ارشيف من :أخبار لبنانية

«تصحيحيو» القوات يُقضّون مضجع جعجع

«تصحيحيو» القوات يُقضّون مضجع جعجع

غسان سعود - صحيفة "الاخبار"

لا توحي «الحركة التصحيحية» في القوات اللبنانية حتى الآن بأنها مجرد مزحة سياسية أخرى، أقله بالنسبة إلى رئيس حزب القوات سمير جعجع. «الحنون» تجاوز مرحلة «سمّ بدن» قائد القوات، باتجاه إنشاء مكون جديد من القدماء، لن تسلم كتائب النائب سامي الجميّل عاجلاً منه، ولا التيار الوطني الحر آجلاً.
 


«كسروان لا تحب سمير جعجع، لا القوات اللبنانية»، يقول حنا عتيق، مؤسس «الحركة التصحيحية في القوات اللبنانية». ويكمل: «مثّلت هذه المنطقة معقل القوات أيام الحرب. وفي أروقة الحزب، الإدارية أو الأمنية أو العسكرية، أدى أبناؤها دوراً رئيسياً». لا أحد يصفه بـ«الحنون» في مركز «الحركة التصحيحية» الرئيسي المطل على أوتوستراد غزير. يعرف هنا بـ«القائد». يفتح الباب، بالمناسبة، بنفسه: «أجر السكرتيرة نؤمّنه من الشباب». يكلّف أقرب الشباب إليه الاهتمام بالضيوف لناحية القهوة أو غيرها. نوافذ الشقة محكمة الإغلاق.
 
«ثكنة الصدم»، يتابع حديثه: «كانت في دلبتا في وسط كسروان، ووحدات دفاع أدونيس خاضت معارك القوات الرئيسية سواء في قنات أو زحلة أو بيروت وعيون السيمان. مدفعية القوات كانت تربض في كسروان ومخازن الحزب والقيادة المركزية البديلة وغالبية الثكنات الرئيسية». يتحدث الرجل العكاري عن كسروان باعتبارها منطقته: هو يسكنها منذ 1975. لم تتحوّل نعمة القوات على أهالي المنطقة إلى نقمة، في رأيه، إلا عندما قبض جعجع على قيادتها.

 لا يكتفي «الحنون» بعشاء سنوي ومؤتمر صحافي موسمي وشغل هواء «أو تي في» أو «المنار» في «التزريك» لجعجع. هو ينشئ، بتأنٍّ شديد، حزباً. حين يتجاوز عدد الشباب الراغبين بالانضواء في «الحركة التصحيحية» الخمسين في بلدة أو بلدات متجاورة، تفتتح مكتباً. تجاوز عدد مكاتب الحركة العشرة. ما كاد مكتب بعبدا يبصر النور قبل بضعة أسابيع، حتى بدأ العمل لافتتاح آخر في الحدث. بين المنضمّين مقاتلون سابقون لم يسأل عنهم أحد في القوات، أو غيرها منذ خلعوا بذلاتهم العسكرية وتقاعدوا. الكتائب اعتبرتهم قوات، والتيار الوطني الحر صنّفهم في المقلب الآخر، فيما همّشهم جيل القوات الجديد لخشيته على مكتسباته منهم، وخصوصاً أنّ قوات 1994 – 2005 كانت حركة جامعية محدودة وأخرى سياسية تختزلها النائبة ستريدا جعجع تقريباً. بات لـ«الحركة» مكتب كسروانيّ في حراجل وثانٍ في عشقوت وثالث في درعون، إلى جانب مكتب الساحل الرئيسيّ. يجزم «الحنون» بأن عديد المنتسبين إلى «الحركة» في كسروان وبعبدا يتجاوز عدد المقدر انتسابهم إلى الحزب الرسمي، وإن كانت القوات لا تزال تشكّل حالة في معراب حيث المال والإعلام.

