ارشيف من :أخبار لبنانية
النّصرة تبايع القاعدة، هل فقد رعاتها مفاتيح السيطرة عليها؟
في الطفولة، عندما كنّا نسأل الأهل عن أسباب ملوحة البحر، كانوا يروون لنا قصة ذلك الشاب الفقير الذي عثر على رحى سحرية، تبدأ بإنتاج الملح عندما يكرر أمامها كلمة سرٍّ معينة. سمع أحد اللصوص بقصةِ هذه الرحى فقرر سرقتها بعد أن سمع من صاحبها كلمة السر، فحملها في مركبٍ صغير محاولاً الهرب بها عبر البحر، وأثناء رحلته، وبعد أن أصبح في عُرض البحر قرَّر اللص أن يجرِّب أن كانت الرحى ستستجيب، وبالفعل بدأت الرحى تدور وتنتج الملح بمجردِ أن لقَّنها كلمةَ السر. بدأ يصرخ من الفرح، وبعد أن عاد إلى رشده انتبه أن المركِبَ بدأ يمتلئ بالملح، وعندما قرَّر أن يُوقف الرحى فشل، لأن الفرحة أنسَته كلمةَ السر، حاول جاهداً لكن من دونِ جدوى فأغرق الملح المركب وغرِقت معه الرحى والتي من المفترض أنها حتى الساعة لا تزال تنتج الملح لكي تعطي مياهَ البحر تلك الملوحة. لا تبدو هذه القصة بعيدة عن واقعنا اليوم، لكنَّ الرحى باتت أرحاء، إحداهنَّ مثلاً تنتج الإرهاب، والأخرى تنتج الكذِب، والأهم من كلتيهما تلك الرحى التي أنجبت مستثقفي القنوات الذين يبررون بكذبِهم عمل الإرهاب.
تنظيمُ القاعدة رسمياً في سورية وجبهة النّصرة تبايعُ الظواهري أميراً
هذا الكلام لم يعد أبداً حِكراً على الروايةِ الرسمية السورية أو كما يسميه البعض حديث «النظام» الدائم عن المؤامرة، هذه المرة جاء الحديث عبر قادةِ هذا التنظيم المنتشرة في أصقاعِ أجهزة الاستخبارات التي تموِّلها.
ما كان لهذا الخبر أن يمرَّ مرورَ الكرام على الشاشاتِ والوسائل الإعلامية التي باتت وسيلةً لسفك الدم العربي لا أكثر، لو أن في هذهِ الأمة مثقفين، لو أن في هذه الأمة رجالاً يحمِلون بالفعل سلاحَ الكلِمة.
الإعلان صراحةً عن هذا الأمر وإشهاره، فتح المجال لنوعٍ من جردَةِ الحساب مع العديد من الفئات والشرائح التي تشكل قوائم الحرب على سورية. منهم تلك الطبقة المثقفة «وأخص بالذكر مجموعة من اليسار الحاقد على كل شيء حتى نفسه»، كذلك الأمر أولئك السوريون الذين رفعوا منذ البداية رايةَ ما يسمى «التّيار الثالث» أي إنهم تماماً كوليد جنبلاط في الحيادية، لا مع هذا الطرف ولا مع ذاك، ولكنهم حُكماً سيكونون مع الطرف «المنتصر»، والأهم تلك الدول التي تدّعي زوراً وبهتاناً أنها تحاربُ وتكافحُ ضدَّ الإرهاب لنسألهم، ماذا بقي لكم؟
إذاً ما دلالات هذا التطور الخطير، وهل هناك من سيلوم القيادة في سورية بعد اليوم في حربها ضدَّ الإرهاب؟ أم إن من أطلق رحى الإرهاب والكذب لا يزال يتذكر كلمة السر؟
مصداقية القيادة السورية أثبتت فعاليتها..
