ارشيف من :أخبار لبنانية
نزاع على الحكومة تحت سقف «التبدُّل» الإقليمي
"الجمهورية" - جوني منيّر
أصبحت الأمور أكثر وضوحاً، فثمّة شيء ما تبدّل في المنطقة. ذلك أنّ صوت وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس خفتَ فجأةً بعدما كان قد شكّل رأس حربة المشروع القاضي بإسقاط الرئيس السوري بشّار الأسد.
كذلك فإنّ رئيس الوزراء التركي رجب طيّب أردوغان الذي كان قد أعلن مراراً وتكراراً أنّ الأسد أصبح من الماضي وأنّه على شفير السقوط، التزم الصمت بدوره وانشغل في معالجة ملفّ إغلاق النزاع التاريخي مع الأكراد بعدما كادت الأوضاع الأمنية جنوب تركيا أن تنزلق في اتّجاه المحظور.
ومن شمال لبنان انسحب القسم الأكبر من الضبّاط الأمنيين الفرنسيين والذين كانوا يتولّون رعاية خطوط الإمداد والتواصل مع العمق السوري المعارض، لا بل إنّ التعاون الأمني الأميركي ـ اللبناني تركّز على مراقبة وضبط حركة تسلّل العناصر الإسلاميّة المتطرّفة عبر الساحة اللبنانية من سوريا وإليها، وفي هذا الوقت غاب اللواء وسام الحسن وزال الدور الذي كان يلعبه سوريّاً.
والمفاجئ أنّ التعاون الأمني الاوروبي ـ اللبناني رفع درجة جهوزيته حول الإسلاميّين الأوروبيين المنخرطين في النزاع السوري، وفي ملاحقة جوازات السفر المزوّرة لدول أوروبية عدّة، إضافة الى "سمات" السفر الى اوروبا، والتي يبدو أنّ مصدرها تنظيمات موجودة في تركيا.
من إشارات التبدّل الحاصل القرار الغربي، ليس فقط بعدم رفع مستوى تسليح المعارضين، بل أيضاً في اعتماد تقنين للسلاح، إضافةً إلى رقابة صارمة على نوعية الأسلحة وكمّية الذخائر. ولكي لا يخطئ بعضهم الظنّ فإنّ هذا القرار تلتزمه ضمناً وبقوّة كلّ الدول الأوروبية، فيما مواقف لندن وباريس إنّما تدخل في إطار الاستهلاك الإعلامي والديبلوماسي.
وفي سوريا أيضاً علاقة مستجدّة ودافئة بدأت بين دمشق وحركة "فتح" على حساب "فتح ـ الانتفاضة"، وبعيداً عن حركة "حماس" إذا لم يكن لمواجهتها.
وأخيراً وليس آخراً، فإنّ وزير الخارجية الاميركي جون كيري صاحب مشروع التسوية في الشرق الاوسط والزائر الدائم للمنطقة، عاد وكرّر عبارته السحرية أنّ الحلّ الوحيد المتاح في سوريا يكمن عبر التسوية السياسية، بعد أن كانت دعوته الى مفاوضات مباشرة بين الأسد والمعارضة قد أثارت عاصفة من التعليقات.
ما من شكّ في أنّ المنطقة دخلت في مرحلة البحث عن الحلول من خلال مفاوضات معلنة وأُخرى سرّية هدفها الحفاظ على مصالح القوى الكبرى على حساب شعوب المنطقة.
ولأنّ مناخ المنطقة تبدّل، كان لا بدّ للقوى الإقليمية من أن تبدّل في سلوكها السياسي، وهو ما لفحَ لبنان بالتبدّل الحاصل، فطارت الحكومة وفتحت الأبواب أمام ولادة حكومة جديدة لا بدّ من أن تحمل هذه النكهة الجديدة. أي حكومة تخاطب التبدّلات الحاصلة، ولو أنّ العراقيل الحاصلة تخدع المشاهد.
