ارشيف من :أخبار لبنانية

انتقال «13 نيسان» من لبنان إلى سوريا والعراق

انتقال «13 نيسان» من لبنان إلى سوريا والعراق

نصري الصايغ - صحيفة "السفير"  


I ـ ذلك «اللبنان» مات

«13 نيسان» اللبناني انتهى. أنجز حروبه كلها وحروب الآخرين كذلك. خمسة عشر عاماً كانت كافية لقتل لبنان «الميثاق»، ولتركيب لبنان آخر، لا يشبه أبدا «الفردوس الماروني المفقود».
انتهى «13 نيسان» بعد «الطائف». كانت الحروب قد استسلمت للسياسة، بإدارة دوليّة ـ إقليمية، التزمت دمشق تنفيذها، وفق مقتضيات قبضتها وإملاءاتها.
كان اللبنانيون، إبان فصول القتال، قد فقدوا استقلالهم، ومزقوا نسيجهم، وأطاحوا ركائز كيانهم، وأفرغوا السلطة من القوة والأرجحية... حُكِمَ لبنانُ في حروبه، بميليشيات تقتل أكثر مما تقاتل، تأتمر بالخارج أكثر مما تأمر في الداخل، حتى تحوّلت الأكثرية فيها، إلى مرتزقة تقاتل مغمضة القلب والعين بالحقد والتعصب، وبلا هدف.
حدث ذلك على مرأى من العالم وبتدخل منه. سوريا كانت شريكا مضارباً مع الجميع، الفلسطينيون كانوا قادة فصائل وأتباعا، إسرائيل، رعت ودعمت واجتاحت واحتلت ومنحت السلطة لزعيم ميليشيا مسيحية. العراق ساهم وسلّح، ليبيا موّلت ودرّبت، مصر حرّضت وتفرّجت، السعودية ساوت في دعمها للأضداد، أميركا تصيّدت المناسبات، فحطت جيوشها لحماية نظام أمين الجميل. حلف الأطلسي حضر. الفرنسيون تبرعوا بقواهم، الطليان فعلوها والبريطانيون كذلك... زواج البنادق بين الداخل والخارج، أجهز على لبنان «الميثاق» بكامله.

هذا زمن انتهى. وكان يجب أن ينتهي، لأنه استنفد مهماته. فلبنان ما قبل «13 نيسان» لم يعد موجوداً، وما بعده يصارع كي يبقى، وقد لا يبقى، لأنه بدوره، قد بلغ منتهاه. لا منقذ له في الداخل، والخارج من حوله، دماء ونيران ونفط وأديان وطوائف ومذاهب... قد لا يقوى أبداً وسط هذا العواء والعويل.
بنهاية لبنان «الميثاق» اختتمت حقبة ولن تعود. «المارونية السياسية» أفلت. الامتيازات المسيحية توزعت على سنة مستقوية وشيعية اكثر استقواء. لا قوة إقليمية من حصة المسيحيين. انتهى دورهم الخاص ولبنانهم الخاص. الاقليم مكتظ بدعامتَين متعاظمتَين: دعامة إسلامية سنية بكل ثقلها إلى جانب احتشاد سني، سياسي وشوارعي، ودعامة إسلامية شيعية بكل ايديولوجيتها وذخيرتها الدينية إلى جانب احتشاد شيعي مقاوم وسياسي، ذي تجذر غير مرئي ولكنه ملموس ومحسوس وذو أوزان.

II ـ فلسطين أقوى من «الميثاق»

لا عودة إلى ذلك «اللبنان».
ألسنا ملزمين بالسؤال لماذا وهنت «الصيغة» وتبدد «الميثاق»؟ ما كان ممكنا أن تستمر صيغة هشة، تحتضن نقيضين: لاءان لا يصنعان وطنا ودولة، بل يصنعان سلطة، تحتضن دائماً، غالباً ومغلوبا. لقد كان مطلب الشراكة السني يعلو ويخفت بتناسب لازم مع صعود أو خفوت قوى الإقليم. وعندما واتته الظروف أصبح المطلب شعار المعركة، بكل ما أوتي من سياسة ودعم وسلاح، وما استتبعه من حرب شوارع.
كان ممكنا ان تصمد الصيغة، بعد اجتياح اسرائيل لكامل فلسطين (عام 1975)، واجتياح اللاجئين بأسلحتهم لمناطق اللجوء الهشة: الأردن ولبنان. الأردن قاتلهم وقتلهم وانتصر. أما اللبنانيون فتقاتلوا وقتلوا وانكسروا.
كانت فلسطين أقوى من «الصيغة» و«الميثاق». انكسر اللبنانيون عندما انقسموا. استحال عليهم صياغة تسوية. كان الخارج في ضيافة الداخل. أصبح «رب المنزل»، يأمر وينهى وله الطاعة. القيادات السياسية التقليدية انحسرت عندما عجزت عن تلفيق تسوية. المعضلة شائكة وحلها مستحيل «بلا غالب ولا مغلوب»، فإما أن تكون مع البندقية الفلسطينية وتقاتل معها وتحتضنها، وإما ضدها فتقاتلها وتطعنها. لا وسط بين قطبَين متعارضَين.

