ارشيف من :أخبار لبنانية
صفقة ريفي أو وقائع انقلابين
جان عزيز - صحيفة "الاخبار"
لا شك في أن شخص أشرف ريفي يتحول تفصيلاً بسيطاً، تماماً كما موقعه، إذا ما قيس بالارتكابات الدستورية والنظامية التي شابت محاولات إبقائه مديراً عاماً لقوى الأمن الداخلي. ففي ما حصل انقلاب على الطائف في شقه الميثاقي، وانقلاب على الديمقراطية، في جانبها النظامي المؤسساتي.
محاولة الانقلاب على الطائف كانت في جلسة مجلس الوزراء في 22 آذار. ثمة وقائع صغيرة، روايتها ضرورية لتبيان حقيقة ما حصل. إذ بعدما أعلن ميشال سليمان رفعه الجلسة، قال له نجيب ميقاتي إن لديه أمراً آخر يطرحه من خارج جدول الأعمال. فوجئ الأول، لكنه عاد وأذن له بطرح الموضوع، بعدما قال له بوضوح: «كنت أعتقد أنك لم تعد تنوي طرحه». ماذا يعني ذلك دستورياً؟ هذا يعني أن رئيس الحكومة، حاول في الشكل، استخدام حقه الدستوري المنصوص عنه في المادة 64 من الدستور، الفقرة 6 منها تحديداً، التي تعطيه صلاحية أن «يدعو مجلس الوزراء إلى الانعقاد ويضع جدول أعماله ويطلع رئيس الجمهورية مسبقاً على المواضيع التي يتضمنها وعلى المواضيع الطارئة التي ستبحث». لكنه في المضمون خالف منطوق النص الدستوري نفسه. فحين يفاجَأ ميشال سليمان بطرح ما من خارج الجدول، يعني ذلك أن رئيس الحكومة «لم» يطلع رئيس الجمهورية مسبقاً على موضوع طارئ أراد طرحه. ولإيضاح هذه المخالفة الدستورية أكثر، يمكن العودة إلى النظام الداخلي لمجلس الوزراء، الصادر بالمرسوم الرقم 2552 تاريخ 1 آب 1992، أي في حكومة رشيد الصلح وعهد الياس الهراوي، إذ يؤكد في ختام نص المادة 5 منه على أنه: «لا يبحث أي موضوع قبل عرضه مسبقاً على رئيس الجمهورية».
هكذا انتهك نجيب ميقاتي نص الدستور وروح وثيقة الوفاق مرة أولى، قبل أن يكررهما ثانية: فالتمديد للمدير العام لقوى الأمن الداخلي، وبمعزل عن عدم قانونيته في الشكل والمضمون، يتضمن مخالفة ميثاقية أخرى. فهذا الموظف خاضع لنظام قوى الأمن الداخلي، أي القانون الرقم 17، تاريخ 6 أيلول 1990. وهو ينص في المادة 9 منه على نحو صريح على أن هذا المركز «يرتبط مباشرة بوزير الداخلية». وأنه «يعيّن ... ويصرف بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء، بناءً على اقتراح وزير الداخلية». هذا الوزير الذي أكدت وثيقة الوفاق أنه رأس سلطته ورئيس إدارة وزارته. لأن ضرب صلاحيات رئيس الجمهورية كما كانت في دستور ما قبل الطائف، لم يحصل لمصلحة نقلها إلى رئيس الحكومة. وهو ما حرصت وثيقة الوفاق على تأكيده بالدعوة إلى أن «تعزز صلاحيات الوزير بما يتفق مع السياسة العامة للحكومة ومع مبدأ المسؤولية الجماعية». هذا الوزير نفسه جاء نجيب ميقاتي ليطيح صلاحياته القانونية، وموقعه الدستوري، لا بل مفهومه الميثاقي. إطاحة باتت قاعدة تنتهك الدستور كل يوم، وخصوصاً في الفقرة 8 من المادة 64، التي تمنع على نجيب ميقاتي حتى استقبال أشرف ريفي، إلا في حضور وزيره ورئيسه... كل ذلك حصل في جلسة 22 آذار. وكل ذلك خرقه المعنيّون الثلاثة: ميشال سليمان، نجيب ميقاتي ومروان شربل. بين الفعل وإمراره والسكوت عنه.
تفاصيل قد يعدّها البعض من الشكليات. لأن هذا البعض نفسه ينظر إلى مجمل الدستور ووثيقة الوفاق الوطني على أنه مجرد أدبيات لا معنى لها، لكن ماذا لو تذكرنا، وذكرنا، بأن تلك النصوص كانت في جانب منها، نتيجة حرب أهلية شرسة بشعة وسخة خلفت في بيوتنا مئتي ألف قتيل وأضعافهم من جرحى ومهجرين ومهاجرين ومفقودين. ماذا لو أدركنا واستدركنا، أن في جوهر الطائف، أو في صلب وثيقة الوفاق تلك، توازناً دقيقاً لسلطة عشائرنا المتخلفة المسماة طوائف، وأن أي انتقاص منها لا يحسب خطره بالمقياس الأخلاقي أو القانوني الدستوري وحسب، بل أيضاً بخلفية نسف الميثاق وضرب التوازن والتأسيس لحرب جديدة.
أما محاولة الانقلاب على الديمقراطية في شقها النظامي المؤسساتي، فتجسدها محاولة الفريق الحريري إمرار صفقة أشرف ريفي في مجلس النواب. فالديمقراطية في أولى ثوابتها وأبرز أسسها، هي فصل السلطات الدستورية، منعاً للأحادية التي طبعت كل استبداديات ما قبل الديمقراطية. وفصل السلطات مبدأ ديمقراطي دستوري عميق، لا يمكن التحايل عليه بأكثرية عددية، ولا حتى بقانون. وفي الديمقراطية، والبرلمانية منها تحديداً، السلطة التنفيذية ليست في مجلس النواب، كما أن التشريع يستحيل أن يكون في مجلس الوزراء. فحين ينص قانون قوى الأمن الداخلي على أن المدير العام يعين بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء، تصير كل محاولة لإلغاء هذا التعيين أو إبقائه، بواسطة مجلس النواب، تحايلاً مقنعاً على الديمقراطية واستباحة خبيثة لبرلمانيتها...
الميثاق والديمقراطية، مسألتان جوهريتان لا يدركهما من جاء من رحم الوصاية، ولا يفهم خطورتهما إلا من عانى الحربين، حرب التخلص من الحرب الأهلية، وحرب التحرر من كل الوصايات معاً.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018