وإلّا كيف يمكن تفسير هذا الدخول الواضح للسعودية على خط الحركة في لبنان، في وقت لا يتردّد السفير السعودي علي عواض العسيري من الظهور على شاشة تلفزيون "المنار"، ويعلن في مناسبة أُخرى أنّ خطوط التواصل مع "حزب الله" مفتوحة.
في المقابل يهمس السفير السعودي للّذين يلتقيهم أنّ بلاده تفتح أبوابها للتواصل مع الجميع ولتسهيل الحوار في ما بين جميع الفرقاء في لبنان، وهي ستبذل جهودها في هذا الإطار. ويتزامن ذلك مع "تبدّل" في مواقف الرئيس سعد الحريري الإعلامية، فبعدما دأب على سلوك هجوميّ تجاه "حزب الله" وعدم التحاور معه إلّا بعد نزع سلاحه، فإنّه أعلن فجأة أنّ "حزب الله" هو جزء من الشعب اللبناني.
طبعاً جاءت هذه الإيجابية بعد التحيّة التي وجّهها "حزب الله" من خلال تأييد تسمية تمّام سلام لرئاسة الحكومة. إيجابية متبادلة توقّعَ معها أحد السفراء الاوروبيين البارزين أن لا يتأخّر حصول تواصل مباشر بين الرئيس الحريري والأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله كنتيجة منطقية لذلك.
بمعنى أوضح، فإنّ التحضيرات الدولية الجارية لبدء مرحلة مفاوضات اميركية ـ إيرانية في موازاة المفاوضات الاميركية ـ الروسية قد تكون تستوجب تبريداً على المستوى الاقليمي، واستتباعاً، تراجعا في حدّة المواجهة السنّية - الشيعية في لبنان.
ما يعني أنّ أحد أبرز الوظائف المتوقّعة لحكومة سلام، إضافة للتحضير لانتخابات هادئة، تقريب المسافة الفاصلة بين تيار "المستقبل" و"حزب الله"، أو على الأقلّ تنظيم العلاقة بينهما. لذلك جاءت تسمية سلام، وليس أيّ مرشّح آخر قد تُشتمُّ منه رائحة تحدٍّ أو ما شابَه.
لكنّ سلام الواقف في المنطقة الرمادية والمتأثّر بحساسيات النزاعات الداخلية حول الحصص والأحجام والتمريك والثأر لبعض الأطراف، لم يأخذ بعد زمام المبادرة في اتّجاه "حكومة السلام".
ففيما يتحدّث السفراء الاوربيون في وضوح حول وجوب عدم تأليف حكومة بعيداً عن "حزب الله" تفادياً لعدم إغضابه لاحقاً، حاول سلام تمرير حكومة من 14 وزيراً جُلّهم من الشخصيات "التي لا يمكن أحد رفضها، لا من هنا ولا من هناك".
لكن رئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط الذي يمسك بكلمة السرّ، سارَع الى رفضها، ناصحاً سلام بمزيد من المشاورات حولها، مع الإشارة الى أنّ جنبلاط وعد السعودية بأن لا يكون بعيداً من مناخها عند طرح الثقة.
وعلى رغم أنّ سلام وضع لنفسه مهلة لا تتجاوز آخر الشهر لولادة الحكومة وإلّا فسيعتذر، فإنّ تحالف 8 آذار و"التيّار الوطني الحر" يتمسّكان بوجوب الاتّفاق على قانون الانتخاب والإمساك بالثلث المعطّل داخل الحكومة وإلّا "فلنبقَ خارجاً".
لذلك ردّد رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي أمام زوّاره أنّه ملتزم بيان بكركي ومتفاهم مع البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي حول مهلة الشهر لولادة قانون جديد للانتخاب.
مواجهات صغيرة ولكنّها قاسية حول حكومة مفترض أن تكون حكومة انتخابات، ما يعقّد الصورة أكثر، على رغم أنّ "الميزان" الخارجي يؤشّر في اتّجاه انقشاع الرؤية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018