ارشيف من :أخبار لبنانية

...أن نلتقط اللحظة السعوديّة!

...أن نلتقط اللحظة السعوديّة!

نبيه برجي -"الديار"

استعيد سؤالي الى رئيس الجمهورية ميشال سليمان حول احتمال حصول فراغ في السلطة التنفيذية كما في السلطة التشريعية، وكان الوزير وائل ابو فاعور حاضراً فعلّق قائلاً «لماذا تقفل هكذا الابواب؟». أما الرئيس فأجاب «في هذه الحال تصبح السلطة في يد رئيس الجمهورية».

ربما استند الرئيس الى مقتضيات الواقع اكثر من استناده الى النص الدستوري حيث تلك المادة العجيبة، والسريالية، بكل معنى الكلمة، والتي اناطت به كل المسؤوليات التي يمكن ان تصلح لديكتاتور، ونزعت منه كل الصلاحيات، وهذه المفارقة قد تكون مسؤولة عن الالتباس السياسي الذي تعيشه البلاد منذ ان اشرقت شمس الجمهورية الثانية، وان كان هذا الالتباس قد بدا عاصفاً مع خروج عنجر، وما كانت تعنيه عنجر، في المعادلة الداخلية في لبنان.

الآن يبدو وكأننا ندنو من الفراغ الكبير. الرئيس المكلف تمام سلام يدور في حلقة مفرغة، مع نفيه للعبة الاشباح في دارة العائلة. واذا كان قد اطفأ محركات الكلام مع انه يتكلم كل يوم تقريباً، وان دون الدخول في التفاصيل التي فيها حتما اكثر من شيطان وليس شيطانا واحداً، فالخشية ان تنطفىء محركات التأليف..

اما لجنة التواصل النيابية، وحيث يطل علينا النائب روبير غانم بوجهه الهوليوودي، ليبث فينا بعض التفاؤل، وان بدا كما لو انه يقول لنا ما عساي افعل في برج بابل هذا، فقد عادت الى الاجترار إياه، ليظهر ثانية حوار الاقنعة، كما لو ان النقاش الحقيقي و«المفاوضات الحقيقية» ان حول الحكومة او حول قانون الانتخاب يجري في مكان آخر او في امكنة اخرى. ولكن اين هي الامكنة الاخرى؟

وبعيداً عن اي غرض، هل لنا ان نبتعد عن هوايتنا القديمة.القديمة، حيث الولاءات للمصالح الخارجية جعلتنا في مهب الريح، واحياناً في مهب الدم، والآن في مهب الهباء، ونلتقط اللحظة السعودية الثمينة وبما تعنيه الكلمة. السفير علي عواض عسيري قال كلاماً هاماً بل وتأسيسياً في هذا الوقت الذي نبدو فيه عاجزين حتى عن التواصل في لجنة التواصل، فحين يدعو الى الحوار بين تيار المستقبل و«حزب الله»، وحين يقول ان ابوابنا وقلوبنا مفتوحة للحزب، لا نتصور ان هذا الكلام آني او تكتيكي او من الطراز العربي إياه...

في نظرنا انه كلام مسؤول، وكلام راق، ممن يدرك اي احتمالات تحدق بلبنان، واي اصابع تلعب في هذا العراء (اجل العراء)، وبعدما تبين ان ظاهرة الشيخ احمد الاسير ليست فقط بالظاهرة الكاريكاتورية او بالظاهرة الفولكلورية او بالظاهرة البهلوانية فحسب، بل ان الرجل يختزل حالة لها امتدادها او بالاحرى لها منشأها في ذلك المكان الذي تدار منه خيوط كثيرة في المنطقة، اذ ماذا عندما يدعو رجل دين، باللحية إياها (وبالكلاشينكوف إياه) الى طرد «الغرباء» من مدينة صيدا التي هي نموذج للتفاعل الخلاق؟ وقد بدا واضحا من هم «الغرباء» باختياره المكان الذي كان مزمعاً ان تستقر عنده تظاهرته وظاهرته...

مقتنعون بأنه ليس عندنا دولة، ولو كانت هناك دولة للاحقت الشيخ بتهمة النازية، وبتهمة الاعداد لـ «ليلة الكريستال»، وهنا «ليلة السواطير»، في صيدا، وبالتنسيق مع فصائل معينة في مخيم عين الحلوة بدأت تتحدث، وبشكل علني، عن تغييرات دراماتيكية ليس في المعادلة الجنوبية وانما في المعادلة اللبنانية بوجه عام.

اجل علينا ان نلتقط «اللحظة السعودية» وبمنأى عن كل ما يدور حول الحدث السوري الذي يبدو واضحا انه يقترب من الساعة الكبرى، وسواء كانت عسكرية ام ديبلوماسية، دون ان يعني هذا اقفال الازمة بل ربما فتحها على شكل آخر من الجحيم...

لبنان في خطر. المجموعات المفخخة في كل الارجاء ، وثمة من يعمل لتحويل التجمعات السورية من وضعها الانساني الى قنابل جاهزة للتفجير مادامت حرب اجهزة الاستخبارات، ودائما من اجل اعادة هيكلة الخرائط(والمصالح)، قائمة على قدم وساق. ولماذا لا نأخذ تهديدات مورا كونيللي بالاعتبار، وهي التي تذكرنا بكل ادبيات القرن التاسع عشر، بالكثير من المسؤولية اذا ما اخذنا بالاعتبار هشاشة الوضع المالي للدولة، وهي دولة المافيات( اذا كان لنا ان نعرف كيف قفز احد الوزراء من الارض الى المريخ)، وايضا دقة الدورة الاقتصادية في لبنان. جارتنا العزيزة قبرص تقول لنا «حذار». ماذا عن اثينا التي اصبحت في قبضة جورج سوروس (النجم الساطع في وول ستريت) لا في قبضة افلاطون؟

الكل يقول ان لبنان على حافة الهاوية، فأي منطق عندما يبقى صراع المقاعد، كما صراع الحقائب( وكلنا موجودون داخل حقائب السفر) على حاله. لا يرف لنا جفن، ولا نخطو خطوة في الاتجاه الاخر حيث السلطة مسؤولية، ومسؤولية اخلاقية بالدرجة الاولى، ولا تمت بصلة الى الغارات القبلية التي ترعرعت عليها الطبقة السياسية، ولا الى مغارة علي بابا التي لا ندري ما اذا كان لا يزال فيها شيء يستحق الذكر...

المشهد يزداد تلبداً. البعض لم يتخلّ عن تلك التصريحات المبتذلة إياها وحيث الارتزاق العلني من الفتات الخارجي. دائما التصريحات إياها، فهل هناك من لم يقتنع حتى الآن بأن سوريا دخلت في الخراب الكبير وان الرهان على الغلبة هو رهان الحمقى، ايضا رهان مصاصي الدماء؟..

مرة اخرى، نقول بالتقاط اللحظة السعودية. لبنان حلبة الصراعات قد يصبح حلبة التسويات!
 

2013-04-20