ارشيف من :أخبار لبنانية
الإنتخابات تنتزع الأولوية من الحكومة
جوني منير - صحيفة "الجمهورية"
تبدّل المشهد اللبناني مرة جديدة. ففي الوقت الذي كانت فيه الإثارة تبلغ الذروة حول اسم الشخصية التي سيجري تكليفها بتشكيل الحكومة المقبلة، كان ملف الانتخابات النيابية يتقدم ليصبح البند الاول المطروح جدياً على طاولة البحث.
بداية أدت استقالة الرئيس نجيب ميقاتي الى ما هو اكثر مما كان متوقعاً منها، وربما يعود الفضل هنا لأسلوب العماد ميشال عون في التفاعل مع الأزمات التي يحشر بها وحيث يصعب تقديره سلفاً.
فبعدما بدا للجميع ان الامور ذاهبة باتجاه التمديد لمجلس النواب لمدة سنتين وهو ما كان جارياً تداوله في الكواليس السياسية مع معظم القوى السياسية اللبنانية، جاءت خطوة استقالة ميقاتي بتشجيع غربي بهدف مواكبة مرحلة التمديد هذه بحيث يجري تشكيل حكومة سياسية تضم مختلف الاطراف لتحل مكان الحكومة الحالية التي يحظى فيها حزب الله بمساحة لا بأس بها من حرية الحركة.
وكان واضحاً ان خطوة ميقاتي جاءت من خلال تفاهم داخلي شمل رئيس الجمهورية ورئيس المجلس النيابي اضافة الى النائب وليد جنبلاط معطوفاً على دعم غربي لعودة ميقاتي الى رئاسة الحكومة.
وصحيح ان الجميع توقع ردة فعل سلبية من العماد عون، الّا ان احداً لم يتوقع ذهابه بعيداً الى حد قلب الطاولة على الجميع. فهو قد يكون شعر بأن التفاهم الذي واكب خطوة استقالة الحكومة انما له مفاعيله اللاحقة لناحية محاصرته في التركيبة الحكومية الجديدة، والأهم بأن يشمل التمديد لمجلس النواب التمديد لكل المواقع بما فيها رئاسة الجمهورية.
وجاء موقف وليد جنبلاط حول حقيبتي الإتصالات والطاقة وموقف رئيس الجمهورية حول عدم التوقيع على التمديد للمجلس النيابي لتؤكد على توجس عون. فعلى عكس ما اعتُبر بأنه "زحطة" من قبل جنبلاط فإن الزعيم الدرزي المحشور ما بين التزامه لبري وحزب الله (أؤيد ميقاتي او مرشحاً آخر يشبهه) وبين رفض الحريري لعودة ميقاتي (خلافي معه ليس سياسياً فقط بل شخصي) حاول ان ينسف خطوط ميقاتي بالعودة من خلال عون وعلى اساس كشف المستور بأن الهدف هو محاصرته حكومياً.
اما كلام رئيس الجمهورية ففُهم على انه استدراج عروض للتفاهم معه حول مسألة التمديد له كثمن مباشر للتوقيع على التمديد للمجلس النيابي. ووُضِعت تصاريح وزير الداخلية القريب من سليمان في اطار التمهيد للتمديد.
إزاء ذلك اندفع عون ناحية حافة الهاوية حيث يحلو له الوقوف عندما تُقفل الحلول بوجهه وقرر دفع الامور في اتجاه حصول الانتخابات النيابية بأيّ ثمن مع الرفض لايّ تمديد لمجلس النواب.
وبذلك يكون العماد عون قد افرغ الحكومة المقبلة من ايّ مضمون سياسي لتصبح معها حكومة انتخابات ستعيش لبضعة اشهر ليس اكثر وسيقطع الطريق نهائياً على ايّ امل بالتمديد لرئيس الجمهورية.
وخلال تواصله مع "الحلفاء" رفع سقفه ولوّح حتى بتحالفاته ولو تحت سقف مبدأ حماية المقاومة والتمسك بالخيارات الأساسية وعرض مسألتين اساسيتين: إحالة البند المتعلق بمشروع اللقاء الارثوذكسي الانتخابي الى جلسة عامة، والحصة الحكومية للتيار في الحكومة المقبلة.
وفيما تصاعد "دخان" التوافق من اجتماع عين التينة امس ما يوحي بقبول شرطي عون في مقابل السير بنجيب ميقاتي كمرشح عن هذه المجموعة لرئاسة الحكومة بدا وليد جنبلاط في موقع "المزنوق" وهو ما عكسته الأجواء المتضاربة الصادرة عن المجموعة المحيطة به، لا بل ما ظهر في التصاريح التي تلت لقاءه بطلال ارسلان.
ففيما ألمح بأنه سمى النائب تمام سلام كأحد خيارَيْ الحريري (سلام او قباني) بدا محرَجاً تجاه التزامه السابق امام بري وميقاتي. فمع الرئيس بري هنالك مشروع كامل يطال المرحلة المقبلة، ومع الرئيس الحريري هنالك خطر العودة بالعلاقة الى نقطة الصفر. ووصله من نجله تيمور الذي بقي في السعودية تساؤلات حول ما اذا كان "والدك سيخذلنا في هذه المرحلة ايضاً، فيما نحن نتمنى ان يبني للمستقبل وان يدشن ذلك بلقاء قريب مع جلالة الملك".
ورغم قناعة عون بأن جنبلاط سيذهب باتجاه الفريق الآخر، فإن الرئيس بري ثابر على رهانه بأن جنبلاط سيبقى ملتزماً بوعده لأن له مصلحة حيوية بذلك. ولكن مهما رست استشارات قصر بعبدا على نتيجة، وايّاً يكن شكل الحكومة المقبلة (سياسية جامعة، ام حيادية من 18 وزيراً او حتى حكومة اقطاب) الّا ان الموضوع الأساسي اصبح متعلقاً بقانون الانتخابات.
ومرة اخرى فإن جنبلاط اللاهث لإحياء قانون الستين كونه يؤمّن له اوسع مساحة سياسية ممكنة بدا مربَكاً مع دخول بكركي بقوة على الخط لإنجاز قانون جديد وهو ما يعني استحالة تجاوز ذلك.
ففي قصر بعبدا مشاورات وتواصل مع الرئيسين بري والسنيورة لإنجاز تصور مشترك يجمع بين مشروع بري وتعديلات الحريري وهو ما بات يُعرف بالمختلط، وعلى اساس اقراره سريعاً (بعد تسمية رئيس الحكومة وقبل تشكيل الحكومة) والدعوة لانتخابات نيابية تجري على اساسه خلال ستة اشهر اي ما بين شهري تشرين الاول والثاني المقبلين.
لكنّ الأمور لا تبدو بهذه السهولة إذ إن لجلسة مناقشة الاوثوذكسي ارتدادات، كما أن للمشروع المختلط تعقيداته الكثيرة ان على المستوى السياسي والفرقاء المعنيين او حتى على المستوى الشعبي وتثقيف الناس تجاهه، ما يعيد رفع احتمالات عدم التفاهم وبالتالي اعادة الروح السياسية للحكومة المفترض تشكيلها وعودة شد الحبال حول الحكومة المقبلة ربما الى درجة خنقها.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018