ارشيف من :أخبار لبنانية
تسوية «المجلس الشرعي» مستحيلة أم ممكنة؟
لينا فخر الدين-"السفير"
أدى مفتي الجمهورية محمد رشيد قباني قسطه للعلى. أجرى انتخابات «المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى» في كلّ المناطق اللبنانية (باستثناء طرابلس والبقاع) وأعلن نتائجها، ومن ثم وضع ختمه عليها بجمعه المجلس الجديد، أمس، في دار الفتوى.
لم يبق أمامه سوى أن يعيّن الأعضاء الثمانية المتبقين وأن يدعو إلى انتخابات فرعيّة في طرابلس والبقاع، ويكون قد أتمّ واجباته كرئيس ديني للطائفة السنيّة.
أمس، صادق قباني على «نتائج انتخاباته» وترأس اجتماعاً لـ«مجلسه الشرعي» على أن يدعوهم أيضاً إلى الاجتماع الدوري بعد حوالي الأسبوعين، ولكنه يعرف أن أقــدام «الأعضاء الطبيعـــيين»، أي رؤساء الحكومــات والـــوزراء والــنواب الســـنة، بغالبيـــتهم، لن تــطأ «أرض قبـاني».
لن يفتقد «المجلس الشرعي الجديد» وجوه السياسيين، فحسب، بل ان أي قرار سياسي أو إداري لا يتعلّق بالمؤسسات الدينيّة، لن يكتب له الحياة لأن الرئيس العامل، سواء كان تمام سلام أو نجيب ميقاتي، لن يقبل بنشره في الجريدة الرسميّة، تماماً كما هي الحال مع نتائج انتخابات الأحد الماضي.
وبالتالي فإن «المجلس الشرعي» الذي كان في السابق يظلّل رؤساء الحكومات بشرعيّته، ويهدد بحجبها عنهم، كما حصل بلجوء فؤاد السنيورة اليه للضغط على ميقاتي للاعتذار، قبل سنتين ونيف، بات اليوم بحاجة إلى من يعطيه المشروعية السياسيّة.
هناك من يقول إن «عصا قباني» استطاعت أن تقسم الطائفة، وأن «تمنحها» مجلسين شرعيين، في سابقة خطيرة، ولكن المقربين من المفتي يضعون أنفسهم في موقع ردّة الفعل، «بعدما حوّل السنيورة الخلاف مع «سماحته» إلى خلاف شخصي».
استراتيجية «المستقبل» تقوم على «الستاتيكو»، من الآن وحتى العام 2014 (انتهاء ولاية المفتي). لماذا؟ لأن أكثر من ستين في المئة من المجلس الشرعي المحسوب على «السادات التاور» (بقيادة عمر مسقاوي) ماض في قرار انتخاب مفتٍ جديد.
ولدى مراجعة سجل العلاقة بين السنيورة وقباني، يمكن تلمس الآتي: في مطلع العام 2012، «أهدى» مفتي الجمهورية تراجعه عن دعوته للانتخابات إلى ميقاتي الذي أخذ على عاتقه إقناع «المستقبليين» بالمضيّ بالاستحقاق، في مهلة أقصاها ثلاثة أشهر. وضع قباني الدعوة في دُرجِه، بناء على طلب ميقاتي. مرّت الثلاثة أشهر وتبعتها ثلاثة أخرى، و«سيرة الانتخابات» لم تفتح، إلا أن قرّر قباني أن ينتشل من جيبه في أواخر العام 2012، قرار الدعوة.
قامت الدنيا في «السادات تاور»، ولم تقعد. حاول ميقاتي إحياء مبادرته التوافقية، لكنه لم يفلح في إعطاء ضمانة لقباني بأن الانتخابات ستجري إذا ما تمّ تأجيلها، بعد أن نكث «التيار الأزرق» بوعده لرئيس الحكومة في المرة الأولى.
أصرّ «سماحته» على المضيّ في انتخاباته في 30 كانون الأوّل 2012، فتحرّك معارضوه باتجاه «مجلس شورى الدولة». لم يكتفِ «الزرق» بتحريك القضاء، وإنما دعا نائب رئيس المجلس عمر مسقاوي إلى جلسة، من دون حضور قباني أو حتى موافقته، ليمدّد هؤلاء لأنفسهم على «باب الدار».
من يراجع أرشيف مسقاوي، لا سيّما عندما اجتهد في العام 1996 يجد الجواب: بقوله الآتي: «لا يحق لنائب رئيس المجلس أن يترأس الجلسة بدلاً من الرئيس (أي المفتي) إلا في حال الوفاة»، ويضيف أن «الشورى» لا يحق له الطعن في قرار سير العمليّة الانتخابيّة.
ماذا تغيّر بين مسقاوي 2006 ومسقاوي 2012؟
بعد التمديد، أجّل قباني الانتخابات في أواخر العام 2012، من دون أن يغضّ الطرف عن الموضوع كلياً. بعدها، اجتمع رؤساء الحكومات وقدموا ما أسموه «مبادرة» إلى قباني حملت بصمات السنيورة وطلبت من مفتي الجمهورية تأجيل الانتخابات وأن يعترف بأعضاء «الشرعي» الذين مدّدوا لأنفسهم باستقبالهم في دار الفتوى!
