ارشيف من :أخبار لبنانية
لبنان يواجه العاصفة بـ... تكنــوقراط!
هيام القصيفي -"الأخبار"
يستبق لبنان العواصف الإقليمية والتحديات الأمنية بحكومة تكنوقراط، لم يشهدها لبنان منذ أعوام طويلة. فيما لا تزال مواقف طرفي 8 و14 آذار على حالها من الأزمة اي حكومة تكنوقراط يمكن ان تواجه التحديات الامنية التي يقبل عليها لبنان في ظل الاستحقاقات السورية الداهمة، وبعد اعلان جبهة النصرة في سوريا مبايعتها لزعيم القاعدة ايمن الظواهري؟
واي حكومة تكنوقراط تطفئ الاحتكاكات الطائفية والمذهبية التي قد تشعلها التطورات السورية في لحظة إقليمية متفجرة، في بيروت او الجبل او البقاع او الشمال؟ وماذا لو ترك حزب الله لحكومة التكنوقراط ان تعالج حرب الشوارع، او ترك المستقبل للتكنوقراط امتصاص حادثة عرسال ومفاعيلها؟
وهل يمكن حكومة تكنوقراط في أدق لحظة مصيرية يعيشها لبنان، ان تواجه الاحتمالات الفراغ النيابي في حال تعذُّر اجراء الانتخابات النيابية ولم يمدد لمجلس النيابي؟ وهل حكومة التكنوقراط، من دون تغطية سياسية تمثل مختلف الافرقاء يمكن أن تسهم في ادارة ازمة فراغ لم يسبق للبنان ان واجهها؟
تلك هي الاسئلة التي طرحتها امس اوساط سياسية من خارج الاصطفاف الراهن، ولغايات تختلف عن تلك التي تتذرع بها قوى 8 آذار لرفض الحكومة التي يريدها الرئيس المكلف تمام سلام مع قوى 14 آذار. فالمخاوف من ارتدادات الحرب السورية على لبنان، والانهيار التدريجي للوضع الداخلي، على مستوى المؤسسات الدستورية، تجعل من تشكيل حكومة تكنوقراط مهما كانت كفاءة وزرائها العلمية، ترفاً في غير محله، يتعدى الاشراف على انتخابات قد لا تحصل، وفي مرحلة تاريخية يشهدها لبنان، على مستوى المنعطف الخطير المتمثل بالمحكمة الدولية، وارتداداته على التشنج الطائفي، واحتمالات إلغاء الانتخابات النيابية وما قد ينتج منه من إلغاء مفاعيل الطائف والانتقال الى مؤتمر تأسيسي.
لكن رئيس الجمهورية والرئيس المكلف سائران على ما يبدو في منحى مختلف. ففي اعتقاد شخصيات سياسية مشاركة في الاتصالات بن مختلف القوى، أن تشكيل الحكومة سيصبح في غضون ايام امراً واقعاً، وأن رئيس الجمهورية والرئيس المكلف حريص كل منهما على حصة وازنة في التشكيلة الحكومية، ويعكس إصرارهما على هذه الحصة توزير شخصيات من فريق عملهما من غير المرشحين للنيابة وحفاظاً على دورهما المحوري في المرحلة التي تسبق إجراء الانتخابات النيابية، ولا سيما بالنسبة إلى إعداد قانون الانتخاب، على ان تسرع وفق ذلك خطوات البحث في قانون للانتخاب، وترجأ الانتخابات لأشهر عدة لأسباب تقنية. وأكدت معلومات هذه الشخصيات أن المشروع المختلط هو الذي سيسلك طريقه نحو التطبيق في ضوء تسويات على النسب بين الاكثرية والنسبي، باتت تحظى بشبه اجماع، مع تعديل دوائر جبل لبنان لضمان موافقة رئيس جبهة النضال وليد جنبلاط عليها.
وتدافع هذه الشخصيات عن مسار يسلكه رئيس الجمهورية في إطار سعيه الى حكومة لا تُعَدّ حيادية، نظراً الى «الهوى السياسي» لكل شخصية مرشحة، ما يعني انها ستمثل كل الاطراف في صورة غير مباشرة، بما في ذلك حزب الله. وبحسب هؤلاء فإنه لا يمكن مطلقاً بعدما دخلت الدول الغربية والعربية على خط دعم سلام، الإتيان بحكومة تتكرر فيها تجربة حكومة الرئيس سعد الحريري والتجاذبات التي فجرتها، على أبواب متغير اقليمي على بعد كيلومترات قليلة من لبنان.
8 آذار: تعهدات جنبلاطية
في المقابل، ذكرت مصادر مطلعة على الاتصالات الجارية بين قوى 8 آذار أن هذه القوى لا تزال على موقفها الرافض لحكومة التكنوقراط، بعدما سربت قوى 14 آذار تشكيلة حكومية. وهذا الرفض القاطع على اكثر من مستوى يستند الى سلسلة معطيات.
