ارشيف من :أخبار لبنانية
الجالية العثمانية العظمى
نبيه برجي - صحيفة "الديار"
نستحق ان نهان و ان نختطف ايضاً. لاننا لسنا دولة، ولسنا شعبا، بل ولسنا قبيلة بل نحن شظايا بشرية مبعثرة على كل ارصفة الارض، وإلا كيف يمكن لجالية، تحديداً الجالية التركية، ان تصدر بياناً، وتوزعه وكالة الاناضول، تهدد فيه ذوي مخطوفي اعزاز بحق الرد والاعتصام، وربما الخطف في لبنان رداً على الخطف، مع ان هؤلاء الناس قالوا منذ البداية انهم ضد الحاق الاذى بأي مواطن تركي ليس لانه ضيف في ديارنا، وانما لان احتجاز كائنات بشرية ليس فقط ظاهرة لااخلاقية بل هي ظاهرة همجية وبكل ما تعنيه الكلمة.
هل يمكن لاي جالية وفي اي دولة حتى في الصومال ان تهدد بتلك الطريقة، وان كنا نعتقد ان الذين صاغوا البيان لم يعرفوا بعد ان مشانق جمال باشا لم تعد منصوبة في ساحة البرج، وان بيروت لم تعد ولاية عثمانية، الا اذا كان اصحاب البيان، وهم بيننا ونحافظ عليهم ويفترض ان نحافظ عليهم اكثر من اهلنا، يعتبرون ان العالم العربي كله ولاية عثمانية. انه حقاً ولاية عثمانية...
ولا نعتقد اننا اغبياء الى الحد الذي ننسى فيه لهجة رجب طيب اردوغان، ونردد المرة تلو المرة افتخاره بـ«اننا احفاد العثمانيين والسلاجقة». ولعلنا نسأل اذا كان يفاخر الى هذا الحد بآبائه، فلماذا الدرع الصاروخية على ارضه (هل هي درع سلجوقية؟) ولماذا بطاريات الباتريوت على حدوده؟ (هل هي بطاريات عثمانية؟)، هذا اذا اغفلنا خلافته للمسلمين الذين بهروا بها وما زالوا..
نستحق ان نهان لاننا لم نصنع دولاً بل ازقة، ولم نبن مجتمعات بل قطعانا، والدليل ان الكل يخوضون صراعاتهم فوق جثثنا وفوق ترابنا الذي لم يعد ترابنا، فكلنا لاجئون او نستعد للجوء حتى فوق ارضنا التي باتت مرتعاً لشذاذ الآفاق، ولكل تلك الحثالة الايديولوجية التي تستورد من كل اصقاع الدنيا من اجل تحريرنا ومن اجل تحديثنا، وبطبيعة الحال من اجل انقاذنا من الضلال بتسويق ثقافة الكهوف بل وثقافة ياجوج وماجوج.
وكنا نأمل من الجالية التركية التي تعيش بيننا، وتدرك تماما رحابة صدرنا، ان تتخلى عن الغطرسة العثمانية إياها الا اذا كانت لا تزال تعيش في زمن الباب العالي والصدر الاعظم (لاحظوا نوعية الالقاب)، وتعتصم مع ذوي المخطوفين الذين لم يجدوا باباً الا وقصدوه والذين طالما بعثوا بالرجاء تلو الرجاء الى رجب طيب اردوغان واحمد داود اوغلو ليساعدا في اطلاق ابنائهم وآبائهم الذين يعرف ابناء الجالية ان خاطفيهم في قبضة بني قومهم وحتى من هم اعلى شأنا بكثير من الخاطفين في قبضة بني قومهم...
ألا يعرف ابناء الجالية، تحديداً الذين اصدروا البيان بكل ذلك التحدي وبكل تلك الصلافة، ان المجلس الوطني، وان الائتلاف الوطني، وان الجيش الحر، وان كل قيادات المعارضة السورية قابعة في اسطنبول وتأتمر بأوامر اسطنبول، وان بامكان اسطنبول وحدها ان تضع حداً لتلك المأساة الانسانية وحيث يحتجز لبنانيون لا ناقة لهم ولا جمل في الاحداث السورية؟..
