ارشيف من :أخبار لبنانية
«إمبراطوريّة أميركية» في طور الأفول (3) سلاح الجريمة في متناول الشعب
جورج كعدي-"البناء"
سوف تُظهر الأيّام أنّ جريمة بوسطن التي وقعت ضدّ العدّائين بالأمس، مثل جريمة أوكلاهوما قبل بضع سنين، هي من صنع أميركيّ، وأنّ مرتكبيها هم من الشقر اليانكي (مثلما تبيّن في مجزرة أوكلاهوما وفاعلها) لا من السمر «الإرهابيين» الوافدين من الشرق، فالمجتمع الأميركي يحمل بذرة الإرهاب في نظامه (سيستيمه) الاجتماعيّ والسياسيّ والقانونيّ والأخلاقيّ، وهو مجتمع مبنيّ على العنف ممارسةً في الشارع وثقافةً عبر التلفزيون والسينما، حتى أنه لا يجد ضيراً أو مانعاً في امتلاك كلّ مواطن أميركي قطعة سلاح ناريّ، مسدس أو بندقية، حتى غدا مجتمعاً مدجّجاً بالسلاح وقابلاً للانفجار الأهليّ في أيّ لحظة.
لدى الحديث عن الاتحاد السوفياتي المنحلّ يُرجع كثر بقاء الدولة السوفياتية إلى الهيكلية الحزبية القوية، وإلى الـ«كي جي بي»، وهذا ليس خاطئاً تماماً، لذا حين ضعفت الدولة وتراخت قبضة الحزب تفكّك الاتحاد السوفياتي. فما الذي يضمن بقاء الولايات الأميركية المتحدة... متحدة؟
صحيح أنّ من غير الممكن الحديث عن هيكلية حزبية، ولا عن دور مماثل للـ«سي آي إي»، لكنّ ثمة عاملاً لم يكن موجوداً في الاتحاد السوفياتي هو اقتصاد السوق الذي يوفّر حتى اليوم ازدهاراً ورخاءً نسبيين لعدد كبير من الأميركيين يجعلهم يفضّلون ويقدّمون الانتماء إلى دول غنية وقوية على أيّ انتماء عرقيّ ثقافيّ، حتى لو كان ذلك على حساب شعوب ودول أخرى. وطالما أن هذا الازدهار يتمتع به عدد مهمّ نسبياً يبقى الاتحاد، فولاء الأميركيين هو للسوق، والاتحاد هو مجرّد إطار يحمي هذه السوق. غير أن الرأسمالية بدأت تتخلّى عن السوق «الوطنية» لمصلحة سوق عالمية وتضغط على الدولة لأجل تقليص دورها الاجتماعيّ، متخلّية عن المزيد والمزيد ممن هم في حاجة إلى مساعدة تبرّر في نظرهم انتماءهم إلى الاتحاد.
تفقد الدولة المركزية في الولايات المتحدة مبرّرها شيئاً فشيئاً أمام أعداد متزايدة من السكان، ولم تبق الولايات المتحدة تحتكر النشاط الرأسمالي إذ بات يبحث عن مصالحه في كلّ مكان، فيما تتّجه بعض المدن والمناطق الأميركية إلى أن تصير عالماً ثالثاً داخل الولايات المتحدة نفسها! بدأ المركز يفقد قوّة الجذب للأطراف.
بعض الأقاليم الأميركية يشهد اليوم أوضاعاً صراعية موسومة بعنف يشبه الصراعات في دول العالم الثالث، ففي نهاية الثمانينات حصدت الجريمة نحو 25 ألف شخص أميركيّ ففاق المعدّل بكثير معدلات دول أخرى متقدمة. هذه النسبة المرتفعة بآثارها البشرية والاجتماعية والاقتصادية تُدخل الجريمة في نواح عديدة ضمن المجال السياسيّ. فالجريمة العادية بمعدّلات معينة يمكن أن تكون أداة احتجاج سياسيّ، أو تمثّل على الأقلّ قطيعة مع المجتمع السياسيّ ومع القيم والمبادئ التي تحكمه. الخروج على القانون، وإن في شكل جريمة عادية، يمكن أن يمثّل رفضاً للنظام السياسيّ. هكذا يتبدّى لنا أن معدلات الجريمة المرتفعة في الولايات المتحدة الأميركية بلغت حدّاً يجعلنا نوقن أنها موجّهة ضدّ النظام السياسيّ خروجاً على قوانينه وعلى الشرعية المؤسّسة للنظام الاجتماعيّ ـ السياسيّ. ثمة «صراع إجراميّ» يكشف عن شدّة العنف اليوميّ الذي يتكبّده جزء من الشعب الأميركي يكبر باستمرار.