 في الأشرفية والمتن، تلعب «الحركة» في ملعب القوات حصراً. ركّز الحنون في «أشرفية البشير» على حيين رئيسيين يُعَدّان معقلي القوات الرئيسيين في المدينة: حي السريان وكرم الزيتون. في مؤتمر سيدة الجبل الذي عُقد قبل نحو ستة أشهر، كان موريس كرم لا يزال في معراب، كقوة جعجع السريانية الضاربة. أما اليوم، فبات من أعمدة «الحركة» في الأشرفية. وفي وقت كان فيه رئيس حزب الاتحاد السرياني إبراهيم مراد، المقرب من جعجع، مسجوناً بتهمة تزوير ملكية عقارات، حصل ما لا يتخيله عقل في الأوساط السريانية القواتية التي تمثل ثقل القوات في الأشرفية، ما اضطر جعجع إلى تكثيف ضغطه لإخراج مراد. رئيس ثكنة الشوف، سابقاً، إبراهيم شربل المؤتمن على رواية التهجير الرهيب من الجبل بات «تصحيحياً» هو الآخر. استأجرت الحركة في الأشرفية ثلاثة مكاتب، لكن علاقتها بالمرشح عن المقعد الماروني في الأشرفية مسعود الأشقر لم تصل إلى درجة انضمامه إلى مجلس قيادتها.

 حاول جعجع تطويق «الحنون»: عبر الاتصال المباشر به أولاً، ففشل. عبر حصار حركته مادياً ثانياً، فشل. عبر تجاهله وترقب ضجره والرهان على قلة خبرته السياسية واشتياقه إلى الولايات المتحدة حيث أمضى السنوات العشر الأخيرة من حياته ثالثاً، فشل. يمكنه الاستمرار في محاولة إقناع نفسه والآخرين بأن الرمز القواتيّ الأبرز إنما جنّده حزب الله في الولايات المتحدة، ليعود إلى بيروت ويتلقى التعليمات من المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم لزعزعة القوات التي كاد يموت في سبيلها أكثر من سبع مرات.

 خرّج «الحنون» من «الصدم» الذائعة الصيت مئة وأربعة مقاتلين فقط. توفي في الحرب وبعدها نصفهم تقريباً، ولم ينجُ أي منهم من إصابة. ارتفعت أجور الموظفين الأمنيين في معراب فجأة. بعض العناصر هاتف «الحنون» لشكره. وجد أحد الأصدقاء عملاً بعد هجرة خائبة، فغمز في إحدى المناسبات صديقه. صُرفت منح مدرسية لبعض الأسر القواتية وأبصر الضمان الصحي النور. وفي ظل نمو «الحركة التصحيحية»، في بسكنتا، باعتبارها الامتداد الطبيعي للجرد الكسرواني، بدأت «سيتيرنات» القوات توزيع المازوت على أهالي البلدة. وبعدما عمّمت معراب على موظفيها سؤال سائلهم عن «الحنون» من يكون الأخير، بات جعجع يطلب من الإعلاميين المقربين منه طرح أسئلة تتيح له التوجه إعلامياً إلى من يتوجه «الحنون» مباشرة إليهم. ولم يلبث قائد القوات أن حاول استدراك محاولة سحب «الحنون» حجر الزاوية في البناء القواتيّ من معراب، عبر استقطاب من بقي من «فرقة الصدم» بوسائل مختلفة، وفي اعتقاده أن «الصدميين» السبعة الذين نجح باجتذابهم إلى معراب يقفون في صفه. فعلياً، ما عاد جعجع يعلم، في حضرة شبكات «الحنون» واتصالاته وزياراته الليلية لمنازل رفاقه، من معه ومن عليه. لكنه يدرك أن «الحنون» مطّلع على غالبية ما يحصل في منزله ونقاشاته في التفاصيل السياسية والحزبية والمالية مع أقرب المقربين المفترضين إليه. والشك يقتل، كالسم، ببطء.

