ارشيف من :أخبار لبنانية

اختيار سلام…هل ينهي الحرب؟

اختيار سلام…هل ينهي الحرب؟
عصام نعمان - صحيفة البناء

كلٌ يدّعي وصلاً بليلى. كلُ الكتل السياسية تدّعي أنها وراء اختيار تمام سلام لتأليف حكومة لبنان المقبلة... بعد أسبوع أو شهر أو سنة!
وليد جنبلاط، قائد «جبهة النضال الوطني» الوسطية، قال في حديث له «إني أول من اتصلت بسلام وأتمنى أن يلقى اختياري له صدى إيجابياً لدى الجميع». لماذا ؟ لأن «مدير المخابرات السعودية الأمير بندر بن عبد العزيز ورئيس أكبر كتلة نيابية في لبنان سعد الحريري اختارا اللواء أشرف ريفي، وقد رفضت خيارهما لأنه خيار تحدّ».

أكثر من ذلك، لم يتوانَ جنبلاط عن القول في برنامج «كلام الناس» التلفزيوني: «سجّلوا للتاريخ…أنا أخرجت السعودية قبل سنتين وأنا من يعيدها إلى لبنان اليوم».

 واقع الأمر، بحسب أركان «كتلة المستقبل» النيابية، أن ما قاله جنبلاط مُبالغ به إجرائياً، وغير دقيق سياسياً. صحيح أنه بتخليه مع نواب كتلته السبعة عن سعد الحريري وانتقاله إلى صف قوى 8 آذار في 15 كانون الثاني 2011، أسقط حكومة الحريري وسهّل ترأس نجيب ميقاتي لحكومة جديدة موالية لحزب الله. أما اليوم فإن تخلي جنبلاط مُكرهاً عن ميقاتي وانتقاله إلى تأييد تمام سلام ما كان ليحدث لولا موقف السعودية وتفاهمها مع الحريري على أن يكون سلام هو واجهة الحكم في المرحلة المقبلة.

 يُعزّز الحريريون دعواهم بوقائع ملحوظة، أهمها ان الحريري «استدعى» سلام لزيارته في الرياض، مستضيفاً إياه في الذهاب والإياب على متن طائرتـه الخاصة، ومجتمعاً به نحو ثلاث ساعات على انفراد من دون اي مسـؤول سعودي، وعودته إلى بيروت ليشارك لتوّه في «احتفالية» منظمة في «بيت الوسط» وسط حشد من نواب قوى 14 آذار…

 لكن صحفاً من قوى 8 آذار بادرت إلى التأكيد بأن رواية الحريريين لاختيار سلام منقوصة. ذلك لأن لرئيس مجلس النواب نبيه بري دوراً في صوغها، بمعنى تسويق اسم سلام في أوساط قوى 8 آذار وإقناع قادتها بأنه خير خلف لخير حليف سابق ملتبس الولاء والأداء في ظروف عصيبة تمرّ بها البلاد!
إلى ذلك، ينبري آخرون للادّعاء بأن ثمة اتفاقاً ضمنياً تمّ بين السعودية وحزب الله لتهدئة الساحة اللبنانية بغية إقامة حكومة سياسية متوازنة تواكب التسوية السياسية المرتقبة للأزمة السورية المتفاقمة. لكن سفير السعودية في بيروت علي عوّاض عسيري أكّد لصحيفة «السفير» إن تكليف سلام بتأليف الحكومة خيار لبناني فحسب.

 كل هذه الروايات على تناقضها تستبطن بعض الحقيقة، لكنها لا تفصح عن حقيقة التحدّيات الكبرى التي تواجه الجميع عند المباشرة بتأليف الحكومة.
أول التحدّيات تركيبةُ الحكومة المقبلة. ذلك لأن مصاعب التكليف تهون أمام مشاكل التأليف. وإذا ما تذكرنا ملابسات تأليف حكومات فؤاد السنيورة وسعد الحريري ونجيب ميقاتي منذ ايار 2008، نجد ان تأليف كلٍّ منها استغرق ما لا يقل عن خمسة أشهر. لماذا؟ لأن حساسية الظروف الراهنة وخطورتها من جهة، ومن جهة أخرى نزوعُ كل القوى السياسية الرئيسةإ المشاركة في الحكومة لصون مصالحها تجعل التأليف عملية بالغة الصعوبة. فقوى 14 آذار تريد لقرار الحكومة ان يكون في قبضتها، بينما تحرص قوى 8 آذار على يكون لها داخل مجلس الوزراء الثلث الضامن (اي ثلث مجموع الوزراء) الذي يتيح لها إمرار او تعطيل القرارات الأساسية والمصيرية. فكيف يمكن توزيع المقاعد الوزارية على نحوٍ يؤمّن للقوتين الرئيستين ما تبتغيان؟ وهل ثمة معادلة أخرى تحقق التوافق بينهما؟

