ارشيف من :أخبار لبنانية
الحكومة بين إمكانية التكليف وصعوبة التأليف ومخاطره
أمين حطيط - صحيفة "البناء"
عندما اندفع نجيب ميقاتي لتقديم استقالة الحكومة التي يرأسها ظناً منه بأنّه باستجابته للطلبات الخارجية، مع الحرص على المصالح الداخلية الفئوية المقدّرة سيحقق أرباحاً تُراكم سياسياً ما حققه من أرباح مادية طيلة سنتين من عمر حكومته المستقيلة، لكن غاب عنه أن المنطقة والعالم عرضة لحركة متسارعة لا يقرّ لها قرار بين شروق الشمس ومغيبها في زمن يبحث فيه العالم عن نظام عالمي جديد ينظم حركته وعلاقاته الدولية، كما غفل عن معطى رئيس مفاده بأن لا شيء في هذا العصر يمكن اخفاؤه أو حجبه عن الناس، وأن تقديم استقالة من أجل الانخراط في خطّة أوباما ضدّ سورية ليس من الأمور التي يمكن حجبها أو التنصل من مفاعيلها، لأن المرء مهما جهد في التبرير وحجب الحقائق أو تغيير صورها يبقى هناك من يملك القدرة على تحصيل المعلومة وإجراء التحليل الصحيح للوصول إلى الحقيقة.
والآن، وقد وضع لبنان أمام واقع لا يُحسد عليه في ظل الحراك الإقليمي والدولي المتسارع، حيث الانقسام السياسي الحاد والضغوط الخارجية المتصاعدة تحول دون الوصول إلى حلّ آمن يُبعد عن الوطن والدولة مخاطر كانت اقل في حجمها لو لم تحدث تلك الاستقالة في هذا الوقت بالذات، نقول هذا رغم أنّنا لم نكن يوماً من المعجبين بنجيب ميقاتي كرئيس للحكومة، أو بنمط إدارته وسلوكه السياسي، الذي قام على الاستماتة في استرضاء تيار «مستقبل» الحريري والمزايدة في الشأن المذهبي وحماية أشخاص ومواقع حتى ولو كان ذلك على حساب المصلحة الوطنية وخرقاً للقانون أو الدستور، ولكن كان من الممكن احتمال هذه الحكومة لثلاثة أشهر إضافية من أجل تأمين إقرار قانون انتخاب عادل وإجراء الانتخابات على أساسه، وتسهيل تدوال السلطة بشكل سلس وطبيعي ودفع الأخطار عن البلد في زمن التغيير والعواصف والحريق العربي المتمادي،
لكن ميقاتي لم يُعر هذه المصلحة الوطنية أي اعتبار، وأدار أذنه بعد قلبه للخارج ليُصغي لإملاءاته، ثم توجّه إلى لداخل سعياً لتحقيق المصالح الفئوية، وقدّم استقالته من دون أن يكون هناك أفق واضح المعالم لتشكيل حكومة بديلة تحصّن لبنان من الأعاصير التي تضرب المنطقة.
مع الاستقالة، بات لبنان على عتبة استشارات نيابية ملزِمة لاختيار شخص من الطائفة الإسلامية السنية لتكليفه بتشكيل الحكومة، ورغم اشتداد الحالة الضبابية التي تكتنف المشهد اللبناني قبل هذه المشاورات، فإننا لا نرى سبباً وجيهاً يحول دون تحديد اسم شخص يُعهد إليه بمهمّة التأليف، لأنّ قواعد الدستور بعد تعديلات الطائف حسمت المسألة ونظّمت قواعدها، بحيث لم تترك في المبدأ مجالاً لمزاجيّة أو انتقائية، إذ على رئيس الجمهورية أن يستمع لكل من يلبي دعوته للاستشارات (في المبدأ على جميع النواب المشاركة كتلاً أو أفراداً) وأن يُحصي الاختيارات والاقتراحات، وأن يكلف بتأليف الحكومة من يحوز على الرقم الأعلى من عدد النواب، بعد أن يُطلع رئيس مجلس النواب على المحصّلة ويتشاور معه حولها، تبقى هنا تفاصيل صغيرة لا بدّ من مواجهتها، تتعلق باستنكاف النواب عن المشاركة في الاستشارات، أواستنكافهم عن تسمية مرشحهم للتأليف، أوامتناع رئيس مجلس النواب عن التداول في نتائج الاستشارات.
وإذا كانت العقبتان الأولى والثانية من الأمور الطبيعية التي يمكن تجاوزها، واعتبار الممتنع عن المشاركة بالاستشارات أو الممتنع عن التسمية، بمثابة الممتنع عن التصويت، وبالتالي يسقط من احتساب الغالبية، فلا يؤثر سلباً أو إيجاباً عليها، تبقى مسألة لم تُطرح سابقاً تتعلق بامتناع الرئيس بري عن التداول والتشاور بنتائج الاستشارات قبل أن يُصار إلى تكليف شخص بتأليف الحكومة، خاصّة أن مثل هذه الفرضية قائمة إذا حصل القياس على مواقف رئيس مجلس النواب المعلنة أو الممارسة، التي فيها امتناع عن المساهمة في عمل سياسي يراه غير ميثاقي، فإذا امتنع مكوّن رئيسي من مكوّنات الشعب اللبناني عن الاستشارات، واستتبع هذا الأمر استنكاف رئيس المجلس عن المشاركة في التشاور قبل التكليف، فهل يحصل التكليف أصلاً، وهل يكون دستورياً إذا حصل؟ أشك بدستورية التكليف إن لم يأت نتيجة تشاور مع رئيس المجلس النيابي يلي اطلاعه على حصيلة الاستشارات الُملزِمة.
