ارشيف من :أخبار لبنانية
ميقاتي وحسابات الربح والخسارة في ’شارعه’
غسان ريفي-"السفير"
هل بات «تيار المستقبل» يعيش هاجس نجيب ميقاتي حتى بعد استقالته من رئاسة الحكومة؟
تشير المعطيات الى أن الهجوم المتواصل للقيادات الزرقاء على رئيس حكومة تصريف الأعمال وسعيها الدؤوب لانهاء الحقبة الميقاتية بأي ثمن، يوحي بأن معركة من نوع آخر تلوح في أفق الطرفين خصوصا بعدما نجح «ابن طرابلس» في تكريس ثنائية العاصمة الثانية في التنافس على الكرسي الثالثة مع بيروت.
وينطلق «تيار المستقبل» من قناعته بأن ما حصل على صعيد الاستقالة لم يثلج صدر زعيمه سعد الحريري الذي يتحين منذ سنتين الفرصة تلو الأخرى ليثأر من ميقاتي ويرد له الصاع صاعين.
فميقاتي لم يسقط في الشارع برغم كل المحاولات التي جرت لذلك، ولم تسقطه مدينته كما كان يطمح الحريري، بل هو من اختار اللحظة المناسبة لخروجه من السرايا الكبيرة، وقد خرج راضيا طائفته بعدما خاض معاركها على مختلف الجبهات السنية من المحكمة وتمويلها الى اشرف ريفي مرورا بداتا الاتصالات ورفض المس بموظفي الفئة الأولى من المحسوبين على «التيار الأزرق».
بهذا المعنى، أمكن لميقاتي أن يحصل على أكثر مما كان يتوقعه من الاستقالة إذا ما تم إحصاء الخسائر والأرباح.
في الشكل، تنحصر خسارة ميقاتي في أنه لم يعد رئيسا للحكومة، وهذه الخسارة أبطل الرئيس المكلف تمام سلام كل مفاعيلها عندما أعلن أنه سيشكل حكومة مهمتها الأساسية الاشراف على الانتخابات المفترضة، وبالتالي فان ميقاتي أعلن مرارا وتكرارا بأنه ينوي الترشح في طرابلس ولا يريد بأي شكل من الأشكال أن يترأس حكومة انتخابات.
في الشكل أيضا، كان حريا بميقاتي أن لا يبادر الى القول أنه المرشح الأوفر حظا لرئاسة الحكومة بعد استقالته.. ولو أن لسان حاله أنه صار مرشحا دائما لرئاسة الحكومة!
أما في المضمون، فان سلة من الأرباح حققها ميقاتي لم تكن في حسابات «تيار المستقبل»، خصوصا أن الرجل نفذ كل ما تعهد به بدءا من تمسكه بـ«ثوابت دار الفتوى»، مرورا بتمويل المحكمة الدولية، الى حماية لبنان من الفتنة السنية ـ الشيعية، وتجنيبه قدر الامكان حمم البركان السوري باعتماده سياسة النأي بالنفس التي جذب من خلالها كل المجتمع الدولي إليه، وصولا الى إقرار سلسلة الرتب والرواتب وتأمين الموارد لها من دون إرهاق خزينة الدولة، ومن ثم تقديم استقالته في قضية تلامس عمق الوجدان السني (احتجاجا على عدم التمديد لأشرف ريفي)، وهذه كلها فتحت أمامه أبواب طائفته ومدينته على مصراعيها.
ولعل ميقاتي خرج في اللحظة المناسبة من بين مطرقة دعم «حزب الله» للنظام في سوريا، وسندان دعم «تيار المستقبل» للمعارضة المسلحة، ونجح باستقالته في إعادة الطرفين الى لغة العقل بالتوافق على اسم الرئيس المكلف والاتجاه للمشاركة في حكومة واحدة، وكان من نتائج ذلك أن ساهم في التخفيف من حدة الاحتقان الذي كان ينذر بحرب وبتوتر سياسي وأمني جديد.
كما نأى ميقاتي بنفسه وبحكومته عن تحمل مسؤولية رغبة الأميركيين والأوروبيين باجراء الانتخابات النيابية في موعدها وفق «قانون الستين» واخراج «حزب الله» من الحكومة، كما خرج من الاحراج الذي شكله له الخلاف الجوهري بين المكونات السياسية على قانون الانتخابات فهو لم يكن قادرا على السير بقانون ضد مصالح الأكثرية السنية، ولن يسجل على نفسه السير بقانون يخدم الطوائف الأخرى من دون أن يراعي حساسية طائفته، وفي الوقت نفسه، لا يريد «قانون الستين» الذي يوفر مقومات الانتصار لخصومه عليه في طرابلس.
كذلك، وبرغم خروجه من السلطة إلا أن ميقاتي كرس «الوسطية» كخيار سياسي برغم الانقسام العمودي المستمر بين طرفي 8 و14 آذار، وأنها حاجة ملحة للبلد في لحظة التأزم وانسداد المخارج.
هل يستطيع ميقاتي العودة اليوم الى مدينته طرابلس وأن يشكل خصما مزعجا لـ«تيار المستقبل»؟
قبل طرابلس، يتعين على سعد الحريري أن يلتفت في كل معاركه المقبلة الى بيروت أولا، بعد أن أعيد فتح بيتها السياسي التقليدي العريق (بيت الرئيس الراحل صائب سلام) والتي رفعت فيها شعارات «اليوم عاد الحق لأصحابه بتكليف تمام سلام برئاسة الحكومة» وأن يأخذ بعين الاعتبار وسطية الرئيس المكلف وعلاقاته الجيدة مع كل المكونات اللبنانية وفي مقدمتها مكونات الطائفة الشيعية.
بعد ذلك، عليه أن يلتفت الى العاصمة الثانية طرابلس العاتبة عليه وعلى تياره بسبب عدم الوفاء بالوعود الكثيرة التي قطعها في إستحقاقات سابقة بفتح حنفية المساعدات والخدمات، والغاضبة عليه بتياراتها السلفية بسبب الهجوم غير المبرر على هيئاتها ومشايخها في الآونة الأخيرة.
هذا الواقع سيوفر مسرحا واسعا لحراك ميقاتي وحلفائه في طرابلس التي من المفترض أن يسعى «المستقبل» الى تأمين استقرارها انطلاقا من مشاركته في الحكم بعد أن نقل إليها على مدار السنتين الماضيتين كل أنواع التحركات الشعبية الهادفة لاسقاط الحكومة، وعندها يستطيع ميقاتي أن يستثمر أرباحه، بعد أن نجح في المرحلة الأولى في الحد من خسارته.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018