ارشيف من :أخبار لبنانية

سرّ وصول «سلام الثاني» وسرّ نجاحه أو الفشل

سرّ وصول «سلام الثاني» وسرّ نجاحه أو الفشل

جان عزيز -الأخبار


مهم جداً لتمام سلام أن يقارب المسائل الملحة حيال مهمته تشكيل حكومة جديدة، وخصوصاً في ظل كلام يعكس واقعاً صحيحاً إلى حد كبير، من أن نجاحه في مهمته تلك مرتبط بمدى نجاح التقاطعات الداخلية والخارجية معاً، في نسج سلة متكاملة تبدأ بقانون انتخابات، ومن ثم بالانتخابات، مع ما تعنيه في شكل ضمني من تحديد ما لنتائج تلك الانتخابات، وبالتالي حكومة ما بعدها، انتهاءً بالاستحقاق الرئاسي بعد سنة ونيّف من الآن...


لكن مع ذلك، قد يكون من الأهم بالنسبة إلى سيد دارة المصيطبة أن يجيد قراءة المشهد السياسي الكامل للبنان، في هذه المرحلة بالذات. وهنا قد تكون لتجربة سابقة لوالده إفادة كبيرة له، وعبر ودروس تستحق أن تستخلص. ذلك أن الوضع اللبناني العام يشبه إلى حد ما سياق مطلع السبعينيات، وتحديداً سنة 1970. في ذلك العام، تزامنت ثلاثة أحداث كبيرة في غضون أسابيع قليلة، لم يتوقف عندها كثيرون. غاب جمال عبد الناصر في مصر من جهة، فيما ضرب الكفاح الفلسطيني المسلح في الأردن، وكرس حافظ الأسد موقعه رجل سوريا الأقوى.
 
لم ينتبه اللبنانيون يومها إلى ذلك التقاطع. ولم يفهموا إلا لاحقاً أن تزامن الأحداث الثلاثة ولد في لبنان الدينامية السياسية الآتية: شغور موقع الزعامة العربية في بيروت بعد عبد الناصر، في ظل اندفاع شخصين اثنين إلى محاولة ملء هذا الدور: ياسر عرفات المحتاج إليه لتعويض نكسته الأردنية، وحافظ الأسد المتطلع إليه لتأكيد البعد الإقليمي لموقعه. في تلك اللحظة بالذات، جاء صائب سلام على رأس «حكومة الشباب»، وكانت الأولى في عهد سليمان فرنجية. لم يدرك اللبنانيون يومها ذلك السياق الإقليمي، ولم يتحضروا للصراع السوري ــــ الفلسطيني على «وصايتهم»، بل اكتفوا بحسابات سياساتهم الضيقة. فخسروا فرصة ما اعتبروه لحظة «التغيير» ما بعد العهدين الشهابيين، وراحوا ينزلقون تدريجاً إلى هاوية حروبهم كما حروب الآخرين.

 شيء شبيه جداً بذلك السياق يترافق اليوم مع تشكيل الحكومة الأولى لسلام الثاني، في آخر عهد ميشال سليمان. إذ تدريجاً تتكشف في الداخل والخارج أكثر فأكثر أسباب ذهاب ميقاتي والمجيء بسلام رئيساً للحكومة. وتدريجاً يظهر أن السياق الأبرز لهذا التبديل تمثل في السباق الإقليمي والدولي على ملء موقع «الوصاية» على الواقع اللبناني. فسوريا خسرت هذا الدور بعد سنتين من جحيمها. بينما مصر منهمكة بحربها الشاملة مع شاشة وبسمة. إما إيران فبين بعد ومسافة وانحياز وعداوة، وتركيا عالقة عندنا بين تاريخ أسود ومشاريع لا تقل قتامة. هكذا، في تلك اللحظة، ظهر أن التنافس السوري الفلسطيني، الذي اندلع سنة 1970، حل محله تنافس سعودي قطري لا غير سنة 2013.

غير أن التحدي لم يلبث أن حسم، وخصوصاً بعدما طرأت عليه عوامل عدة، ذات أبعاد إقليمية وأمنية. ففي حمأة الفورة الجهادية الممتدة من سوريا إلى لبنان، وجهت اتهامات غربية كثيرة إلى القطريين في تسهيل حركة هؤلاء، أو على الأقل التسبب، من حيث لا يريدون ربما، بتقويتهم وتعزيز مناعة هذا المسخ الإرهابي المعولم الجديد.

وتتحدث أوساط دبلوماسية غربية عن أن استنفاراً فرنسياً خاصاً قد انطلق، وخصوصاً بعد «حرب مالي». إذ تبيّن لباريس، نتيجة معطيات أمنية لبنانية مؤكدة، أن بيروت قد تحولت فعلياً إلى مصدر خطر كبير على معركتها الأفريقية. ذلك أن شبكة التجنيد والتوصيل الجهادية اعتمدت لها خطاً ثابتاً، يبدأ بجذب تلك العناصر إلى جنوب تركيا. من هناك يتم نقلهم إلى سوريا، حيث يزودون بجوازات سفر مزورة. بعدها يدخلون إلى لبنان، ليغادروا منه إلى ساحات جهادهم في أفريقيا وحتى في أوروبا.

كان هذا العامل كافياً لإنضاج قرار التغيير في بيروت، ومحاولة إطفاء نار التوتير المذهبية فيها، واحتواء نذر الانفجار السني الشيعي في جوارها. وكانت السعودية جاهزة لتنكّب الدور وتنفيذ المهمة، وصولاً حتى إلى حسم البؤر المستعرة، ولو أدى ذلك إلى تسويات مؤلمة. حتى إن البعض رأى في اشتباك «المعسكر الواحد» في طرابلس، قبل يومين، إشارة أولى إلى هذا الاتجاه، كما إلى جديته وحزمه.

 في هذه الوضعية بالذات، يقف تمام سلام اليوم في لحظة قد تكون انتقالية، وقد تكون محددة في الزمان والمهمة. لكنها تظل قابلة للقياس بما حصل من قبل، وبما قد يحضر لما بعد. فإذا نجح سلام في الذهاب أبعد صوب بلورة ميثاقية لبنانية، تعقد «لقاء خيمة افتراضية» ما مع السعودية، فتح أفقاً لاستقرار داخلي يتخطى هشاشة الموازين المختلفة. أما إذا اكتفى رئيس الحكومة المكلف بدور الوكيل المحلي لعملية «انتقال الوصاية الإقليمية» أو تنافسها، عندها يمكن لفرصة «حكومة الشباب» الثانية مع سلام الثاني أن تهدر مرة ثانية، ويمكن أن يكون انهيارها، كما سنة 1970، خطوة أولى صوب انهيارات أكثر زلزلة.

2013-04-09