رفض «سماحته» الورقة ـ المبادرة. وفي المقابل، كان «تيار المستقبل» يستكمل حربه على قباني، مرةً بالتهديد بالملف المالي ومرةً ثانية بإشهار سلاح الإقالة.
«الزرق» يعرفون أن الملف المالي هو «ملف سري وعاجل» ولكنه خال من الأوراق، وإلا كيف يكمل «المتهم» عصيانه، وهو يعلم أن في «السادات تاور» أوراقاً تدينه؟ ولماذا يستسيغ «الزرق» النوم على «الورقة الرابحة» كلّ هذا الوقت، ولا يستخدمونها إلا كلامياً؟
أما الإقالة، فطريقها شائكة، إن لم تكن طويلة. الافتراض أن يقوم أعضاء «المجلس الشرعي» (السابق) بدعوة «مجلس الانتخاب الإسلامي» (الذي يتألف من الرؤساء والوزراء والمفتين المحليين والعلماء..) ليصدر قراراً بإعفاء قباني من منصبه (المادة 6 من المرسوم 18/1955).
غير أن هذه النهاية التي يبتغيها «المستقبل» لا تتحقّق بين ليلةٍ وضحاها، حتى ولو نال قرار العزل أصوات ثلاثة أرباع أعضاء «مجلس الانتخاب»، وذلك لعدة أسباب: أولاً، هي تحتاج إلى الكثير من الوقت، لا سيّما إذا ما قرّر قباني أن يلجأ إلى الجسم القضائي. ثانياً، الحاجة الى أسباب موجبة للعزل، فالمادة 6 تؤكد أنه «لا يعفى (المفتي) من منصبه إلا لدواعٍ صحية تمنعه من حسن القيام بمهامه، أو لأسباب خطيرة». ثالثاً، إن «مجلس الانتخاب» لا يذهب مباشرةً إلى العزل وإنما يخيّر مفتي الجمهورية...
وتشدّد المصادر القانونيّة على أن هذه الآلية تحتاج إلى أكثر من 8 أشهر، فيما لم يتبق للمفتي قباني في سدة الإفتاء أكثر من سنة وخمسة أشهر (أيلول 2014).
ومن هنا، فإن البعض يقول إنه لم يعد أمام الطرفين سوى العودة إلى الوراء، ولكن لن يقبل أعضاء «الشرعي» السابقون أن يصرّحوا علانية: «نعتذر عن التمديد ونتراجع عنه»، ولا حتى يستطيع قباني أن يفتح صفحة جديدة ممزقاً ورقة نتائج انتخابات المجلس..
باتت الصورة معقدة وشائكة ولا حلّ إلا بتسوية سياسية تكون قابلة للحياة، و«خريطة طريق» تصمد إلى ما بعد انتهاء ولاية قباني والاتفاق على اسم المفتي الجديد... وإلا نكون أمام مجلسين شرعيين ومن ثم مفتيين للجمهورية على طريقة مشيخة عقل الدروز.
لن يستطيع الرئيس تمام سلام أن يكون «طباخ التسوية»، حتى ولو أضحى رئيساً عاملاً. فسلام حوّل نفسه إلى طرف، حتى قبل تكليفه بتشكيل الحكومة، من خلال انتقاد قباني، ووصل به الأمر إلى وصفه بـ«الديكتاتور».
وحتى بعد تكليفه، فإن قباني اتصل به الأسبوع الماضي لتهنئته بالمنصب الجديد. الاتصال الذي لم يدم أكثر من دقيقتين، بقي سرياً لأن «دولة الرئيس» لا يريد أن يحرج نفسه حتى بتعميم خبر الاتصال! ولكنه أسرّ به لـ«المستقبليين» قائلاً: «إن المفتي اتصل بي ولكنني تقصّدت عدم تعميم الخبر، لعدم الإحراج ولكي لا يتصل بي مرة ثانية»، كما نقل عنه.
يمكن لرجل الأعمال الطرابلسي أن يتقن تدوير الزوايا شرط استعادة الثقة المتبادلة. هو ليس ضدّ المفتي وإنما الخلاف بينهما هو على الطريقة والأسلوب وليس على الهدف، بعكس تمام سلام.
ولذلك لا بدّ من أن يعيد ميقاتي، قبل تسليمه الحكومة إلى «تمام بيك»، تعبيد الطريق بين «عائشة بكار» والسرايا، وعقد لقاء لرؤساء الحكومات السابقين، يخرج بقرارات مقبولة، وليست موجّهة ضدّ طرف واحد. فـ«سماحته» صار اليوم قادراً على الدخول في تسوية، وليس أن تفرض عليه التسوية، بمعنى آخر على قباني أن يعود عن انتخاباته مقابل أن يعود «المجلس الشرعي» السابق عن تمديده غير القانوني، ومن ثم الاتفاق على موعد محدّد للانتخابات.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018