فمنذ مساء الخميس 4 نيسان الجاري، أي لحظة تأكد فيها الإجماع، بعد موافقة قوى 8 آذار على اسم سلام كخلف للرئيس نجيب ميقاتي، كانت محصلة المحادثات بين هذه القوى وجنبلاط سلسلة لاءات مرفقة بشروط راوحت بين المعتدلة والقوية. فلا تأليف الا ضمن سلة متكاملة، ولا حكومة جديدة بفعل الأمر الواقع الذي استعادت فيه الرياض حضورها في لبنان. واستطراداً، لا حكومة تكنوقراط بصفقة ثلاثية بين رئيس الجمهورية وقوى 14 آذار والرئيس المكلف.
لاحقاً كرر جنبلاط تعهده في اتصال مباشر مع قيادة حزب الله ومع الرئيس نبيه بري التزامه الحكومة الوطنية وعدم التصويت على حكومة تكنوقراط. أسهم التعهد في تبريد الاجواء على خط الرابية ـــ المختارة بعدما امتنع جنبلاط عن تكرار شروطه علناً بعدم توزير عونيين في «النفط» و«الاتصالات». قابله امتناع عوني أيضاً عن استهداف جنبلاط، فيما ارتفعت حدة التشنج في الردود المتبادلة بين جنبلاط والمستقبل من جهة وجنبلاط والقوات اللبنانية من جهة اخرى.
هذه اللاءات التي لا تزال على حالها، يقابلها تمسك فريق 8 آذار بحصة 11 وزيراً في حكومة ثلاثينية، وسط معلومات عن أن الصيغ التي طرحت راوحت بين ثلاث عشرات و12 – 10 – 8 ، قبل أن ترسو التشكيلة على ما بدأ يتسرب منها.
وفيما تتحفظ قوى 8 آذار عن كشف اوراقها في كيفية مواجهة اي تطور دراماتيكي كمثل اعلان سليمان وسلام حكومة امر واقع، فإن لدى هذا الفريق ورقة ضغط تتمثل بالهيئة العامة للمجلس النيابي التي يمكن بري ان يلجأ اليها ووضع المشروع الارثوذكسي على التصويت إحراجاً للجميع، ودخولاً في نفق جديد لا تعرف نهايته.
خريطة طريق سليمان
وفي موازاة الوضع الحكومي، تسعى قوى 8 آذار الى تلمس خريطة الطريق التي رسمتها قوى 14 آذار مع سلام، ولا سيما أنها تتولى حالياً الحديث باسمه. لكن ما هو اهم بالنسبة اليها تبيان حقيقة ما خلص اليه رئيس الجمهورية في اعادة تموضعه الى جانب قوى المعارضة على خطي قانون الانتخاب وتشكيل الحكومة والوضع السوري. فالدور المحوري لرئيس الجمهورية يصوره فريق 14 آذار، بحسب شخصيات فيه، على أنه «حامٍ للدستور وللصيغة»، وأنه استفاد من المتغيرات ليكرس نهجاً يستفيد منه كقوة سياسية بعد خروجه من الحكم. فيما يعتبره فريق الثامن من آذار انه انقلاب ممنهج مترافق مع التحولات السورية.
فقد كرس رئيس الجمهورية في العشاء الذي شارك فيه في دارة الرئيس رينيه معوض، تموضعه الى جانب رافضي المشروع الارثوذكسي. وتابع خلال الاسابيع الماضية هذا المسار برفض تعليق المهل المرتبطة بقانون الستين، والتقائه مع الموقف المستجد للبطريرك الماروني بالموافقة المبدئية على المشروع المختلط. والانقلاب الذي يتحدث عنه فريق 8 آذار يخلص الى ان رئيس الجمهورية أراد الالتفاف على الاجماع المسيحي، والسير بقانون الستين لفرضه أمراً واقعاً، ودفع مؤيدي الأرثوذكسي ـ
وعلى رأسهم تكتل التغيير والإصلاح ـ الى المقاطعة، فيما يقدم مرشحو الرئيس ترشيحاتهم على اساس القانون الحالي، ما يخوله في الفترة الباقية من ولايته الدستورية تحصين موقعه الرئاسي على ابواب ما يريده من ولاية جديدة ، أي تجديد لا تمديد.
لكن انقلاب الرئيس بحسب هؤلاء لم يقف عند حدود قانون الانتخاب، بل يستكمل بالسير بحكومة تكنوقراط تكون له فيها، مع رئيس الحكومة الحصة الاكبر. فضلاً عن سعيه منذ ايام الى ارسال الرسائل الى سوريا للاحتجاج على القصف السوري على الاراضي اللبنانية.
وفيما تنتظر قوى 8 آذار تحديد رئيس الجمهورية لموقفه، وهل يمكن ان يصل الى حد استفراد فريق 8 آذار، لا يزال الخيار منذ اللحظة الاولى لتسمية سلام هو نفسه بين حدين: حكومة وحدة وطنية أو لا حكومة، تكليف ولا تأليف.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018