منذ أن تحولت التظاهرات التي لم تكن سلمية بالمطلق منذ الأساس إلى منابر للشتم الطائفي ودعوات للقتل، واستخدام المتظاهرين للسلاحِ الحي ضد قوات حفظ النظام. رفعت القيادة السورية شعار (المؤامرة)، وهي استطاعت أن تقنع جزءاً كبيراً من الشعب بذلك، وهذا ما أكدته في حزيران الماضي مراسلة القناة الثانية الفرنسية. فيما رفع الحلف الآخر شعار (حراك شعبي). الحراك الشعبي هنا يجب أن يستند إلى عفوية الحراك بقيادةٍ شعبيةٍ مدنية، لا تعتمد العنف منهجاً. الرواية الرسمية السورية لم تتبدل، هناك مواطنون خرجوا بمظاهراتٍ واحتجاجاتٍ لأن لديهم مطالبَ شعبية محقّة وسيتم تلبيتها بالكامل، لكن هناك من يسعى للفتنةِ بين الشعب والقيادة من خلال إطلاق الرصاص على الأمن وعلى المواطنين معاً.
طوَّرت القيادة في سورية الرواية حسب تطور الأحداث تماماً، أو بالأصح حاولت أن تتعامل بواقعيةٍ مفرطة مع الأحداث لأنها كانت تعلم أن رصيدها الشعبي لا يجب أن يهتز في حال لجأت لاختلاق رواياتٍ لا أساس لها من الصحة
عندما دخل زعيم تنظيم القاعدة «أيمن الظواهري» على خط الأزمة للمرة الأولى في تموز 2011، الأمر الذي تزامنَ مع زيارة السفير الأميركي يومها إلى مدينة حماة لأداء صلاة الجمعة مع الثوار في ساحة العاصي، بدأت القيادة تتحدث عن يدٍ لتنظيم القاعدة فيما يجري، علماً أن كلام الظواهري كان واضحاً، وهو حضَّ يومها كل من يستطيع أن يحمل السلاح ليقاتل هذا «النظام» وخاطبهم قائلاً: « لولا الموانع والحدود التي بيننا لشاهدتمونا بينكم نذود عنكم بنحورنا» ومع ذلك تم تجاهل هذا الأمر تماماً، حتى وزيرة الخارجية الأميركية أكملت دعوات الظواهري يومها بالقول لكل من يحمل سلاح ضد الجيش العربي السوري، عند صدور عفو رئاسي: «لا تسلموا أسلحتكم».
تطورت الأحداث وبدأت جبهة النصرة بالظهور على الساحة بشكلٍ علني، وتبنّت الجبهة تقريباً جميع العمليات الإرهابية التي استهدفت المدنيين، لكن الجميع كان يتجاهل هذا التبني ويتهم «النظام» مشكِّكاً بوجود هذه الجبهة. لم تكترث القيادة بهذا التكذيب، لأن صاحب الحق سلطان وهي بالتأكيد كانت تعلم أن كل هذه الأمور ستطفو يوماً على السطح.
هنا لابد لنا أن نشير إلى أن صمود الثالوث المقدس في سورية دفع المتآمرين لارتكابِ الكثير من الحماقات ومن بينها أنهم اضطروا لمواجهة القيادة السورية بما تتقنه، وهما اللعبة الأمنية ولعبة كسب الوقت، لأن أصحاب المؤامرة اضطروا في النهايةِ للانجرارِ أمنياً كما تريد القيادة، فاستهلكوا الكثير من الوقت بحيث أصبحت الأمور خارجة عن السيطرة.
ماذا عن الحلف المتآمر؟
دائماً ما تسعى الدول الباحثة عن نفوذٍ لها حول العالم عن عملاء من أبناء الدول المستهدفة، أو تلك التي تشكِّل مصدر قلقٍ لهذه الدولة، بغية جمع المعلومات أو تجنيد المزيد من العملاء من أجل توسيع الرقعة المخابراتية، لكن منطقتنا العربية للأسف دائماً ما تضرب عرض الحائط بكل القواعد والمبادئ الأساسية في هذا التعامل. إن المواطن العربي المسحوق والذي خُلق ليمجد بحمد طويلي العمر ربما يكون فيه حرص وحس وطني وقومي أكثر بكثيرٍ من المثقف أو المسؤول أو الحاكم العربي.
