ارشيف من :أخبار لبنانية

أشرف ريفي: متقاعد حتى إشعار آخر

أشرف ريفي: متقاعد حتى إشعار آخر


ايلي الفرزلي - صحيفة "السفير"


تشي الصناديق المكدسة عند مدخل المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي بأن اللواء أشرف ريفي سيرحل إلى بيته غير آبه بما يرسم من ســـــيناريوهات لعودته.
برغم ذلك، قلة هم الذين يتعاملون مع تاريخ تقاعد ريفي بدءاً من الأول من نيسان بوصفه لحظة عودته إلى الحياة المدنية. ولكن للمفارقة، فإن ريفي نفسه يبدو الأكثر اقتناعاً بينهم. يستمع الى كل رسائل الدعم والإشادات الغربية والعربية والمحلية التي انهمرت عليه في الأيام الأخيرة، فيما هو منهمك بتوضيب أغراضه في المديرية: الكثير من الكتب والأوسمة والميداليات المحلية والعربية والغربية، التي حصدها ورافقته خلال ثماني سنوات إشكالية طبعت وجوده على رأس المؤسسة الأمنية.

يتابع ريفي كل الضجة التي تثار حول تمديد ولايته على رأس مؤسسة قوى الأمن الداخلي. يبدو واثقاً من نجاح المبادرة التي يقودها سعد الحريري، لكنه يتعامل معها بمنطق «لا تقول فول ليصير بالمكيول». وهو لهذا، يركز اهتمامه، هذه الأيام، على التحضير للحياة المدنية، التي تخلى عنها منذ نحو أربعين عاماً، وسيعود إليها رسمياً اليوم، وإن لفترة محددة، إلا إذا حصلت مفاجأة أدت إلى تطيير جلسة مجلس النواب وكذلك التمديد له.

المديرية تعيش حالة استنفار وترقب، فيما التحضيرات لحفل التسلم والتسليم الذي يقام اليوم بين ريفي وبين العميد روجيه سالم صارت مكتملة. حالة التأثر والحزن تطبع وجوه الضباط والرتباء والجنود بشكل خاص. يعتبرون أن المدير العام الحالي أكثر من أنصفهم، من بين كل مدراء قوى الأمن الداخلي، في ما يتعلق بالتقديمات الاجتماعية والطبية إضافة إلى الترقيات. حتى أن من يخالفه الرأي السياسي، كان يقدر له إنسانيته ولياقته واهتمامه بمساعدة كل من يقصده طالباً لخدمة من أي نوع كانت.

بعد استلام العميد سالم، حيث الصلاحيات بالوكالة لن تكون كاملة، يتجه معظم الضباط في المديرية لاعتبار أنفسهم في إجازة في انتظار عودة ريفي أو من يحل محله مديراً عاماً أصيلاً.
أما اللواء المتقاعد، الذي أنهى كل ترتيبات خروجه من المديرية أمس الأول ولم يداوم أمس، فسيستغل شهر نيسان للتأقلم مع المرحلة الجديدة. سيتفرغ للراحة في طرابلس، مع احتمال أن يقوم برحلتي استجمام إلى الخارج. بعدها، وهذا هو الأهم، يرفض ريفي أمام زواره أن يحسم ما إذا كان سيمارس العمل السياسي. يكتفي بالإشارة إلى أنه حكماً لن يتخلى عن العمل العام. وأنه في الحالتين، سيتحول إلى التعليم الجامعي، حيث سيدرّس مادة علم الجريمة.

يبدو «العمل العام» ترفاً بالنسبة للرجل الذي صار رقماً صعباً في السياسة كما في الأمن، في المرحلة الماضية. ولهذا، يعتقد بعض المقربين منه أنه لا يملك الخيار في الدخول إلى المعترك السياسي، من البوابة الطرابلسية أولاً ومن البوابة العريضة لتيار «المستقبل» ثانياً.
ليس سراً أن بعض قيادات «المستقبل» بدأت تبدي انزعاجها من الحظوة التي يتمتع بها ريفي في «التيار الأزرق» وفي الطائفة، إلا أن المتحمسين له، في طرابلس تحديداً، لا يترددون في ترشيحه لمناصب عليا، تتراوح بين النيابة في الحد الأدنى وتصل أحياناً إلى رئاسة الحكومة. يقول أحدهم: نحن نثق في هذا الرجل، قبل أن يتذكر حديثاً لريفي كان قد تطرق فيه إلى وصية لوالده حذره فيها من «الغرور قاتل الرجال». يقول المتحمس: نحن نعرف، بالتجربة، أن داء الغرور لم يصب اللواء، وهو ما يزال رأسه فوق كتفيه ورجليه على الأرض.

