ارشيف من :أخبار لبنانية

تمّام يكلَّف اليوم فهل يمرّ التأليف على سلام!؟

تمّام يكلَّف اليوم فهل يمرّ التأليف على سلام!؟

هتاف دهام - صحيفة "البناء"    


تمّام سلام، يُكلّف اليوم بتشكيل الحكومة المقبلة، هو ابن الرئيس الراحل صائب سلام، وبالتالي هو ابن شعار التفهّم والتفاهم، وشعار لا غالب ولا مغلوب، حظيَ بتوافق فريقي 8 و14 آذار، باستثناء كتلة رئيس تيار المرده النائب سليمان فرنجية الذي أعلن بكلّ وضوح أسبابه الوجيهة، ومفادها أنه لا يُعارض تسمية سلام، إنما يسجّل موقفاً رافضاً للطريقة «الاحتفالية المسرحية التي تعمّد فريق 14 آذار إظهارها حين أعلن من بيت الوسط تأييده لترشيح سلام.»

ولذلك، يعوّل الأفرقاء السياسيون على أداء الرئيس المكلف في هذه المرحلة التي هي مرحلة تسوية الحدّ الأدنى اللبنانية، في ظلّ تشجيع سعودي لحوار مع حزب الله، ورغبة سعودية معلنة أيضاً لاستمرار النأي بالوضع الداخلي اللبناني عن تعقيدات الأزمة السورية، بالرغم من أنّ هذا النأي لا يجد ترجمته الفعلية والكلية على أرض الواقع. 

وفيما ينتظر أن يفتح التكليف فالتأليف البلاد على مرحلة جديدة من الانفتاح بين جميع الأفرقاء، يبدو أنّ الحكومة العتيدة ستكون حكومة التناقضات وإعادة ترتيب البيت الداخلي اللبناني، فهناك تسوية قد تظهرها عملية التأليف على غرار التوافق الذي حصل على الاسم، وستسهّل إمكانية ولادة خيار توافقي في شأن الاستحقاق الانتخابي.

لقد لاحت فرصة لحزب الله أن يشهد حركة سياسية تحاكي تطلعاته، وأهدافه، أيّ بناء علاقات سياسية تمنع الفتنة السنيّة ـ الشيعيّة التي يُحضّر لها منذ سنوات مضت، حكومة تضم جميع المكوّنات، وبما أنّ حزب الله يتعامل وفق المبادئ والجوهر، لا وفق الشكليات، فآخر همّ عنده كيف حاول تيار المستقبل ابتداع المخرج لتسمية تمام سلام، فالرجل في تاريخه الشخصي لم يكن يوماً عدواً للمقاومة، بل كان صديقاً لها، وابن مدرسة التفهّم والتفاهم والوحدة الوطنية، ومن الصعوبة بمكان أن يكون متطرفاً، فهو ابن بيت معتدل، وطني وعروبي، ووفق مقرّبين منه يؤمن بالوحدة بين جميع مكونات الوطن، والمسافات المتساوية بين الأفرقاء كافة.

يُعدّ وجود تمام سلام على رأس حكومة جامعة مكسباً لحزب الله وفريق الثامن من آذار، ولا يستطيع تيار المستقبل أن يدّعي انتصاراً في هذه التسمية، لأنّ سلام ليس عضواً في تيار المستقبل بل هو عضو في كتلة لبنان أولاً، ولو كان بإمكان تيار المستقبل تحقيق النصر وإلحاق الهزيمة بفريق 8 آذار والتيار الوطني الحر، لكان أوصل إلى رئاسة الحكومة مجدّداً الرئيس سعد الدين الحريري، أو الرئيس فؤاد السنيورة، أو الاسم المستجدّ حالياً اللواء أشرف ريفي، الذي كان الورقة المكشوفة لاستقالة الحكومة الميقاتية.

بعد عودة النائب سلام من الرياض التي اقتصر لقاؤه فيها على الرئيس الحريري بعكس ما أشيع، وتوجّهه إلى وادي أبو جميل، حيث عُقد اجتماع لقوى 14 آذار التي تحاول لمّ شملها، أعلن بعده المجتمعون تأييدهم لتسمية سلام كرئيس مكلف لتشكيل الحكومة الجديدة، بدت الصورة وكأنها فوز لهذا الفريق الآذاري الذي استرجع السلطة التي خسرها في مطلع العام 2011.