مثلاً لا يمنع أبداً أن تنتفض عشيرة بكاملها وتتبرأ من أحد أبنائها لأنه عُيِّن سفيراً لدولته في الكيان الصهيوني، بينما حاكم دولته ومن لفَّ لفَّه ما هو إلا تابع ليس لهذا الكيان بل لأذناب هذا الكيان من مشيخات النفط. لقد كان لهؤلاءِ الدور الفصل في تكذيبِ كل ما تقوله القيادة في سورية، فالحكّام لعبوا عبر جامعة آل ثاني العربية دوراً مهماً في تبرئة المجرمين، واتهام الأبرياء بكل التفجيرات التي ضربت سورية، وخلق حالةٍ رسميةٍ مواجهة للقيادة السورية.
نبيل العربي قالها أكثر من مرة (ما يجري في سورية حراك شعبي سلمي)، كذلك وزراء خارجية مشيخات النفط أكدوا في أكثر من بيانٍ لهم (دعم الحراك السلمي في سورية)، حتى العثمانيون الجدد لم يتحملوا أكثر من تقرير نشرته «النيويورك تايمز» في الشهر العاشر من عام 2011 عن قيام تركيا بدعم عناصر مسلحة تنفذ عمليات القتل والإرهاب في سورية مدعوماً بمقابلة أجرتها مع المجرم «رياض الأسعد» محاطاً بعناصر حمايةٍ من الجيش العثماني فاستدعى الأمر رداً سريعاً من الحكومة الأردوغانية نظراً لما يحمله هذا الكلام من عواقب خطيرة.
لم يعد أحد يكترث لخطورة هذه المعلومة أو أنها تؤكد صحةَ الرواية السورية، لكن جيش المستثقفين والمتحدثين بات همّه النفيَ العثماني، لم تتجرّأ دولة واحدة باستثناء بعض الدول الصديقة أن تستنكر أو تدين تفجيراً إرهابياً واحداً حصل طوال الفترة التي اتهموا فيها القيادة السورية «ولا يزالون» بأنها من يقف وراء هذه التفجيرات. أما من يسمون بالمثقفين فكان لهم الدور في تبريرِ ما يجري شعبياً باعتبار أن القنوات الفتنوية تدخل كل بيت (هنا ومن باب المصداقية لابد من التذكير أن بعض ضيوف القنوات الوطنية وبأسلوبهم السطحي في تفنيد فكرة المؤامرة ساهم وبطريقةٍ غير مباشرة باستسخاف الرواية الرسمية).
نجح هؤلاء بتكذيب كل الروايات الرسمية السورية بل كانوا يسخرون منها لما يتمتع به بعضهم من مصداقية لدى الشارع العربي، فعندما بث التلفزيون العربي السوري برنامجاً خاصاً عن جبهة النصرة وصلَتها بتفجيرِ «القزاز» في دمشق أكد هؤلاء أن هذا الكلام ليسَ صحيحاً، وما يثير الغرابة أن الروايات التي يتناقلونها معيبة ومع ذلك هناك من يصدق. عند حدوث تفجير «الميدان» أكد أحد حكماء المعارضة بأن «النظام» قام بنقل أشلاء المدنيين من إدلب ورميها في المنطقة، وكذلك فإن الجثث لشهداء «القزاز» هي جثث لعسكريين وليست لمدنيين وغيرها الكثير من الروايات التي لا تثبت ذكاء من يطلقها أبداً، ولكنها تثبت الحد الذي وصل إليه الانحطاط الفكري والأخلاقي لدى الشارع العربي «المتسلفن والمتوهبن».
