ارشيف من :أخبار لبنانية
رعاية دولية... وخيارات ضيّقة
جورج علم - صحيفة "الجمهورية"
ما يجري في الخارج يوازي ويزيد عمّا يجري في الداخل من حراك حول التأليف والانتخابات، مع فارق كبير، أنّ الخارج ينظر إلى مستقبل الصيغة، والكيان، ووحدة الأرض والشعب... في ضوء المتغيّرات العاصفة في المنطقة، في الوقت الذي مَن في الداخل ينظر إلى لعبة الأحجام والأوزان، وتنتهي القضية عندما يطمئنّ كلّ طرف الى أنّ كلّ حصته الكاملة في الحكومة والمجلس النيابي مؤمّنة.
حصلت متغيّرات تؤكّد وجود نظرة دوليّة خاصة إلى لبنان، لا أحد يتحدّث عن فصل المسارين. لكن في المقابل هناك كثير من الكلام على ضرورة الحدّ من التداعيات السوريّة. هناك بحث جدّي في وضعية الحدود المتداخلة، وطريقة العمل على ضبط حركة الإستيراد والتصدير المتصلة بتنقّل السلاح والمسلّحين والممنوعات والمخططات المعدّة للتنفيذ على حساب الاستقرار في لبنان.
حتى قضيّة النزوح بات يُنظر إليها أبعد من عمقها الإنساني، إنّها مسألة مرتبطة بديموغرافيا البلد، وتوازناته الدقيقة، إذا ما طال المطاف، وليس في الأفق الدولي - الإقليمي ما يوحي باقتراب الفرج.
وعَكَسَ اجتماع وزراء خارجية دول مجموعة الثماني في لندن أخيراً عمق الانقسام بين الدول الكبرى حول الملفّ السوري، وتحدّث بيان لـ"الإئتلاف المعارض" عن إتفاق مع وزير الخارجيّة الأميركي جون كيري على إطلاق عمليّة سياسيّة تبدأ برحيل الرئيس بشّار الأسد، في الوقت الذي يؤكّد الروسي أنّ الرحيل، أو عدمه، مسألة يقرّرها الشعب السوري بعد الحوار، والتفاهم على المرحلة الانتقالية.
إنقسام دوليّ حول الملفّ السوري، يقابله إجماع ـ حتى الآن ـ حول حصر التداعيات، وعدم تفجير الساحتين اللبنانية والأردنيّة لتعميم الفوضى، والإطاحة بحدود "سايكس ـ بيكو" من دون التفاهم المسبق على حدود الكيانات الجديدة، أو التي ستنشأ على حساب الكيانات السابقة.
محادثات البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي في باريس كانت جيّدة، بمعنى استمرار تمسّك فرنسا بلبنان الوطن والكيان، والحفاظ على تنوّعه وانفتاحه.
ظهرت مؤشّرات لافتة ما بين استقالة الحكومة وتكليف الرئيس تمّام سلام تأليف الحكومة الجديدة، تعكس مدى الاهتمام الدولي ـ الأقليمي إن لجهة الحرص على الاستقرار، وتأليف حكومة جديدة، وإجراء الانتخابات النيابية، وتحاشي الفراغ على مستوى المؤسّسات الرسميّة، وتداول السلطة وفق الدستور، وتمرير المرحلة بأقلّ الخسائر الممكنة.
ويعرف الخارج ما يريد، والذي يريده مطمئن، ويصبّ في مصلحة البلد، لكنّ المشكلة مع مَن في الداخل الذي لا ينظر أبعد من حدود مصالحه، ويحاول أن يضع العصيّ في دواليب التأليف والانتخابات لتحسين الفرص، أو إبقاء "القديم على قِدمه؟!".
الرئيس المكلّف لديه حسابات أخرى ينطلق منها: أنّ الوضع ممسوك جيّداً لدى الراعي الخارجي، وهناك من لا يريد التفريط بهذه الصيغة والفرادة، أضِف إلى ذلك أنّ اتّفاق الطائف لم يطبّق، ويحتاج الى إرادة وطنية داخليّة لم تكتمل مواصفاتها بعد، فضلاً عن أنّ الحكومة هي إنتقالية لمرحلة إنتقاليّة، وإنّ المجلس النيابي قد شارفت ولايته على الانتهاء، وهو بحاجة ماسّة ودستوريّة الى ثقة المواطنين، وبناءً عليه لا يمكنه أن يفرض شروطه على حكومة من أولى أولوياتها إجراء الانتخابات النيابيّة، هناك مانع أخلاقيّ وأدبيّ، يقابله هامش عريض من الحرّية أمام الرئيس المكلّف لاختيار "الفريق الذي سيشرف على الانتخابات" بالتفاهم مع رئيس الجمهورية، شرط أن يوحي أعضاؤه بالثقة، وتكون حكومة قادرة على الاضطلاع بما هو مطلوب منها بجدارة ونزاهة وشفافيّة.
ولا يوحي المشهد الداخلي بتغيير جدّي في السلوك والأداء. فالمواقع عينها، والمتاريس، والاصطفافات، والكيديات أيضاً. كلٌّ يريد حصّته، والحفاظ على حجمه ووزنه في انتظار الآتي، وما سيقرّر لمستقبل هذا البلد، ومستقبل نظامه وتركيبته السياسيّة ـ الاجتماعيّة، حتى إذا ما اندفعت المتغيّرات، تكون الخسائر مقبولة، يمكن تحمّلها، ويمكن البناء على ما يتبقّى لمواجهة المستقبل وغدرات الزمن.
وحده الخارج المهتمّ والمتابع يعرف "كلمة السرّ" ويحفظها، وحده يعرف ما يريد، وما يخطط لهذا البلد من مشاريع وحلول وتسويات، ولأنّه يعرف، فإنّه سيكون للبنان حكومة، وقانون انتخاب، وانتخابات، لأنّ الفراغ ممنوع، إنّه مدمّر، وتدمير لبنان لا يحتاج إلى كلّ هذا الجهد والعناء، ولو كان الخيار الدوليّ يقضي بتدميره، لكان هذا قد حصل في مناسبات كثيرة، وظروف مؤاتية متعدّدة، لكن في كلّ مرّة كان يصل فيها إلى حافة الإنهيار، كانت تمتدّ يد خارجيّة بسرعة، وبسحر ساحر، لتنقذه من التهلكة. هذه اليد لا تزال موجودة، ومتعافية، وتريد أن تنقذ لبنان من الفراغ، لذلك يمكن القول إنّه سيكون للبنان حكومة، وانتخابات...
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018