ثاني التحدّيات مسألةُ البيان الوزاري والأهداف التي تتوخى الحكومة العتيدة تحقيقها. فهل مهمة الحكومة الإشراف على إجراء الانتخابات؟ وفق أيِّ قانون ستُجرى الانتخابات؟ قانون «الستين» الأكثري المرفوض من معظم القوى السياسية، ام مشروع القانون النسبي الذي كانت حكومة ميقاتي قد أحالته على مجلس النواب؟ أم القانون المختلط الذي كان اقترحه الرئيس بري؟ أم أن ثمة «خلطة» أخرى سيُصار إلى تجسيدها في مشروع قانون جديد؟
ثالث التحدّيات مسألة التمديد أو عدم التمديد لمجلس النواب. ذلك لأن ولاية المجلس الحالي تنتهي في 20 حزيران المقبل. فهل تتوافق أطراف الحكومة العتيدة على التمديد له اذا تعذّر التوافق على قانون جديد للانتخابات، ام انها ستحجم عن ذلك بسبب إمكانية الطعن به أمام المجلس الدستوري وبالتالي إبطاله بحجة عدم دستوريته الواضحة؟
أما رابع التحدّيات فهو الموقفُ من الأزمة السورية. فحكومة ميقاتي كانت اعتمدت سياسة النأي بالنفس عنها، وقوى المعارضة لها (14 آذار) كانت تتهم القوى المؤيّدة لها بأنها تقوم بدعم النظام السوري سياسياً وقتالياً، بينما قوى 8 آذار كانت تتهم قوى 14 آذار بأنها تسهّل إمرار السلاح والعتاد والإسلاميين «الجهاديين» إلى سورية عبر الحدود الشمالية والشرقية. فما السياسة الحكيمة القابلة للتنفيذ التي ستعتمدها الحكومة المقبلة؟

 وخامس التحديات هو احتمالُ عجز تمام سلام عن تأليف الحكومة بسبب الشروط والشروط المضادة، والخلاف على الحصص والمغانم، وتدخّل الأطراف الخارجية. فما العمل اذا لم يؤدِ تكليف تمام سلام إلى إنهاء الحرب السياسية الضارية والدائرة حالياً بين القوى المحلية والخارجية على الساحة اللبنانية؟
 هذا الاحتمال وارد، ويجب ان يضعه الأقطاب والمسؤولون والقوى السياسية جميعاً في الحسبان. ولعلّ النتيجة الأولى الناجمة عنه هي بقاء البلاد في عهدة حكومة تصريف الأعمال التي يتولى إدارتها نجيب ميقاتي. النتيجة الثانية تراخي قبضة «الدولة» ونفوذها، وعودة قوى الأمر الواقع إلى ممارسة أدوار أمنية و»اقتصادية» وحتى سياسية على حساب أركان الشبكة الحاكمة بمواليها ومعارضيها. وقد اختبر لبنان هذه الحال البائسة خلال ثمانينات القرن الماضي، فكان حصادها مرّاً وكارثياً على أيدي مافيات السلاح والمال والتهريب والمخدرات، فهل من حصيلة مماثلة في الحاضر والمستقبل للماضي المرذول؟

 ثمة من يعتقد بين القوى الوطنية الحيّة كما بين قلّة من السياسيين التقليديين المتعقّلين انه لا يجوز ترك البلد في أيدي شبكة سياسية مترهّلة، عجزت حتى عن إعادة إنتاج النظام الطوائفي الفاسد الذي تستغله إلى أبعد الحدود، وان الواجب والمصلحة الوطنيين يقضيان بأن تنهض القوى الحية داخل حكومة تصريف الأعمال وخارجها، بمسؤولياتها الوطنية، فتبادر إلى الإفادة من الظروف الاستثنائية من أجل إقامة شرعية استثنائية تستولد قرارات استثنائية تفرضها طبيعة المرحلة. ولعل أول الإجراءات المطلوبة، وضع قانون للانتخابات على أساس التمثيل النسبي في لبنان كله كدائرة انتخابية واحدة، على ان يصار إلى إقراره في استفتاء عام.

انه قرار استثنائي تأسيسي ومدخل إلى الارتقاء بلبنان من حضيض نظامه الطوائفي الفاسد إلى مستوى الدولة المدنية الديمقراطية التي طال انتظارها.
2013-04-08