اليوم ماذا يقول هؤلاء بعد أن تأكد العالم بأسره أن الرواية الرسمية السورية هي الصادقة. ألا يُعتبر دفاعهم عن المجرم ومحاولة تغطيتهم الإجرام هو اشتراكٌ في هذه الجريمة؟
تناقضٌ يَعِدُ بالكَثير
ربما قد لا نستطيع الآن أن نفهم لماذا سارع تنظيم القاعدة في العراق إلى الإعلان أن جبهة النصرة في سورية هي فرعٌ تابعٌ له. كانت الخطوة ستبدو عادية لو أن جبهة النصرة قبلت بذلك، لكن من الواضح أن النصرة رفضت هذا الضم (من جانبٍ واحد) ودون استشارتها على الأقل. لكنها في الوقت عينه فضَّلت مبايعة زعيم تنظيم القاعدة «أيمن الظواهري» بشكلٍ رسمي. لاشك أن هذا الأمر شكل إرباكاً للجميع، لذلك تحاول كل التقارير الصحفية العربية تحديداً عند الحديث عن سورية أن تتحدث عما يسمى الجيش الحر وتربطه بعبارة (الذي يشكل الأغلبية الكاسحة من القوات التي تقاتل النظام) وهذا ما أصرّ عليه بالأمس الملّا ميشيل كيلو بطل العناق الشهير مع جبهة النصرة، عندما أكد أن عددهم قليل قياساً بمئات الآلاف من مقاتلي الجيش الحر.
يبدو هذا الأمر كمن يحاولُ التعلق بقشة، لأن جبهة النصرة باتت هي المسيطرة على العصابات المسلحة وهي قامت في كثيرٍ من الأماكن بتصفيةِ عناصر الجيش الحر والذي أرجعه البعض لصراعٍ دائر بين آل سعود الذين يدعمون النصرة عبر بندر بن سلطان كما أكدت بالأمس صحيفة «المنار المقدسية» وبين قطر والعثمانيين الذين يدعمون الجيش الحر. طبعاً هذا الصراع ليس صراع نفوذ كما يفسره البعض وإنما صراع من يكون الأسرع في تقديم خدمة العمر للكيان الصهيوني بإسقاط النظام في سورية. إذاً هذا النأي عن الانضمام لتنظيم العراق ومبايعة الظواهري بشكل مباشر هو دليل رغبةٍ كاملة لدى هذه الجبهة للاستقلال بالعمل الميداني وتحديد أهدافها كما تريد هي وليس كما يُفرَض عليها، تحديداً أن هذه الجبهة قريبة من سواحل المتوسط، بالتالي فإن إمكانية نفاذها نحو الدول الأوروبية ليست مستحيلة أبداً.
أين نحن ذاهبون؟
بالتأكيد أن استخدام ورقة المتطرفين ليس في مصلحة أحد إلا الكيان الصهيوني، وهذا ما عبَّر عنه «عاموس جلعاد» عندما قال: (إن سيطرة القاعدة أفضل من بقاء الأسد). من الناحية العملية تبدو وجهة النظر هذه منطقيّة لكيانٍ يحاول التخلّص من عدوّه، لأنه إذا ما سيطرت القاعدة على سورية فإنها لن تشكل خطراً على الكيان الصهيوني أبداً، أما إن بقيت القاعدة تستنزف الجيش السوري في حرب داخلية فهذا سيكون جيداً أيضاً. لكن تبقى هناك مشكلة أساسية أن الإرهاب ليس له حدود، وعندما يظن كثر أنهم يحملون كلمة السر فهذا الأمر خطير قد يشعل العالم برمته، إذا ما علمنا أن الأيادي التي تعبث بالإرهاب باتت كثيرة جداً، حتى إنها قد تكون هدفاً أكيداً عندما ترفع يدها عن دعم المتطرفين. إذن نحن الآن أمام مفترق طرق، بالتالي إما أننا ذاهبون إلى الفكرة التي تقول إن «الجهاد العالمي قد انتهى» وبالتالي سينتهي على الأرض السورية. أم إن على الجميع أن يدفع ثمن ضياع كلمة السر، وعلى الدول الداعمة للإرهاب أن تتذكر أن غرق السفينة لا يعني أبداً أن إنتاج الإرهابيين سيتوقف، إنه البحر الذي يجمعنا.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018