وبعد هذه العقبة، ومع فرض حصول التكليف ومع الانقسام السياسي القائم نطرح السؤال: هل من الممكن التكليف الآن خاصّة أن القوى السياسية مشتتة ومتناقضة الاتجاهات والأهداف بين تيارات ثلاثة:
التيار المنخرط في المشروع الغربي الذي يستهدف المقاومة، ومكامن القوة في لبنان السيّد المستقل، وهو يسعى الى حكومة حيادية تمكّنه من الاستجابة للطلب الأميركي، باستبعاد حزب الله والتيار الوطني الحرّ عن المشاركة فيها، وتكون مهمّتها إجراء انتخابات نيابية حصراً وفقاً للقانون الذي يدّعي هذا الفريق بأنّه هو الوحيد النافذ المعمول به، بما يعيده للسلطة، وتكرر مأساة لبنان مع هذا الفريق التي عاناها منذ عام 2005؟
التيار الوطني المقاوم الذي يسعى إلى إقامة السلطة الوطنية اللبنانية ذات السيادة، التي يتمثّل فيها اللبنانيون جميعاً دونما إقصاء أو تهميش لأحد، بل كل وفق حجمه، ويرى أن الطريق إلى ذلك لا يكون إلّا عبر قانون يتم إقراره في ظلّ حكومة تقود الحركة السياسية اللبنانية باتجاه إقرار هذا القانون، بما يؤمّن صحّة التمثيل وتُجرى الانتخابات على أساسه بنزاهة وشفافية، فإن كان مشروع القانون المسمى أرثوذكسياً الذي اعتمد في اللجان المشتركة وينتظر موقف الهيئة العامة منه، لا يستجيب بنظر البعض للقواعد الميثاقية، فليبحث في صيغة أخرى لا تكون طريقاً لتزوير الإرادة الشعبية، كما هو حال القانون المعتمد في عام 2008.
تيار المقاولات السياسية والتجارة المصلحية، وهو ما يسمى الآن بالوسطية وهو تيار جاهز لنصرة الفريق الذي يؤمّن حدّاً أعلى من المصالح والمكاسب، ويجنّبه أيضاً الحد الأعلى من المخاطر والتهديدات. وتشتد أهمية هذا الفريق مع وضوح عجز أي من الفريقين الأوّل والثاني عن تشكيل الحكومة بمفرده وصعوبة اللقاء بين المتناقضين، لأن أيّاً منهما لا يملك أكثرية 65 نائباً لتشكيل الحكومة، لكن تتعقد مهمّة هذا الفريق مع ظهور المخاطر التي سيتعرّض لها في حال الانحياز لأي من الفريقين، خاصّة إذا كان الانحياز للفريق الإقصائي وهنا تكون الطامة الكبرى.
في ظلّ هذا التناقض نرى أن تشكيل الحكومة – هذا إذا حصل التكليف – أمر ليس بالسهل مع تمسّك الفريقين الأوّل والثاني بمواقفه، وأن محاولة التشكيل الأحادي قد تقود في ظلّ الوضع الملتهب في المنطقة عامّة وفي سورية خاصة، إلى إلحاق لبنان سريعاً بمنطقة الحريق العربي، كما أن بقاء لبنان في حال الفراغ السياسي القائم مع حكومة مستقيلة لن يكون مدخل أمن وطمأنية يفاخر بها، وهنا نعود ونسأل من تسبّب بهذا الأمر؟ أي نسأل نجيب ميقاتي هل كان يعلم بهذا قبل تقديم استقالته؟ أم أنّه راهن على أشياء تبيّن أنها غير صحيحة، أم أنّها تقلبت وتغيّرت بعد الاستقالة، ولم تأتِ حسابات الحقل لتتطابق مع حسابات البيدر؟ وإذا كان يريد أن كان يقبل أو يريد أن يعود إلى رئاسة حكومة من الأكثرية ذاتها فالسؤال يطرح بوجهه لماذا كانت الاستقالة أصلاً؟ مع علمه بأنّ تيار المستقبل لن يغفر خطيئته وخطاياه التي يعتبرها – على حدّ قول بعض قياديّي هذا التيار – خطيئة لا يطهّرها إلّا الموت.
وعلى هذا الأساس نرى أن تشكيل حكومة لبنانية اليوم ليس بالأمر العادي، أو المهمّة الروتينية التي يصحّ القول فيها «لتأخذ اللعبة الديمقراطية مجراها» إنه أبعد من ذلك بكثير، وهنا ننصح بالتروي وعدم الاستعجال في الاستشارات، ان لم يكن اتفاق، أو التروّي بالتكليف إن لم يكن توافق، أو التريّث بالتشكيل إن لم يكن وفاق ولتحسب كلّ خطوة بدقّة، لأنّ الخطأ هنا سيكون في نتائجه فظيعاً، ونرجو أن لا يكون مميتاً. خاصّة أن أحد التيارات يخوض معركة وجود في هذه المسألة في ظلّ الحرب التي تشنّها المنظومة الغربية عليه، ولا يستطيع مع هذه المخاطر أن يُراعي أحداً أو يتساهل مع أحد.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018