوانين العنصرية، التي تهدف إلى اغتصاب الأراضي العربية وانتزاعها من مالكيها العرب، وطرد هؤلاء المالكين منها حتى تمكنت من تجريد العرب من نحو مليون دونم من أخصب أراضيهم، وكان آخر القوانين في هذا المجال قرار تطوير الجليل الذي صدر عن مجلس وزراء إسرائيل بعد أن زادت نسبة سكان العرب فيه عن 50 بالمئة.

وعلى خلفية هذا القرار واستمرار المصادرات والتهويد تشكلت في منطقة الجليل "لجنة الدفاع عن الأرض" التي اتخذت عدداً من القرارات كان أبرزها الدعوة لعقد مؤتمر شعبي للمطالبة بوقف المصادرة، وإصدار نداء إلى الرأي العام لحثه على مقاومة المصادرة ودعت اللجنة إلى اجتماع آخر في الناصرة يوم 6/3/1976 دعت إليه نحو عشرين رئيساً من رؤساء المجالس المحلية، واتخذ المجتمعون قراراً بإعلان الإضراب العام يوم 30/3/1976 استنكاراً لمصادرة الأراضي العربية.

وقرار الدعوة إلى إضراب عام لعرب الداخل يعد أول قرار من نوعه منذ النكبة، وبدأت الجماهير تحضّر لذلك اليوم التاريخي، ولم تكن تمتلك من السلاح سوى الإيمان والعزيمة، وقد استجابت كل التجمعات العربية في الجليل للإضراب رغم المحاولات الإسرائيلية لإفشال هذا اليوم وبأي ثمن، فعمدت سلطة الاحتلال إلى منع حدوث هذا الإضراب عن طريق التهديد بقمع المظاهرات والعقاب الجماعي، وعززت قوات القمع والتنكيل في القرى والمدن العربية للرد على الإضراب والمظاهرات، وقامت قيادة الهيستدروت بتحذير العمال وتهديدهم باتخاذ إجراءات انتقامية ضدهم، وقرر أرباب العمل في اجتماع لهم في حيفا طرد العمال العرب من عملهم إذا ما شاركوا في الإضراب العام في يوم الأرض، وكذلك بعث المدير العام لوزارة المعارف تهديداً إلى المدارس العربية لمنعها من المشاركة في الإضراب.

بدأت الأحداث يوم 29/3/1976 بمظاهرة شعبية في دير حنا، فقمعت هذه المظاهرة بالقوة، وبعد ذلك خرجت مظاهرة احتجاجية أخرى في عرابة، وكان الرد أقوى، حيث سقط خلالها عشرات الجرحى وشهيد واحد، وما لبثت أن اتسعت دائرة المظاهرات والاحتجاج وامتدت الى جميع المناطق العربية في اليوم التالي 30/3/1976 على الرغم من جميع الإجراءات الصهيونية القمعية وأساليب التهديد، وخلال المواجهات في اليوم الأول والثاني سقط ستة شهداء.
وهكذا غدت الأرض ويومها رمزاً للبقاء والكيان والهوية،  كما أحدث يوم الأرض تغييراً مهماً في نظرة العرب الذين تجاهلوا تماماً فلسطينيي الداخل، وطالما اعترت معاملتهم لهم بالريبة والشكوك والأفكار الجاهزة، ولكن عقب ذاك اليوم النضالي المشهود بدّل العرب هذه النظرة فانفتحت أمام عرب الداخل الأبواب العربية على المستويين الرسمي والشعبي.

إن معركة الأرض لم تنته في الثلاثين من آذار عام 1976، بل هي معركة مستمرة متواصلة، وسيبقى يوم الأرض منطلقاً جديداً لوحدة جغرافية وسياسية للشعب الفلسطيني وتأكيداً لإصراره على التحرير والاستقلال وتشبثه بأرضه ووطنه، ويستمر الشعب الفلسطيني صامداً ضد الحصار المفروض عليه من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلية، ويستمر في مقاومة محاولات تهويد القدس ومصادرة الأراضي لبناء المستوطنات وجدار الفصل العنصري.
2013-03-29