 خلال احتفاله بفتح باب الانتساب إلى حزب القوات اللبنانية في 22 شباط الماضي، أشار جعجع إلى أن «عدد شهداء القوات يسابق عدد المنتسبين إلى الحزب»، معترفاً بعجزه بالتالي عن استقطاب أسر غالبية هؤلاء الشهداء. لو انتسب أهل الشهداء المفترضون وأخوتهم وأبناؤهم فقط إلى القوات لكان جعجع زعيم الزعماء المسيحيين. في ظل اعترافه، في الخطاب نفسه أيضاً، بأن «القوات ليست بطاقة وختم وحبر ولا رابطة عائلية أو جمعية مناطقية»، كما توحي اليوم. أشار جعجع في خطابه ذاك إلى مجموعتين يتوسع صراعهما المناطقي داخل الحزب، عبر حثه «جيل المقاومة والعسكر والبندقية والاستشهاد على الاجتماع مع جيل 14 آذار المتحرّك في ساحات النضال وعالم الإنترنت وساحات التواصل الاجتماعي».

 لم تجد التناقضات في التيار الوطني الحر بين المتقاعدين بعد 2005 من الجيش وعونيي الجامعات ومجموعة الاغتراب من يغذيها أو يستفيد منها، فتلاشت. أما هنا، فقد وجدت التناقضات «الحنون» بالمرصاد. ثمة من أحاط نفسه بالجدران: ليصل القواتيّ المسن الذي يرى أن جعجع مدين له بالمجد الذي يتربع فوقه، يتعين عليه استرضاء رئيس قسم القوات في بلدته، وعلى الأخير استرضاء رئيس الإقليم، فيطلب بدوره من رئيس المكتب موعداً للمتقاعد القواتي مع الحكيم. «القواتيون غير معتادين كلَّ ذلك»، يقول أحد المسنين في مكتب «الحركة» في السبتية. شاب هؤلاء على التواصل المباشر مع القيادة وتلقّي التوجيهات، وقد كرس الرئيس بشير الجميّل طابعاً حميمياً بعيداً كل البعد عن رسمية جعجع وبرودته بين الأفراد. خرج «الحنون» من القمقم القواتيّ في أكثر لحظات جعجع التنظيمية حرجاً، بين انتخابات 2010 البلدية و2013 النيابية. فما كاد عصف الخلافات القروية والعائلية في القوات يهدأ قليلاً، حتى بدأ اصطفاف قوات كل دسكرة وحي وبلدة خلف مرشح محتمل إلى الانتخابات النيابية. وفي ظل عزوف الجيل القديم الذي يوحي وصف جعجع له بأنه مجموعة مقاتلين لا يفقهون بالتكنولوجيا المعلوماتية شيئاً، فعل الصراع على المناصب المستحدثة أفعاله بالجيل الجديد، الأمر الذي اضطر قائد القوات في كسروان ــــ كما في بعبدا وعدة أقضية أخرى ــــ إلى استحداث مواقع بالجملة، إفساحاً في المجال أمام أكبر عدد من الديكة. وقد اكتشف القائد المعرابيّ أن «استراتيجية المدارس» ليست الفتح السياسيّ الذي يعتقده: أياً كان الذي يزرعه في عقول تلامذة المدارس، سرعان ما سيجد هؤلاء أنفسهم مضطرين إلى مرافقة أهلهم إلى النواب التقليديين، الحاليين أو السابقين، للحصول على منحة جامعية أو فرصة عمل أو غيرهما في ظل بقاء القوات عامين خارج السلطة. مع تأكيد أحد المتابعين أن قول جعجع إن «القوات لا يمكن أن تكون كالمياه الفاترة، لا تعرف ماذا تريد ولا يعرف من فيها المطلوب منه»، لا يخدمه في سياق مقارنته و«الحنون». وكان النائب سامي الجميّل قد تنبه هو الآخر إلى سؤال أحدهم عمّن أمعن الجميّل في إهمالهم لمصلحة جيل كتائب 2008 الجديد، وطرقه أبوابهم، سائلاً عمّا إذا كانوا يودون أن يحرس أبناؤهم من بعدهم أبواب الصيفي ويهرعوا لفتح أبواب سيارات المشايخ ويمضوا أياماً وليالي في تملق عائلة الجميّل. واكتشف الجميّل أن من التقاه بانبهار، معتقداً أنه مجرد مقاتل آخر قديم، لا يكفيه الأكل من صحن جعجع فحسب كما كان الجميّل يأمل. وجد النائب المتنيّ أن استراتيجية «الحنون» باستقطاب المقاتلين المتقاعدين يمكن أن تفيده، فتذكرت مصلحة الطلاب في الكتائب فجأة تاريخ سامي الخويري القتالي ومسعود الأشقر وقائد مغاوير الكتائب إبراهيم حداد. ونشط الجميّل، بحسب مصادر مطلعة، لإقناع قريبه قائد القوات السابق فؤاد أبو ناضر بالعودة مع أصدقائه في «جبهة الحرية» إلى الكتائب. أما رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون، فيقول المطلعون على حقيقة موقفه من «الحنون» ورفاقه إنه يتعامل بحذر شديد معهم. ليس فقط لأنه يعلم أن في بنية تياره تياراً بشيرياً عريضاً قد يخرج من مجراه يوماً ليصبّ في مجراهم، بل لمعرفته أن دعاية جعجع عن تحريك حزب الله لهم ومدهم بالسلاح وغيرها ليست صحيحة أبداً وهم، رغم تقاطعهم مع عون وحزب الله على عدة نقاط أبرزها خطورة سقوط النظام السوريّ، لا يمكن وضعهم أبداً في خانة التيار الوطني الحر وقوى 8 آذار.

