ارشيف من :أخبار لبنانية

دولة لبنان الصغير

دولة لبنان الصغير

نبيه برجي - صحيفة "الديار" 

بين سوريا، وحيث تضمحل الدولة ويضمحل المجتمع، ومصر، حيث تضيع الدولة ويضيع المجتمع، ناهيك عن العراق المعلق على كل الاحتمالات التراجيدية في المنطقة، اين لبنان؟ بل اين يقع لبنان؟

البطريرك ماربشارة بطرس الراعي قال ان الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند ابدى رغبته في لقائه. لا ندري اذا كنا نسيء الظن ام نحسن الظن، فنحسب، وفي ضوء المشهد الاقليمي، انه سيبلغ البطريرك الماروني ان بلاده باتت في حلٍ من اعلان الجنرال غورو «دولة لبنان الكبير»، فالمرحلة المقبلة هي مرحلة البلقنة الطائفية او المذهبية، والافضل بل الملحّ ان تبذل المساعي، ومنذ الآن، من اجل اقامة» دولة لبنان الصغير» الذي يضم الموارنة، بالدرجة الاولى، ثم المسيحيين الآخرين بطبيعة الحال، فعندما يقر الرئيس الاميركي باراك اوباما، ومن» ارض الميعاد» بأن اسرائيل» دولة يهودية» يفترض ان تؤخذ بالاعتبار الدلالات المنتظرة لهذا الموقف. ولعل هولاند سيبلغ البطريرك، ومازلنا نتأرجح بين حسن الظن وسوئه، ان تجزئة سوريا باتت مسألة وقت لا اكثر ولا اقل، وان مسيحيي سوريا ولبنان يمكن ان يجتمعوا في حيز جغرافي ودستوري واحد، شأنهم شأن الطوائف الاخرى التي قد يواجه بعضها الويلات في الاشهر او السنوات المقبلة لان منطقا آخر يسود المنطقة الآن، وقد بدأت تقاطيعه تتضح الى حد بعيد...

هذه المرة نسيء الظن فقط، ونقول ان الرئيس هولاند الخائف على اقتصاد بلاده من دومينو الانهيار الذي يتجول في ارجاء القارة العجوز، وما يعنيه ذلك من تخلٍّ عن القيم وربط السياسات بالصفقات والاستثمارات التي لا نحسب ان الدول الكبرى تخلت عنها في يوم من الايام، سيتمنى على غبطة الزائر، والتمني هنا يعني ما يعنيه، ألا يكون للجميع، والا يكون صوت الجميع، لان المنطقة، وبعد« سقوط» ( اجل سقوط) مصر وسوريا والعراق، ستأخذ منحى معيناً والى امد طويل جداً...
على رئيس الكنيسة المارونية ان يعيد التموضع ضميرياً بالدرجة الاولى، اي ان ينحاز الى جهة دون اخرى، اذا ما اراد الحفاظ على المسيحيين لان موقفه الجامع، في زمن التصدعات الكارثية والمبرمجة، يعمل دون شك ضد مصلحة المسيحيين.

ولا نظن، ونحن نتابع ما يقال وما يكتب في فرنسا، ان هولاند الذي تراجع عن عزمه تسليح المعارضة في سوريا، وما ادراك ما هي هوية هذه المعارضة، وما اذا كانت تفقه ماذا تعمل، وبعدما بلغ تآكل النظام، بخشبيته المعهودة، حدوده القصوى، لا يعلم كيف تمضي الامور في سوريا، بل في المنطقة بأسرها، فلا مجال لاي صوت معترض، بل لا وجود لاي كائن معترض والى اي طائفة انتمى، فالتعليب يشمل الجميع دون استثناء. هذا ما تظهره لائحة الضحايا المعلقة، حتماً، وراء الباب.
منذ الف عام والعرب يمارسون اللعبة ذاتها. كيف يدمرون العرب الآخرين. هنا ليست غرناطة ولا اشبيلية، وليست سمرقند ولا بخارى، بل انها دمشق وبغداد والقاهرة. مال العرب يقتل العرب. هل يستطيع احد ان يقول لنا ما هو الهدف الاستراتيجي لما يحدث؟ وهل حقاً ان ما يعني العرب الاشاوس هو الديمقراطية والحداثة والعدالة، والتكنولوجيا اذا كنا نتذكر كلام مظفر النواب حول« تكنولوجيا الابل»، وهو الذي لاحظ كيف حطت بنا الناقة على سطح القمر.
 
الحريق السوري الذي يتداخل مع الفوضى الطائفية في مصر والعراق بات اكبر بكثير، واخطر بكثير، مما نتصور. كل تلك الحثالة الايديولوجية الآتية من اصقاع الارض تقاتل، ببراثنها، من اجل اقامة دولة الخلافة، وحيث يتم ابدال عمر بن الخطاب بهولاكو او بأيمن الظواهري او بأبي مصعب الزرقاوي. الاوروبيون بدأوا يعيدون النظر في حساباتهم، فلماذا لا يفعل العرب الامر نفسه، وقد باتت سوريا خراباً بخراب...

لمن يهمه الامر، بدأ سوريون معارضون للنظام، لكنهم معارضون ايضا للمعارضة، لهذا الطراز من المعارضة، يستخدمون تعبير«الإله التركي بدل» «السلطان العثماني». اجل سوريا ستكون ضاحية تركية ليس فقط لكي تستوعب انقرة الحالات المذهبية والاتنية فيها بل لاقامة السلطنة ثانية، وتحت شعار الخلافة، فأي خلافة (عثمانية) كانت عندما دفع العرب، وعلى مدى اربعة قرون، الى قارعة الزمن؟

اجل، ستكون ايضا ضاحية اسرائيلية لان الدولة فيها ستنتهي حتما، وعلى جثث السوريين سيقفل الملف الفلسطيني اذا كنتم تلاحظون كيف ان جون كيري لا يتقن حتى التزلج الديبلوماسي. بنيامين نتنياهو قال « لا»، ومطلوب من محمود عباس ان يرقص ديبلوماسياً، ولو بساق واحدة، حول هذه الـ«لا» الى ان تقوم الدويلة او الدويلات الفلسطينية في امكنة اخرى. وحين حاول العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني ان يعترض، وان يبدي خشيته من تداعيات الوضع السوري، اطبق عليه من اطبق بين اولئك الذين لم يكتفوا بشراء العديد من شيوخ القبائل بل انهم اشتروا ائمة المساجد، حتى انهم وصلوا الى البلاط الملكي، الى عمق البلاط الملكي...

في لبنان قيل لنا امشوا فوق هذا الخط، اي فوق النار، ولا تخافوا. حين لا تعود هناك سوريا او حين تصبح في يد الاتراك، والشيشان، والايغور، يعود لبنان منارة المنطقة. منارة في زمن تورابورا...
لا تؤاخذونا، ما يعنينا الان خريطة الحقائب، وخريطة المقاعد، لا فارق هنا بين الاعصار والنسيم العليل، وبين الزلزال ومواويل القرى. هؤلاء هم ساستنا!


2013-04-11