ارشيف من :أخبار لبنانية
مشكلة لبنان ليست في تركيبة الحكومة بل في تركيبة الوطن
علي البقاعي - صحيفة "البناء"
حان الوقت لأن يدرك قادة الأحزاب والتيارات والتجمعات والتحالفات في لبنان أن هذا الكيان يمرّ في مرحلة هي الأخطر في تاريخه مذ أعلن الجنرال كاترو، ممثل دولة الانتداب الفرنسي، دولة لبنان الكبير عام 1926. فلبنان يعاني أزمة الانتماء وهي النقطة المحورية التي يجب أن يعالجها زعماء لبنان قبل فوات الأوان.
المرحلة الراهنة هي من دون أدنى شك من أدق المراحل التي يواجهها هذا الكيان منذ تأسيسه. الكلّ يدرك أن الأزمات التي يواجهها هذا البلد الصغير بمساحته، الكبير بمشاكله وتعقيداته، أصعب من مرحلة تشكيل الوطن في الثلاثينات من القرن الفائت حتى إعلان الإستقلال عام 1943 ، وأقسى من الحرب شبه الأهلية عام 1958 وأخطر من الحرب الأهلية الفعلية عام 1976 وأكثر فتكاً ودماراً من الاجتياح «الإسرائيلي» عام 1982 وما تلاه من حروب أهلية متنقلة، وصولاً إلى الحروب الكبيرة الصغيرة بين المتخاصمين والمستمرة يوماً بالسلاح وآخر بالأيدي، أو من خلال عشرات الوسائل الإعلامية المرئية والمقروءة والمسموعة والمتوافرة للجميع بلا استثناء.
أزمات متعدّدة في الهوية والانتماء ونظام الحكم ونظام الانتخابات والتشريع والأمن والقضاء والعمل والتحالفات العربية والدولية، إضافة إلى أزمة الأزمات، الطائفية والمذهبية، التي تغذيها يومياً عشرات المحطات التلفزيونية المرخّص لها في زمن «ديمقراطية الطائف»، تساندها بعض الصحف التي يكتب فيها بعض الكتبة الموتورين بتوجّهات طائفية ومذهبية وتدعمهم مئات الموقع الإلكترونية التي تُصبّحنا وتُمسّينا بسمّها المذهبيّ البغيض. ويزيد على هذا كله عدد ممن يطلقون على أنفسهم كتبة وعلماء ينفثون سمّهم المذهبيّ البغيض بين الأجيال الناشئة، في حين أن اللقب الذي يستحقونه هو «الجهلاء» لا العلماء إذ يخالفون شرع الله وقوله في قرآنه الكريم: «إنما يخشى الله من عباده العلماء».
أزمة لبنان ذات تشعّبات كثيرة، تبدأ بالاختلاف حول تعريف هوية لبنان رغم تحديدها في دستور الطائف عام 1989 واختلاف الأولويات بين فريقي الصراع لناحية طبيعة الصراع مع «إسرائيل» وأولويته وسلاح المقاومة والمحكمة الدولية لمحاكمة المتهمين بإغتيال الرئيس رفيق الحريري وموقع لبنان الإقليمي في التحالفات القائمة وموقف لبنان من الحرب الدائرة ضدّ سورية وسياسة النأي بالنفس وتعريفها وطبيعة العلاقات مع إيران والعراق والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية، فضلاً عن الصراع حول كيفية إدارة الدولة ومن يديرها وأي قانون انتخاب يجب أن يعتمد ومن الأنسب ليحكم. حان الوقت اليوم أن يدرك الجميع أن حلاً جذرياً بات ضرورة وأن الجميع مسؤولون أمام الأجيال القادمة عن مصير هذا الوطن.
آن الأوان لقادة الأحزاب والتنظيمات والتيارات والحركات والتحالفات التي تحمل أجمل المسميات وأروع الشعارات لجهة تحقيق الديمقراطية والعدالة الإجتماعية أن يدركوا أن وجود الكيان اللبناني في خطر لم يواجهه في تاريخه، وأنهم إذا استمروا على هذه الحال من التناحر والتشرذم والتباعد والتخوين فقد لا يجدون في المستقبل القريب وطناً يطبقون فيه أيّ قانون إنتخابي سواء كان «الأرثوذكسي» أو «الستين» أو فؤاد بطرس أو مهما كانت تسميته (إذا حدثت المعجزة واتفقوا على قانون).
إستقالة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي قبل أسبوع، رغم عشرات التحليلات والتفسيرات لأسبابها، فتحت الأبواب ليدرك الجميع من دون إستثناء أن الأزمة ليست بهذه السهولة وأن تشكيل الحكومة لن يكون أمراً سهلاً البتة، حتى لو توافرت الأكثرية النيابية لأيّ من الطرفين المتصارعين، أو حتى لو شكلت حكومة ائتلاف وطني. الخلاف أعمق من تشكيل الحكومة بكثير، وأكبر من أن يكون التمديد لمدير عام أو تشكيل هيئة الإشراف على الانتخابات أو حتى وضع قانون الإنتخابات نفسه. المشكلة ليست في تركيبة الحكومة بل في تركيبة الوطن.
الأزمة الحالية فرصة مناسبة لفخامة رئيس الجمهورية اللبنانية، العماد ميشال سليمان، لكي يدعو أعضاء هيئة الحوار الوطني كافة إلى اجتماع مفتوح يكون منطلقاً لحوار وطني شامل لا يناقش فيه قانون الانتخاب فحسب، بل ما يتوجب فعله لإنقاذ لبنان وكيف يمكن أن نسير بهذا الوطن إلى شاطىء الأمان. ولتطرح كل المشاكل العالقة بصراحة، بدءاً بقانون الانتخابات وصلاحيات الحكومة وصلاحيات رئيس الجمهورية، ووضع أسس حقيقية لدولة حديثة تكون دولة القانون والمؤسسات. فليكن دستور جديد يمكن أن نسميه «صنع في لبنان».
عندئذ لا يحتاج الوطن إلى قانون انتخابات كل أربع سنوات، ولا إلى البحث عن حل لأزمة دستورية كلما استقالت حكومة أو «زعل» وزير. وطن لا يصل إلى مشارف حرب أهلية كلما وصل مسؤول أمني إلى سن التقاعد حتى بتنا نحسب أعياد ميلاد المسؤولين الأمنيين بالأيام خوفاً على لبنان. وطن لا نضطر إلى أن نضع أيدينا على قلوبنا رعباً كلما تغيّب مواطن عن بيته بعد الساعة العاشرة مساءً أو تعطل هاتفه الخليوي خوفاً من أن يكون اختطف لقاء فدية. وطن لا يصل إلى مشارف حرب مذهبية كلما «سطّل» أحد الحشاشين وأراد اختبار فاعلية حبوب الهلوسة التي يتعاطاها فيعتدي على مواطنين آمنين ويؤدي بالبلد إلى أزمة مذهبية تنطلب تدخّل الدولة بكل وزاراتها وأجهزتها الأمنية وقادة طوائفها منعاً للفتنة المذهبية. وطن لا يصل إلى مشارف الانقسام المذهبي أو الحزبي كلما اختلف وزير مع أحد موظفيه أو نقل موظف أو أستاذ مدرسة أو حاجب أو شرطي سير أو آمر سجن من موقع إلى آخر، أو لدى نقل سجين من نظارة إلى نظارة، لدى ترقية موظف من طائفة معينة وهو يستحقها فلا يرقّى موظفون من طوائف أخرى حفاظاً على التوازن الطائفي!
هل يدرك قادة لبنان حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018