ارشيف من :أخبار لبنانية
خلفيات استقالة الحكومة اللبنانية وتداعياته
خليل حسين-"الخليج"
لم تكن استقالة الحكومة اللبنانية أمراً مفاجئاً، ولا هي سابقة لجهة التوقيت، إلا أن تداعياتها الداخلية والخارجية تعطي هذا الحدث أبعاداً خطرة من الصعب تجاوزها دون إحداث متغيرات وازنة في طبيعة المرحلة المقبلة .
فبعد الفراغ الأمني الذي اشتدت آثاره في المرحلة السابقة، أتت الاستقالة لتكرّس بيئة الفراغ السياسي لاحقاً . فقانون الانتخاب الذي أسقط عملياً وفعلياً الحكومة، ولو عبر استقالة طوعية، أعاد إلى الأذهان مقولة استحالة إجراء الانتخابات النيابية في موعدها المفترض قبل العشرين من يونيو/ حزيران المقبل، موعد انتهاء ولاية المجلس الحالي، الأمر الذي يطرح تساؤلات أخرى أشد خطورة وحساسية لجهة الفراغ الذي سيقع به لبنان، وبالتالي الآثار المترتبة عليه في سياق إدارة أزماته الداخلية وارتباطاتها الخارجية، وبخاصة الأزمة السورية .
ربما مفارقة استقالة الحكومة أنها تزامنت مع مواقف واضحة للرئيس الأمريكي باراك أوباما تجاه بعض المكونات السياسية للواقع اللبناني التي أطلقها في خلال جولته في المنطقة،إذ تُرجمت كإشارة واضحة لانعطافة السياسة الأمريكية تجاه بعض الملفات اللبنانية المرتبطة تحديداً بسوريا و”إسرائيل” . فلبنان من الناحية العملية والفعلية كان موضوعاً ضمن لائحة الانتظار لما ستتوضح عليه الصورة في الأزمة السورية، وفي ظل عدم قدرة لبنان الفعلية على المضي بسياسة النأي بالنفس المفترضة، أتت اللحظة المناسبة لإعادة تدوير أزماته بما يخدم إعادة خلط الأوراق وموازين القوى الداخلية وفي المنطقة . فما التداعيات المحتملة؟
* أولاً لقد دخل لبنان عملياً في نفق الفراغ السياسي والأمني المظلم الذي يبدو أنه سيكون طويلاً، فآلية التكليف ومن ثم التشكيل ليست واضحة المعالم، وإذا تمت أصلاً، فمن الصعب التوافق على تشكيلة حكومية بفعل الانقسام السياسي الحاد، وعدم قدرة أي طرف على حسم العملية دون اللجوء إلى الكتلة الوسطية التي لها شروطها الخاصة المكلفة عملياً للفريقين الأساسيين . وعليه، فإن مشاريع التمديد لبعض المؤسسات والمواقع الدستورية بات أمراً واقعاً في ظل حكومة كانت تُصرّف الأعمال منذ انطلاقتها أصلاً .
* ثانياً، لقد تم ربط الأزمة اللبنانية وتفاصيلها الداخلية بشكل عضوي بالأزمة السورية، وبالتالي فإن فكاك عناصر الأزمة اللبنانية بات صعباً للغاية بمعزل عن حل متكامل لمكونات أزمات المنطقة العربية وغير العربية . وهنا تكمن خطورة المسألة، فالفاعلون الأساسيون في إدارة الأزمة لا يملكون القدرة الفعليه على التأثير لا في قواعد اللعبة ولا في آليات التحكم بها، ولو بالقدر اليسير دون إحداث متغيرات واضحة، وهو أمر شبه مستحيل في ظل التوازنات الداخلية اللبنانية القائمة .
* ثالثاً، إن الاتكاء على شماعة الحوار الوطني اللبناني بهدف سد الفجوات الواسعة الحاصلة في التركيبة السياسية اللبنانية، أمر دونه عقبات هائلة، فالخلافات اللبنانية على بعض الملفات هي أكبر منهم مجتمعين، وهي ملفات إقليمية بطبيعتها ولا يملكون وسائل الحل والربط فيها أصلاً، وبالتالي فإن إعادة تجربة الحوارات والمشاورات السابقة هي كمن يستجير من الرمضاء بالنار، ولا تعدو كونها إعادة لتأجيج الخلافات على قواعد أشد عنفاً، في ظروف لم يعد الوقت بكافٍ لدى جميع الأطراف للتفكير بحل ما قبل الحوار فيه .
فسياسة النأي بالنفس التي ابتدعتها الحكومة المستقيلة هي عملياً مستحيلة، فاللبنانيون منقسمون بشأن الأزمة السورية، بل منخرطون فيها بفعل أسباب وعوامل كثيرة ومتنوعة، وبالتالي فإن اللجوء إلى فكرة الحوار في هذه القضية لن تقدم أو تؤخر في سياق الموضوع، بل إن هذه القضية كانت سبباً في تعليق الحوار في المرة الأخيرة . والأمر نفسه ينسحب أيضاً على سلاح المقاومة الذي أصبح مادة صدامية قبل أن يكون خلافياً في ما بينهم .
لقد سبق للبنان أن دخل وأُدخل، في أزمات ظاهرها داخلي وباطنها خارجي، وسرعان ما كانت تداعياتها تفتك به، إلا أن ما يمر به حالياً وما ينتظره، ربما يفوق أي خطر كان قد تعرّض له سابقاً . فالفتن المذهبية أُوقِظَتْ فيه، والفراغ الأمني استشرى فيه، والفراغ السياسي بدأ فيه .
ثمة ثوابت في التاريخ السياسي للدول، من بينها أن التسويات الكبرى غالباً ما تأتي على حساب الدول الضعيفة والصغرى، فهل أدخل لبنان في نفق أزمات المنطقة؟ وهل إن ثمة بوادر للتسويات قادمة وتستلزم بعض الوقود لدفعها؟ وهل في قدرة لبنان تحمّل ذلك مجدداً؟ يبدو أن ثمة أسباباً معلنة ومضمرة لاستقالة الحكومة اللبنانية، والمستقبل القريب كافٍ لإظهار المجهول وإيضاح بعض المعلوم .
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018