كل ما سبق من سيناريوهات وتمنيات ينتهي بمجرد إقرار قانون تمديد سن التقاعد لقادة الأجهزة الأمنية، الذي تؤيده أغلبية الكتل النيابية، ويعارضه «التيار الوطني الحر» بشكل رئيسي، فيما يبدو «حزب الله» أقل تشدداً من حليفه البرتقالي.
الرئيس نبيه بري يقــولها بلا حرج: أنا أؤيد التمديد لريفي، السبب هو الموقف الوطني الذي اتخذه ريفي بعد استشهاد صديقه ورفــيق عمره اللواء وســام الحسن. بعدها عادت المياه إلى مجاريها بين عين التيــنة والمدير العام للأمن الداخلي، وصار الضابط المهتم بالـعلاقات العامة، ضيفاً على كل مناسبات عين التينة الرسمية في الشهور الأخيرة، بعدما كان بري يتعمد في المرحلة السابقة اقصاءه عنها عمداً.

لا أحد في المديرية يصدق مزحة استقالة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي اعتراضاً على رفض الأكثرية التمديد لريفي. يقولون إنه بعدما اتخذ قراره أراد أن يقطف ثمار الاستقالة طرابلسياً. استدعى ريفي طالباً منه أن يحضّر اقتراحاً للتمديد له لعرضه على مجلس الوزراء. وكان ما كان.
خصوم ميقاتي في الحكومة عادوا بالذاكرة، بعدما قدم استقالته إلى جلسة عقدت الشهر المنصرم، حين أعلن بصوت مرتفع أنه وحده صاحب القرار في إعطاء «داتا» الاتصالات للأجهزة الأمنية أو رفضها، خلافاً لما كان متبعاً. حينها استشعر وزراء الأكثرية أن رئيس الحكومة يرغب بافتعال مشكلة، فطلبوا تأجيل النقاش في الموضوع، قبل أن يدخلوا في تسوية أعطوه بموجبها صلاحية الموافقة على طلبات الـ«داتا» الكاملة حتى نهاية أيار. قبلها أيضاً سمعوه يعاتب وزير الاتصالات نقولا صحناوي لتأخره في تنفيذ طلبات الـ«داتا» للأجهزة، بالرغم من انه يعرف أنها نفذت قبل يوم واحد.

الثالثة كانت ثابتة، وإذا كانت الأكثرية قد نجحت في تفكيك ألغام ميقاتي السابقة، فقد كان «لغم ريفي» عصياً على التفكيك. نجح ميقاتي نسبياً في خطوته. صحيح أنه لم يصبح الأول ولا حتى الثاني في العاصمة الثانية، إلا أن الأكيد أيضاً أنه أعاد تعويم نفسه سنياً، ونجح في إراحة الساحة الطرابلسية. تلك الساحة بقيت مربكة طيلة فترة وجوده على رأس حكومة اللون الواحد، بعدما كان لـ«المستقبل» الفضل الأول في وصوله إلى المجلس النيابي في انتخابات العام 2009.
وشكل الفراق بين ميقاتي والحريري، «مناسبة» لاندلاع سلسلة جولات عنف بين جبل محسن وباب التبانة، بالرغم من أن أمنيين طرابلسيين، يصرون على ربطها بزيارات ميقاتي الخارجية، ليخلصوا إلى اعتبارها «رسائل سورية إيرانية تحذره من التعمق في علاقاته بالغرب.. تماماً كما كان يحصل مع الرئيسين رفيق الحريري وسعد الحريري».

غالباً ما يؤكد اللواء ريفي متانة العلاقة الشخصية التي تجمعه برئيس الحكومة. ومع ذلك، ثمة من يرى أن العلاقة السياسية والمؤسساتية بينهما لم تتخط علاقة الضرورة بين قائد جهاز أمني محسوب على «المستقبل» وبين رئيس حكومة انقلب على «المستقبل» وتحالف مع السلاح.
للبعض قناعة مطلقة بأن إصرار ميقاتي على التمديد لأشرف ريفي، حتى بعد أن قام بواجبه تجاهه في الحكومة إلى حد الاستقالة، يعود إلى أمر واحد: رغبته في إبقائه بعيداً عن الساحة السياسية، وإن أمكن إجراء الانتخابات أثناء وجوده في السلك العسكري.
 

2013-03-30