لهذا الواقع جذور لا يمكن إغفالها، أفظعها تمجيد العنف واللجوء إلى القوّة كفعل مؤسّس وردّ إيجابيّ. يعيش الأميركيون في بلد مسلّح، كي لا نقول مفرط في التسلّح، فثمة نحو 300 مليون قطعة سلاح ناريّ، تتناقلها أيدي 300 مليون نسمة هي عدد سكان الولايات المتحدة، ويبرّر ذلك بذريعة الإيديولوجيا الليبرالية المدفوعة إلى حدّها الأقصى، فامتلاك سلاح ناريّ حقّ معترف به وفق التعديل الثاني للدستور وتدعمه غالبية الرأي العام، وكل محاولة للحدّ من انتشاره تثير سجالات سياسية حادة.
هذا الانتشار للسلاح الناري، والذي أضحى حقّاً معترفاً به، تقف وراءه منذ سنوات بعيدة «الرابطة الوطنية للسلاح» (N.R.A) وتتكوّن من نحو ثلاثة ملايين عضو وتتمتع بموازنة ضخمة من ملايين الدولارات، فضلاً عن شبكة السياسيين المتعاطفين معها أو المحتاجين إلى دعمها، وهي تمثّل اللوبي الأقوى في الولايات المتحدة وذات ثقل انتخابيّ حاسم لمصلحة الجمهوريين تقليدياً.
إضافة إلى كميّة السلاح المتوافر في أيدي الشعب الأميركيّ، فإنّ نوعية هذا السلاح تثير الدهشة: بنادق هجومية صينية Ak47 ومسدسات رشّاشة UZI (صنع الكيان الصهيوني) وعدة أسلحة حربية أخرى تباع منذ وقت طويل علناً وبحرية، قبل أن يصدر شبه تشريع (قانون براداي) في محاولة للحدّ من بيع الأسلحة الأوتوماتيكية الأشدّ هجومية. ولو أمكن تبرير امتلاك أسلحة شخصية للدفاع عن النفس، فإنّ امتلاك أسلحة هجومية لا يمكن تبريره. هذا التراكم البلا معنى للسلاح في فترات سلام ليس سوى مظهر من مظاهر مستوى العنف المرتفع الذي يعمّ المجتمع الأميركيّ.
قد يكون المجتمع الأميركي مجتمع «حرية» ومجتمع تعدّد عرقيّ، لكنّه قبل كل شيء مجتمع اللامساواة، منذ الولادة حتى الموت، فلا مساواة في المال ولا في تكبّد العنف. الجريمة الصراعية ليست موزّعة على نحو متوازن في كل أنحاء البلاد، ولا بين الجماعات، بل تضرب بعض الجماعات البشرية، خاصة الأكثر قابلية مثل مجتمعات السود والفقراء والعاطلين عن العمل، وفئة الشباب عامّة والذين تجتمع فيهم الصفات الثلاث المشار إليها. ففي جيوب التعاسة الاجتماعية والعنف تنتشر العصابات المسلّحة وعصابات التهريب من كل نوع، والمخدّرات خارج نطاق السيطرة، وحيث انتشار الأوبئة (إيدز، سلّ، إلخ) وتدمير الروابط الأسرية وتفكّك التنظيم الاجتماعي. وإلى العنف الصادر من الشارع، وأحياناً من جماعات عرقية، يضاف العنف البوليسيّ وما يستتبع من انتهاكات وإهانات وإذلال.
في دراسة أجرتها جامعة واشنطن تبيّن أن الشاب الأميركي، من فئة الاستهلاك المتوسط للتلفزيون، شاهد حتى الثامنة عشرة من عمره أربعين ألف مشهد قتل على الشاشة الصغيرة، ضمن مسلسلات وأفلام أو ضمن نشرات إخبارية، ما يعني عملية تطبيع مع الموت العنيف. وينعكس هذا الواقع السيّئ في أن عدداً من التلاميذ يذهبون إلى المدارس حاملين أسلحة نارية بذريعة حماية أنفسهم من الخطر المتربّص بهم (عصابات، مخدّرات) أو تأثّراً بما يشاهدونه على الشاشة الصغيرة، فيستخدمونه إمّا في خلافاتهم الصبيانية، أو يرتكبون بواسطته مجازر مرعبة ضدّ رفاقهم وأساتذتهم كما حصل مراراً في السنوات الأخيرة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018