«اتفاق القاهرة» ــ التسوية العربية للسلاح الفلسطيني ــ لم يصمد. حبر على ورق سري. تحولت المخيمات إلى قلاع مسلحة. كل مخيم ستالينغراد مصغّرة. والتشبيه هذا تؤكده «ملحمة» مخيم تل الزعتر وحرب المخيمات. وعندما نزع السلاح وطردت المقاومة من لبنان، حضر البرابرة واغتالوا صبرا وشاتيلا.

III ـ المشكلة ليست في أكلة الجبنة

انقسام لبنان لم يكن أبداً، ولا مرة، حول «الجبنة». في لبنان جبنة كافية لإطعام طغمة من سلالات الزعماء. أكلة الجبنة ليسوا سببا في الانقسام. فلسطين قصمت ظهر لبنان. الوحدة المصرية ـ السورية مزقت لبنان... والآتي أعظم.
انقسام لبنان السياسي نابع من هويات اللبنانيين. لا يوجد «نحن» جامعة. هناك «نحن» تخص جماعة طائفية ومذهبية، مقابل «نحن» أخرى مضادة. الهوية اللبنانية ملحق لهويات متجذرة في الانتماءات القبلية البدائية للطوائف... وإذا غابت الأوطان حضرت الأديان وتغلّبت الطوائف. فلبنان في عُدّته الطوائفية، لا يستطيع أن يلتئم أو يتوحد.
انتهى مفعول «13 نيسان» في اتفاق الطائف، وبعد دخول صدام حسين محتلا لإمارة الكويت. حقبة جديدة بدأت. لبنان الثاني ولد، وبحاجة إلى ترتيب داخلي وحضانة سورية. تم تعريبه نصاً، وتأكدت نهائيته لفظاً وحبرا، وسحبت أسلحة ميليشياته فعلاً، وعُيِّنَ قادتُها مسؤولين في سلطة، توزعت فيها الصلاحيات، بطريقة فقدت فيها أحاديتها وتسلسلها وشمولها وديموقراطيتها.

لبنان الثاني، قيل عنه، إنه كان ممسوكاً من فوق. هذا نصف الحقيقة. لبنان كان ممسوكاً من كل الجهات. كان مسيراً بفظاظة واستعلاء. وكان أهله يسيرون بيسر وسهولة وتعاون و... نفاق، أودى بروح البلد، وجعله أسير «نفّذ ولا تعترض».
فقد لبنان الثاني، ما كان له قبل «13 نيسان». وهكذا، يكون هذا التاريخ، قد أجهز على بعض خصوصيات الكيان، وألغى بعض ما كان يتمتع به من حرية تشبه الفوضى، وديموقراطية تشبه التوريث، واستقلال نسبي يشبه التوكيل. تلك الايجابيات النادرة والهامة، اغتيلت وشوّهت في حروب لبنان، ولم يبق منها إلا التذكر.
السوري في لبنان، أخذ السياسة والأمن والسلطة، وأعطى اللبنانيين الاستقرار والدوران في الفراغ الديموقراطي. السوري ورث لبنان المقتول، فأحياه فقط، لجهة العيش فيه، بشروط السلامة، وشرط الحفاظ على المقاومة. وهاتان إيجابيتان افتقدتا بعد انسحابه من لبنان.

IV ـ «الطائف» بلغ نهايته

حقبة «اتفاق الطائف» أشرفت على نهايتها. ولا بد من اعتــذار من «الطائــف» لأنه لم يطبـق. كــان يمــكن ان يشكل معبراً لبلوغ الدولة المدنـية، لوطن غــير طائفي، لديموقراطية غير تلفيقية. لكن اللبنانيين، آثروا البقــاء في العجــز والاخــتلاف. ولا بد مــن تنبــيه: إذا كانت سوريا قد منعت أو تمنعت عن تنفيذ «الطائف»، فإن اللبنانيين، بعد انسحابها لم ينفذوا حرفاً منه.
لماذا وقعت حادثة البوسطة وأشعلت لبنان؟
الجواب واضح أعلاه. صيغة هشة وميثاق ملغوم وقوى طائفية متغالبة، تستقوي بالخارج إلى درجة انعدام القوة الذاتية.
لماذا فشلت قوى الأمر الواقع بعد «اتفاق الطائف»؟

