ارشيف من :أخبار لبنانية
تكليف تمام سلام سقوط مدوٍّ للإلغائية الحريرية
عدنان الساحلي - "الثبات"
بعيداً عن "شبه الإجماع" السياسي الذي التفّ حول تكليف نائب بيروت تمام سلام، لتشكيل حكومة تخلف حكومة الرئيس نجيب ميقاتي المستقيلة، فإن أحداً لا يستطيع غض الطرف عن حالة التعاطف العامة مع تكليف سلام، لشعور كثيرين أن هذا البيت السياسي ظُلم خلال العقود الماضية، وهُمِّش، وجرت محاولة قاسية لإقفال أبوابه.
التهميش والإلغاء لم يقتصرا على هذا البيت السياسي، كما يعلم جميع اللبنانيين، فمنذ أن دخلت "الحريرية السياسية" معترك السياسة والنيابة في لبنان، مارست حملة إلغاء شاملة وكاملة بحق كل الطبقة السياسية السُّنية في لبنان، مستفيدة من التمويل السعودي والغطاء الأمني والسياسي السوري، ووضعت الحريرية السياسية كل الشخصيات والفاعليات السياسية السُّنية أمام خيارات مُرّة؛ إما الانضواء تحت جناحها والقبول بما تمنّ به عليها من دور وموقع ومال، وإما الانزواء في منازلها وممارسة البطالة السياسية، وإما الدخول في مواجهة صعبة تعرّض صاحبها لمواجهة النفوذ السعودي المغرق بالأموال، ولضغوطات الثنائي خدام - كنعان، اللذين شكلا رافعة للحريرية السياسية من بدايتها وحتى خروج الجيش السوري من لبنان.
هكذا جرى مع الرئيس سليم الحص، والرئيس عمر كرامي، ومع عبد الرحيم مراد، وأسامة سعد، ووجيه البعريني، وجهاد الصمد، وغيرهم كثيرون، وكان الرئيس صائب سلام من بينهم، حيث اضطر الرجل للخروج من لبنان إلى الخارج، لأن وجوده يعكّر، إن لم يمنع تثبيت أقدام الحريرية السياسية المستجدة على الساحة، لأن المرسوم لتلك الحالة الجديدة كان نقل الطائفة السُّنية من موقع ودور سياسييْن إلى نقيضهما.
كان الرئيس الراحل صائب سلام صاحب شعارات وطنية براقة، مثل "لبنان واحد لا لبنانان"، وضرورة "التفهم والتفاهم" بين اللبنانيين، وكان من أركان "الوسطية" بين "النهج الشهابي" و"الحلف الثلاثي" (كميل شمعون وبيار الجميل وريمون إدة)، تلك "الوسطية" التي أوصلت سليمان فرنجية الجد إلى رئاسة الجمهورية عام 1970.
وعندما ترشّح تمام صائب سلام إلى النيابة في بيروت، تعرّض لـ"حرب الإلغاء" المذكورة، فمُنع من الترشيح للنيابة حيناً، وأُسقط في الانتخابات حيناً آخر، وامتدت الضغوط القاسية عليه إلى مؤسسة "جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية" التي كان يرأسها، فشُنّت حرب مالية رهيبة عليها؛ حوصرت مالياً، وجُوِّع موظفوها، وحُرموا من الرواتب والتقديمات، وفُصل بعضهم من عمله، لإجبار تمام سلام على التنازل عن رئاستها، وهو ما حصل، لأن الأمر السعودي - السوري كان واضحاً بضرورة الانضواء تحت العباءة الحريرية، وبالتالي بات الحصول على المساعدات السعودية يمرّ عبر آل الحريري، فيما كانت العباءة الحريرية في ذلك الوقت أضيق وأصغر من أن تتسع لزعامة تاريخية مثل آل سلام.. ومع مرور الوقت عادت السعودية لتوجد مكاناً لدى آل الحريري لمن كان في يوم ما حليفها الأول في لبنان، وعاد ابن صائب سلام نائباً عن بيروت، من خلال "تحالفه" مع سعد الحريري، على طريقة تحالف نجيب ميقاتي ومحمد الصفدي وآخرين.
وعندما أتاحت الظروف للحليف ميقاتي الوصول إلى رئاسة الحكومة، بصفته الشخصية، وليس "بدلاً عن ضائع" عن سعد الحريري، كما يفعل فؤاد السنيورة، صبّت الحريرية السياسية غضبها عليه واتهمته بشتى النعوت السيئة، أقلها الطعن في الظهر، والخيانة، على الرغم من أن ميقاتي قدّم للحريري خلال سنتين من ترؤسه الحكومة، ما عجز سعد الحريري عن تحقيقه بنفسه خلال وجوده في السراي الحكومي، لكن كل الناس تتحدث عن "الحقد الذي لا حد له" الذي بات الحريري يضمره لميقاتي.
الآن، عملت التطورات المحلية والإقليمية، والتوازنات اللبنانية معطوفة على الخيارات السعودية إلى اختيار تمام سلام لينضم إلى نادي رؤساء الحكومات.. بات تمام سلام رئيساً، حتى لو لم يوفَّق في تشكيل حكومة يدخل بها إلى سراي زقاق البلاط، ومع هذا التكليف تسابقت الناس لتزيل العشب عن أدراج قصر المصيطبة، وعادت صور "الزعيم" صائب سلام لتُرفع إلى جانب صورة ابنه "دولة الرئيس تمام"، وبات تمام سلام عنواناً لمرحلة جديدة، يكفي أن يكون خلالها "هو نفسه" وليس أي شيء آخر، فيكون قد أسقط وبشكل مدوٍّ مشروع الإلغاء والاحتكار السياسي الحريري، الذي حاول خلال عقدين مضيا طبع لبنان بطابعه، ومن يشكك في هذه الحقيقة عليه أن يعود إلى تصريحات حليف الحريري الأول سمير جعجع منذ أسبوعين، الداعية إلى حكومة اللون الواحد، ثم مؤخراً إلى حكومة يشكلها سلام ورئيس الجمهورية وحدهما! في حين يصر سلام على حكومة ترضي جميع اللبنانيين.
مارست الحريرية السياسية في عزها "حربائية سياسية"؛ مرّة بادعاء العلمنة والحداثة، ومرة بالتحالف العضوي مع المتطرفين والتكفيريين المذهبيين، فكان جزاؤها النفي والاستبعاد عن السراي الحكومي، والاستعاضة عنها بحلفاء لهم حيثياتهم الخاصة، ولهم مشاريعهم للتربع على الكرسي الثالثة.. بدأ انهزام الاستئثارية الحريرية بحكومة ميقاتي الثانية، والآن حصل تمام سلام على فرصته وحقه، ومَن يدري، قد يأتي يوم يصبح فيه عبد الرحيم مراد أو أسامة سعد أو فيصل كرامي رؤساء حكومات؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018