ارشيف من :أخبار لبنانية
«المستقبل» أسير «العصمة» الجنبلاطية
غسان ريفي - صحيفة السفير
لطالما ردّد قياديون في «تيار المستقبل» أن الإيجابية الوحيدة للحكومة الميقاتية، هي توفيرها مادة تعبئة سياسية ومذهبيّة يمكن استخدامها في الانتخابات النيابية المقبلة لمصلحتهم، ولذلك، لطالما تم التركيز على «حكومة القمصان السود»، و«حكومة حزب الله»، و«حكومة بشار الأسد» و«حكومة النأي بالنفس عن كل قضايا اللبنانيين المعيشية والاقتصادية والاجتماعية».
مع استقالة نجيب ميقاتي، وتكليف تمام سلام رئاسة الحكومة، خسر «تيار المستقبل» الكثير من هذه الشعارات. تكفي استعادة البيان الأخير لكتلة «المستقبل»، ليتبين أننا أمام خطاب سياسي جديد لا يشبه سابقه. لا ذكر لـ«حزب الله» وسلاحه في كل فقرات البيان.
لا بد من أن يحسب «المستقبل» حسابا لأن يكون «حزب الله» شريكه في تسمية الرئيس المكلف وهذا ما حصل. لا يمكن استباق احتمال أن تكون الحكومة سياسية أو نصف سياسية وبالتالي أن يكون «حزب الله» شريكا لـ«الزرق» في حكومة سلام.
لـ«المستقبل» أن يكتفي هذه المرة برفع شعار دعم المعارضة السورية ولو أنه لم يعد «ماركة مسجلة» باسمه، بعدما اخترق التعاطف مع هذه المعارضة أكثرية الصفوف السياسية السنية التي تختلف سياسيا معه، في ظل تقديرات بأنه مضطر للتواضع في الموضوع السوري ربطا بالمسؤوليات السياسية الجديدة والمناخات السعودية والدولية.
على الأرجح، سيكون «المستقبل» معنيا باطلاق مسابقة التفتيش عن شعار سياسي جديد يطل به على شارعه من الآن وحتى موعد الانتخابات النيابية المفترضة، بعدما فقدت معظم الشعارات السابقة صلاحيتها.
لنلاحظ مثلا أن «التيار الأزرق» يحاول اللعب مؤخرا على وتر الاعتدال والتطرف، من خلال إيجاد عدو جديد هو الحالة السلفية المتشددة الممتدة من صيدا الى طرابلس، وقد استعان عليها بمواقف سياسية (أحمد الحريري) ودينية (المفتي مالك الشعار)، لكن الردود العنيفة التي واجهها دفعته الى التراجع وتقديم نوع من الاعتذار عن «الاساءة غير المقصودة» بحق هذه الحالة الاسلامية المتنامية منذ انطلاق الربيع العربي.
واذا افترضنا أن ما قاله وليد جنبلاط عبر «كلام الناس» مؤخرا، هو كلام دقيق، ما لم ينفه هو أو غيره، فيكون «تيار المستقبل» قد قبل لنفسه ما كان قبل سنتين قد رفضه لميقاتي بتسميته رئيسا للحكومة بأكثرية يمثلها «حزب الله» و«قوى 8 آذار».
أكثر من ذلك، لم يكتف جنبلاط بالتسمية بل حدد هوية الحكومة المقبلة باصراره على أن «الأمر لي» في منح هذه الحكومة الحياة أو إسقاطها في مجلس النواب اذا لم تحمل صفة حكومة وحدة وطنية.
وثمة أسئلة تفرض نفسها في هذا الاطار: إذا كان ميقاتي قد دخل على مدار سنتين في صراع مع حلفائه في الحكومة، وقدم للطائفة السنية ما لم يستطع سعد الحريري وفؤاد السنيورة أن يقدماه، بعد أن انتزع سلة من المكتسبات انتزاعا وفي مقدمتها تمويل المحكمة الدولية وحماية الموظفين السنة وعلى رأسهم أشرف ريفي والشهيد وسام الحسن وسعيد ميرزا وسهيل بوجي، فماذا يستطيع أن يفعل «تيار المستقبل» في حكومة «عصمتها» في يد جنبلاط؟
وما الفرق بين رئيس حكومة يسميه «حزب الله» ورئيس حكومة آخر يسميه جنبلاط؟ وأين كرامة الطائفة السنية التي شكلت عنوانا رئيسيا في الحسابات الميقاتية؟
ألم يستفز جنبلاط عمق أعماق الوجدان السني في لبنان باعلانه أنه هو من رفض تسمية ريفي لأنه مرشح تحد، وأنه هو من فرض تسمية سلام؟ ولماذا مارس جنبلاط هذا الاسلوب الاستفزازي؟ وما هي الرسالة التي أراد أن يوجهها الى «المستقبل» والمملكة؟ وأين سعد الحريري من كل ذلك؟.