قد يكــون الجــواب ذاته مناســباً. والمشــكلة ليــست في «الجبنة»، بل في بقــاء لبــنان ساحــة، تســتدعى إليها الدول والقـوى الخارجيــة، ويستـقوى بهــا داخلياً.
السوري فرض رؤساء جمهوريات. فرض رؤساء حكومات ووزراء. انتخب هو مجلس نواب بأكثرية ملحقة به. كل نزعة استقلالية بسيطة كانت متهمة، ولربما كان الأمر كذلك. تفصح عنه النوايا السلبية..
ذهب السوري. ولم يجد اللبنانيون لبنانهم الخاص. كان قد توزع أشلاء بين عواصم ودول وسفارات. كل استحقاق في لبنان، بحاجة إلى عواصم القرار، وهي بالتوالي: دمشق وطهران والدوحة والرياض وواشنطن وباريس وغيرها كثر... لا إمكانية لجمع هذه العواصم لإيجاد علاج انتخابي للبنانيين. السعودية وحدها لا يمكنها.
لبنان على عتبة «13 نيسان» مؤجل، لانشغال قوى الإقليم، بـ«13 نيسان» عربي في العراق بين الشيعة والسنة والأكراد، وبـ«13 نيسان» سوري، بين نظام طاغٍ «حامي الأقليات» وبين معارضة أشبه بميليشيات لبنان في زمن الحرب.

V ـ «المقاومة الإسلامية» نجت

غير ان أمراً عابراً للحقب والمراحل، قد ترسخ في لبنان، وبات مقوماً أساسيا من مقومات لبنان، إذا نظر إليه بطريقة أخرى. في حلكة الاحتلال الاسرائيلي للبنان، نشطت مقاومة وطنية لبنانية، وتأسست مقاومة إسلامية. الأولى أدت واجبها لمرحلة، فيما الثانية عبرت المتاريس والخنادق الداخلية وصوّبت بنادقها باتجاه إسرائيل. أخذت خيارها ومضت به إلى نهاياته، لا يمنعها عنه شيء، لا سياسة ولا موازين. «العدو أمامنا فلنقاتله». قاتلته وانتصرت عليه. لكن قسماً من لبنان لم يفرح. حاول ويحاول إجهاض التحرير بالإصرار على التطييف.
النبتة الوحيدة التي كبرت وباتت شــجرة ثم غابة، هي المقاومة. وهي أقوى من لبنان بالطبع، ولا تقوى عليها إسرائيل (وقد جرّبت) ومن والاها من الغرب والعرب. والمعارك الدائرة في المنطقة، تصوب عليها ولا تصيبها.
القوى السياسية أفلست. ليس باستطاعتها الاستجابة لأي استحقاق داخلي، لارتباط مفاصل الاستحقاقات كلها، بمصير سلاح المقاومة.
هنا مربط السياسة اللبنانية.

قبل 13 نيسان، قاتل لبنانيون المقاومة الفلسطينية واستعانوا بإسرائيل، فقتلوها وطردوا من تبقى منها إلى تونس وديار العرب المستغربة.
بعد التحرير، انطلق فريق واستجاب له فريق سري، يطالب المقاومة بالاستقالة. فـ«لبنان أولاً»، لا فلسطين فيه. ولا ضرورة للمقاومة فيه، ولا بد من استبعاد إيران منه، ولا بد من إسقاط سوريا منه.
مشكلة لبنان ليست في نصوصه الدستورية وقوانينه ومؤسساته. مشكلته في اجتماعه السياسي، فهو اجتماع لا سياسي، لأنه مأزوم دائماً بخيارات جماعاته الطائفية المتناقضة. مشكلته في حدوده: حدوده هي حدود جماعاته أو مكوّناته، شمالا تصل إلى تركيا، شرقاً تصل إلى بلاد فارس وممالك النفط. جنوبا إلى فلسطين العظمى وإسرائيل الكبرى، وشرقاً إلى ما بعد الأطلسي، وصولا إلى أميركا. هو على تماس مباشر مع المفاصل الكبرى للمعارك المندلعة من الخليج إلى ما بعد المحيط.
لبنان الهش والضعيف والمفلس، منخرط في الخطر الاقليمي، ويتعرض لتسربات إلى داخله. الأصولية أخطرها. ويا ويل الجميع منها. سوريا نموذجاً، مصر على الطريق، وقطر ترعى هذه الفوضى، حتى تأتي أكلها.

في هذا المسار المأساوي ما يطمئن: المقاومة تشعر إسرائيل بالخطر الدائم. وفي هذا المسار الدامي ما يقلق: معسكر المقاومة يتعرض، لأشرس هجمة. لا خوف على إيران، وكل الخوف، ليس على النظام السوري الذي استجلب كل الويلات، بل على سوريا. ويبدو أن سوريا... لا حياة لمن تنادي.

2013-04-11