 «الحنون» واحد من قلّة، سواء سياسية أو عسكرية أو أمنية قليلة جداً تعرف حجمها: يعرف أنه لن يحيي غداً احتفالاً للشهداء يوازي احتفال معراب السنوي. ولن يستعرض غداً ولا بعده أفواجاً كأفواج «وحدات أدونيس». ولن يجد الكراسي النيابية تسقط من عليها لتتشرف به. يعرف أنه ينشئ نواة حزب لأشخاص لم تقوَ صعاب كثيرة على تفريقهم، في انتظار اللحظة المواتية. لن يرتاح بال جعجع، ما كان ينقصه إلا الشك بخياله.
 
--------------------------------------------------------------------------------

رفاق جعجع وكودار «الحركة»
 


مشكلة معراب الرئيسية أن القوات اللبنانية تعلم أين كان رئيس الحزب سمير جعجع طوال الحرب وماذا فعل، من الشمال الإهدني إلى التهجير الشوفيّ، مروراً بزحلة. يختار جعجع عونياً سابقاً ليرشحه إلى الانتخابات في زحلة والمدينة معقل القوات البقاعيّ. يرشح زوجته في بشري. النائب إيلي كيروز كان في الحرب أبعد ما يكون عن خطوط التماس في الشعبة الخامسة (التوجيه والإعلام). ومعه كان المرشح عن المقعد الماروني في المتن الشمالي إدي أبي اللمع. النائب جورج عدوان كان يمثل حزب التنظيم في القوات، ومن يسمع صاحب مشتل صغير في سن الفيل يعلم رأي الرئيس بشير الجميّل فيه. أمين سر الحزب وهبة قاطيشا وعميده كان في الجيش. مسؤول أمن معراب إيلي براغيط كان مترجماً في جهاز الاستخبارات. النائب أنطوان زهرا كان في جهاز الاستطلاع في الشمال، يتنقل بين حفافي البترون حاملاً المنظار. ولعل أبرز المعرابيين وأكثرهم جدية في ماضيه هو المرشح عن المقعد الأرثوذكسي في الأشرفية عماد واكيم الذي كان يرأس دائرة في الشعبة الثالثة (الاستخبارات العسكرية).
في المقابل، في «الحركة التصحيحية»، كان فؤاد مالك رئيس أركان القوات والنائب السابق جورج كساب عضواً في مجلس القيادة، وريمون سعادة رئيس الشعبة الثالثة، وحنا عتيق قائد أبرز وحداتها القتالية. وتتداول أروقة «الحركة»، بحماسة، اسم رئيس مصلحة الطلاب المهنيين السابق في القوات، صديق رمزي عيراني، إليانو المير الذي يُعَدّ أكثر من أوقف بين شباب القوات وزُجّ في السجن بين عامي 1994 و2005، وهو يؤدي الدور الرئيسي في ضم غير المقاتلين المتقاعدين إلى «الحركة».

2013-04-16