في الشكل، نجح الحريري في الثأر الشخصي من ميقاتي باقصائه عن رئاسة الحكومة بعد سنتين من الانتظار، لكن في المضمون، فان جملة من الخسائر لحقت بـ«تيار المستقبل» أبرزها العجز عن تسمية المرشح الذي يريده، اذا اعتبرنا أن تمام سلام كان خيارا جنبلاطيا بامتياز.
واذا صح العكس، أي أن «المستقبل» هو من سمى، يصح هنا المثل الشائع «جاب الدب على كرمو»، ذلك أنه مع تكليف تمام سلام أعيد فتح بيت سياسي تقليدي عريق في بيروت، بيت صائب سلام، خصوصا أن وريثه الشرعي والوحيد (تمام) لم ينقطع يوما عن التواصل مع البيئة الشيعية، وخاصة «حزب الله» و«أمل»، برغم انتمائه «القسري» الى «كتلة المستقبل»، إلا إنه ينتهج الوسطية ويتواصل مع نجيب ميقاتي وحليفه أحمد كرامي، وبالتالي فان التكليف سيعطي قوة دفع لشخصية ترفض بطبيعتها وضع البلد بأي حال من الأحوال على سكة الفتنة السنية الشيعية.
في الخلاصة، فقد «تيار المستقبل» زمام المبادرة ولم يعد بامكانه أن يضع الشروط، بعدما بات مكبلا بقيود الحكومة الجديدة وأدائها وممارساتها، وبرئيس محسوب عليه ولا يمتلك قراره بالكامل، وبشراكة مستجدة مع من وصل به الحد خلال المرحلة الماضية الى وصفهم بـ«أعداء الوطن»، وبالتالي فان «المستقبل» قد خسر كل عناصر القوة التي كان يمكن أن يستثمرها في أي استحقاق سياسي مقبل، وبات عليه أن يفتش عن قضية جديدة يخوض الانتخابات النيابية على أساسها، من دون إغفال أهمية التفتيش عن مصادر تمويل تعيد تعويمه في شارعه الذي اعتاد الخدمات ومواسم الانتخابات.
لطالما ردّد قياديون في «تيار المستقبل» أن الإيجابية الوحيدة للحكومة الميقاتية، هي توفيرها مادة تعبئة سياسية ومذهبيّة يمكن استخدامها في الانتخابات النيابية المقبلة لمصلحتهم، ولذلك، لطالما تم التركيز على «حكومة القمصان السود»، و«حكومة حزب الله»، و«حكومة بشار الأسد» و«حكومة النأي بالنفس عن كل قضايا اللبنانيين المعيشية والاقتصادية والاجتماعية».
مع استقالة نجيب ميقاتي، وتكليف تمام سلام رئاسة الحكومة، خسر «تيار المستقبل» الكثير من هذه الشعارات. تكفي استعادة البيان الأخير لكتلة «المستقبل»، ليتبين أننا أمام خطاب سياسي جديد لا يشبه سابقه. لا ذكر لـ«حزب الله» وسلاحه في كل فقرات البيان.
لا بد من أن يحسب «المستقبل» حسابا لأن يكون «حزب الله» شريكه في تسمية الرئيس المكلف وهذا ما حصل. لا يمكن استباق احتمال أن تكون الحكومة سياسية أو نصف سياسية وبالتالي أن يكون «حزب الله» شريكا لـ«الزرق» في حكومة سلام.
لـ«المستقبل» أن يكتفي هذه المرة برفع شعار دعم المعارضة السورية ولو أنه لم يعد «ماركة مسجلة» باسمه، بعدما اخترق التعاطف مع هذه المعارضة أكثرية الصفوف السياسية السنية التي تختلف سياسيا معه، في ظل تقديرات بأنه مضطر للتواضع في الموضوع السوري ربطا بالمسؤوليات السياسية الجديدة والمناخات السعودية والدولية.
على الأرجح، سيكون «المستقبل» معنيا باطلاق مسابقة التفتيش عن شعار سياسي جديد يطل به على شارعه من الآن وحتى موعد الانتخابات النيابية المفترضة، بعدما فقدت معظم الشعارات السابقة صلاحيتها.