 إلا أنّ ذلك لم يكن صائباً، فتكليف النائب البيروتي بتأليف الحكومة العتيدة، هو اختيار عقلاني، من قبل المكونات مجتمعة ولا يؤثر في صوابية الاختيار، اعتبار البعض أنه نصر له.
لقد أبرزت تسمية تمام صائب سلام تقدّم سياسة المصالحة الوطنية، وسقوط سياسية الابتزاز والاتفاقات من تحت الطاولة، وتراجع الفكر الإقصائي والإلغائي الذي اكتوى به لبنان منذ العام 2005.

يبقى الاختبار الجدي لنوايا الأطراف في ممارستهم أثناء عملية التشكيل، ويخشى المتابعون، أن تعود وتسقط النعرات الإقصائية لتعطل عملية التأليف من خلال الفيتوات المتبادلة، لأنّ تمام سلام إما أن يشكل حكومة جامعة وفقاً لمبادئ وعناوين مقبولة من الجميع أو أنه لا يشكل، خصوصاً أن الأقطاب الأساسيين، وفي طليعتهم قوى المقاومة، لا يمكن أن يتنازلوا عن معادلة حماية لبنان المتمثلة بثلاثية الجيش والشعب والمقاومة.

لقد انطلق حزب الله منذ العام 2005 من سياسة قامت على مبادئ رئيسية تمثلت برفض الفتنة بكلّ أشكالها، المحافظة على سلاح المقاومة، وتشكيل وحدة وطنية لحماية هذا السلاح، والتأكيد دائماً على مرجعية الدولة.
هذه السياسة كانت موضع انتقاد من جمهور واسع مؤيّد للمقاومة، كان يأخذ على حزب الله وعلى فريق 8 آذار عموماً عدم استثمار العديد من الفرص التي أتيحت في أكثر من محطة، سواء بعد حرب 2006، أو في أعقاب 7 آيار 2008، إلا أنّ حزب المقاومة وانطلاقاً من مبادئه، والتاريخ يشهد له، لم تكن السلطة يوماً همّه على الإطلاق، فما يهمّه هو حفظ المقاومة والوحدة الوطنية والاستقرار، لذلك كان يعقد بعض التحالفات على غرار التحالف الرباعي الذي يعتبر البعض أنه الخطأ الأكبر والأول الذي جرّ وراءه كلّ الأخطاء اللاحقة.

لقد أصرّ حزب الله يوم تكليف الرئيس نجيب ميقاتي في العام 2011 على تشكيل حكومة وحدة وطنية، وقدّم التنازلات تلو التنازلات في سبيل ذلك، إلا أنّ فريق 14 آذار يومذاك ضرب بعرض الحائط كلّ المساعي  وقرّر تعطيل مسار التوافق.
وحكومة تصريف الأعمال الحالية كان مقدّراً لها أن تستمرّ إلى حين الانتخابات لو لم ينقلب رئيسها نجيب ميقاتي على نفسه، ويقدم رأسه لخصومه، من خلال محاولة إحراج شركائه بقرارات لا يمكنهم تمريرها بأيّ شكل من الأشكال.

وأمام ذلك لم تكن استقالة الرئيس ميقاتي، خسارة لحزب الله أو لفريق 8 آذار، بل وفق مقرّبين من الحزب، تعدّ مخرجاً أتاح التخلص من عبء الميقاتي الذي لم يكن يوفر مناسبة إلا ويسعى من خلالها إلى ممارسة الابتزاز السياسي عند أيّ مطبّ أمني أو سياسي، محلي أو إقليمي، بهدف تحقيق مكاسب ذاتية محدودة في الزمان والمكان.
لقد حصد الرئيس ميقاتي الخسارة الأكبر وشبه الوحيدة، فهل سياسته الخاطئة التي اعتمدها ستخسّره مقعده النيابي إضافة الى خسارته رئاسة الحكومة؟
 

2013-04-06