لا بل اننا نسأل اين هي اعزاز؟ أليست داخل الشريط الحدودي التركي الذي ابتدعه الاتراك من الاشهر الاولى لاندلاع الازمة في سوريا؟ ومن تراه يصدق ان الاتراك بحاجة الى اكثر من اشارة من اصبعهم لكي يعود المخطوفون الى ديارهم ولا يستخدمون في مقايضة بين معارضة رثة وبين نظام لا يزال يدافع عن بقائه بتلك اللغة الخشبية؟
اجل، السلطة التركية متورطة بل ومتواطئة في العملية، وهذا بات معلوما لدى كل اهل السلطة في لبنان اذا كانت هناك سلطة وتعرف كيف تدافع عن مواطنيها او كيف تقيم الدنيا من اجل اطلاقهم، لكننا اقل من ان نكون قبائل، ففي 8 اذار منهمكون في لعبة المقاعد وفي لعبة الحقائب، وفي 14 اذار مأخوذون بصيحات الثأر، ولعلها صيحات الفتح المبين، كما لو ان لبنان لم يتحول الى جثة في سوق الامم وما دون الامم...
لو كانت هناك ذرة من الكرامة لدى اي من المسؤولين في لبنان لعرفوا كيف يفهمون موقعي البيان انهم انتهكوا السيادة، وانتهكوا القانون، والاهم انهم انتهكوا كرامة لبنان واللبنانيين الذين رحل عنهم النير العثماني منذ قرن من الزمن.
والمفجع ان يقال ان هناك جهات لبنانية حرضت الجالية على اعلان موقفها، وابلغتها استعدادها للمشاركة في الاعتصام المضاد لان على ذوي المخطوفين الذين لا سقف لهم، ولا دولة، ولا مرجعية، ان يلزموا منازلهم بانتظار ان يأمر الصدر الاعظم باطلاق اقربائهم الذين انقضى عام على اختطافهم وباسم تلك الثورة التي هي العار على مفهوم الثورة والثوار، وكنا نجد فيها الثورة فعلا عندما كانت لاصحاب الصدور العارية لا لاصحاب الظهور المطهمة..
ماذا فعل ذوو المخطوفين اكثر من الاحتجاج؟ هذا هو الحد الادنى الذي يفترض ان يقوموا به. ولكن هناك بين ابناء الجالية من لا يزال يعتبر ان الجزمة العثمانية لا تزال إياها، وان السلطنة ما برحت السلطنة، وان كنا لا نكن سوى الاحترام والود للشعب التركي الذي كان يمكن لوقوفه الى جانبنا ان يغير تاريخ المنطقة، قبل ان يبتدع احمد داود اوغلو تلك الفضائح الجيوبوليتيكية التي تتخذ من الحالات المذهبية صهوة لها، فينقسم العرب وينقسم الاتراك، اجل وينقسم الاتراك، والآتي اعظم.
الآن، وقد اشعرتنا الجالية العثمانية العظمى، ورغم الاستدراك او التوضيح الذي لا معنى له، كم نحن اذلاء، وكم اننا عبيد للقوى الاقليمية على اختلافها، نزداد اقتناعا بأن الذين فوقنا، بتلك المواكب الفولكلورية، والذين يختلفون على المقاعد والحقائب في بلد يعيش على تخوم الهاوية، لا يصلحون حتى لمتحف الشمع لانهم تركوا ناسهم عراة في ذلك العراء الرهيب.
نقول لذوي مخطوفي اعزاز ان اعتصامكم ينبغي ألا يكون امام شركة الطيران التركية، ولا امام السفارة التركية، ولا امام المركز الثقافي التركي، وانما في تلك الامكنة التي يقبع فيها من لا يزالون يتعاملون معنا على اننا القطعان، وعلى من يتعاملون مع الضحايا في اعزاز ومع الضحايا في كل ارجاء لبنان على انهم كائنات بشرية... مع وقف التنفيذ!
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018