لنلاحظ مثلا أن «التيار الأزرق» يحاول اللعب مؤخرا على وتر الاعتدال والتطرف، من خلال إيجاد عدو جديد هو الحالة السلفية المتشددة الممتدة من صيدا الى طرابلس، وقد استعان عليها بمواقف سياسية (أحمد الحريري) ودينية (المفتي مالك الشعار)، لكن الردود العنيفة التي واجهها دفعته الى التراجع وتقديم نوع من الاعتذار عن «الاساءة غير المقصودة» بحق هذه الحالة الاسلامية المتنامية منذ انطلاق الربيع العربي.
واذا افترضنا أن ما قاله وليد جنبلاط عبر «كلام الناس» مؤخرا، هو كلام دقيق، ما لم ينفه هو أو غيره، فيكون «تيار المستقبل» قد قبل لنفسه ما كان قبل سنتين قد رفضه لميقاتي بتسميته رئيسا للحكومة بأكثرية يمثلها «حزب الله» و«قوى 8 آذار».
أكثر من ذلك، لم يكتف جنبلاط بالتسمية بل حدد هوية الحكومة المقبلة باصراره على أن «الأمر لي» في منح هذه الحكومة الحياة أو إسقاطها في مجلس النواب اذا لم تحمل صفة حكومة وحدة وطنية.
وثمة أسئلة تفرض نفسها في هذا الاطار: إذا كان ميقاتي قد دخل على مدار سنتين في صراع مع حلفائه في الحكومة، وقدم للطائفة السنية ما لم يستطع سعد الحريري وفؤاد السنيورة أن يقدماه، بعد أن انتزع سلة من المكتسبات انتزاعا وفي مقدمتها تمويل المحكمة الدولية وحماية الموظفين السنة وعلى رأسهم أشرف ريفي والشهيد وسام الحسن وسعيد ميرزا وسهيل بوجي، فماذا يستطيع أن يفعل «تيار المستقبل» في حكومة «عصمتها» في يد جنبلاط؟
وما الفرق بين رئيس حكومة يسميه «حزب الله» ورئيس حكومة آخر يسميه جنبلاط؟ وأين كرامة الطائفة السنية التي شكلت عنوانا رئيسيا في الحسابات الميقاتية؟
ألم يستفز جنبلاط عمق أعماق الوجدان السني في لبنان باعلانه أنه هو من رفض تسمية ريفي لأنه مرشح تحد، وأنه هو من فرض تسمية سلام؟ ولماذا مارس جنبلاط هذا الاسلوب الاستفزازي؟ وما هي الرسالة التي أراد أن يوجهها الى «المستقبل» والمملكة؟ وأين سعد الحريري من كل ذلك؟.
في الشكل، نجح الحريري في الثأر الشخصي من ميقاتي باقصائه عن رئاسة الحكومة بعد سنتين من الانتظار، لكن في المضمون، فان جملة من الخسائر لحقت بـ«تيار المستقبل» أبرزها العجز عن تسمية المرشح الذي يريده، اذا اعتبرنا أن تمام سلام كان خيارا جنبلاطيا بامتياز.
واذا صح العكس، أي أن «المستقبل» هو من سمى، يصح هنا المثل الشائع «جاب الدب على كرمو»، ذلك أنه مع تكليف تمام سلام أعيد فتح بيت سياسي تقليدي عريق في بيروت، بيت صائب سلام، خصوصا أن وريثه الشرعي والوحيد (تمام) لم ينقطع يوما عن التواصل مع البيئة الشيعية، وخاصة «حزب الله» و«أمل»، برغم انتمائه «القسري» الى «كتلة المستقبل»، إلا إنه ينتهج الوسطية ويتواصل مع نجيب ميقاتي وحليفه أحمد كرامي، وبالتالي فان التكليف سيعطي قوة دفع لشخصية ترفض بطبيعتها وضع البلد بأي حال من الأحوال على سكة الفتنة السنية الشيعية.
في الخلاصة، فقد «تيار المستقبل» زمام المبادرة ولم يعد بامكانه أن يضع الشروط، بعدما بات مكبلا بقيود الحكومة الجديدة وأدائها وممارساتها، وبرئيس محسوب عليه ولا يمتلك قراره بالكامل، وبشراكة مستجدة مع من وصل به الحد خلال المرحلة الماضية الى وصفهم بـ«أعداء الوطن»، وبالتالي فان «المستقبل» قد خسر كل عناصر القوة التي كان يمكن أن يستثمرها في أي استحقاق سياسي مقبل، وبات عليه أن يفتش عن قضية جديدة يخوض الانتخابات النيابية على أساسها، من دون إغفال أهمية التفتيش عن مصادر تمويل تعيد تعويمه في شارعه الذي اعتاد الخدمات ومواسم الانتخابات.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018