ارشيف من :أخبار لبنانية

ثلاثة منطلقات لـ«أرثوذكسية» عون

 ثلاثة منطلقات لـ«أرثوذكسية» عون
جان عزيز -"الأخبار"

 لم يكن مستغرباً إطلاقاً أن يطلب ميشال عون من ممثله في لجنة التواصل النيابية الباحثة عن صيغة تسووية لقانون الانتخابات أن يتمسك حتى التعنت بموقف معلن مسبقاً: تفضلوا وقدموا لنا اقتراحاً موحداً من قبلكم، لنبحث فيه. لا بل ما كان موضع الاستغراب هو أن يفاجأ الآخرون بهذا الموقف، أو أن يدعي بعضهم مفاجأته بمسألة معروفة ومعلنة ومبلغ عنها مسبقاً.

 
أما ذروة ما كان مستغرباً في اجتماع ساحة النجمة، فهو أن يفاجأ جورج عدوان بالذات، أو أن يستغرب موقف زميله العوني. فالمنطلقات العامة والأساسية لموقف عون حيال هذه المسألة بدأت فعلياً منذ اتفق أطراف طاولة بكركي على طرح اللقاء الأرثوذكسي قبل سنة وخمسة أشهر. يومها نبّه عون الحاضرين إلى أنه يمكن أياً منهم، إذا أراد، أن يتخذ موقفاً للمناورة أو للتفاوض أو لجعله مادة اختبار في عملية جس نبض أو كشف نيات. لكن مثل هذه الحسابات لا يمكن ولا يجوز أن نحملها لبكركي نفسها. فبكركي لا تريد لنفسها ولا يريد أحد لها أن تكون أو تصير موقعاً من مواقع «السياسة السياسية» اليومية، بمعنى المناورات والمماحكات والحرتقات والحربائيات.

فإذا قرر المجتمعون في بكركي اتخاذ موقف محدد من اقتراح معين، وإذا ما حُمّل هذا الموقف للصرح نفسه، عندها يكون قد بلغ نقطة اللاعودة، تحت طائل أن نكون نحن من يضرب مرجعياتنا بأيدينا، وهذا من المحظور. بعد هذا المنطلق المبدئي، أضاف عون إلى حسابات الجميع اعتباراً عملياً آخر.
 
ففي لقاء بكركي يوم استقالة نجيب ميقاتي، في 22 آذار الماضي، كان البطريرك الراعي عائداً لتوه من روما، حاملاً إلى المجتمعين نتائج لقاءات العاصمة الإيطالية بينه وبين رئيسي مجلس النواب والحكومة. ولم يعد سراً الآن، ولم يكن سراً أصلاً لدى المعنيين مذذاك، القول إن سيد الصرح كان قد عرف مسبقاً بأن ميقاتي سيستقيل.

حتى إن رئيس الحكومة يومها حاول تحميله نوعاً من الرسالة إلى المجتمعين لديه في اليوم نفسه: إما أن تماشوني في ما أريد، وإما أن أفجر استقالتي في وجوهكم. ولم يعد سراً القول إن مواقف متباينة ظهرت في الاجتماع يومها، قبل أن يحسم توجهه كلام ميشال عون، إذ لم ينطلق رئيس تكتل التغيير والإصلاح إلا من الاعتبارات المبدئية: لا يمكننا القبول بمخالفة القوانين، ولا يمكن أي إنسان أن يبتزنا بمثل ذلك، أما الباقي فكله للبحث. ولما طوت مداخلة عون يومها الموضوع الحكومي، عاد البحث إلى صيغة قانون الانتخاب، وعادت لازمة البعض إلى تكرار معزوفة تعثر الاقتراح الأرثوذكسي وتحميل أطراف بكركي مسؤولية الجمود والمراوحة، وضرورة كسر الفراغ ببادرة حسن نية ما وإعلان إيجابية ما تصلح للانطلاق منها.

ولم يعد سراً القول إنه باستثناء سامي الجميل الثابت على موقفه، بدا الفريق الآخر في معظمه مترنحاً. كمن يتوسل مخرجاً لتنصله من الاقتراح الذي سمّاه سمير جعجع في اجتماع بكركي الأول «إنه الاقتراح، لا اقتراح سواه»، كما تظهر محاضر الأساقفة كلها... ورغم ذلك عاد ميشال عون في 22 آذار ونبه الحاضرين إلى مسألة تقنية عملية، مفادها أن أبسط أصول التفاوض تقضي بأنك حين تقدم عرضاً، تقف عنده وتلزم حدوده ولا تتزحزح عنه، حتى يقدم الطرف الآخر عرضه التفاوضي المقابل. بعدها يبدأ النقاش على قاعدة عرضين متقابلين، وإلا استُدرجت إلى منزلق تنازلي تدريجي لا يبقي منك ولا من موقفك الأساسي شيئاً. وبالتالي، ها هي طاولة بكركي قد قدمت طرحها، فليقدم الفريق الآخر طرحاً موحداً لنناقشه.
 
وحتذاك لا كلمة واحدة لدينا نضيفها. فوافق الجميع على هذا الكلام، وكان جورج عدوان حاضراً، لا بل ممثلاً قطبياً، بحسب الذاكرة والصورة والمحاضر والوقائع. والأمر نفسه تكرر في اجتماع بكركي الأخير في 3 نيسان الجاري، حيث أضاف المجتمعون «تعليق» طرح الأرثوذكسي، ريثما يقدم الطرف الآخر اقتراحه. يبقى عامل آخر في قعر ذاكرة عون، لثباته على موقفه. عامل قد يكون جورج عدوان نفسه أكثر من عرفه وعاشه وعاناه مع عون ربما. ففي كل مرة تكوَّن لدى الآخر انطباع أن عون تراجع عن موقفه، سارع إلى الانقضاض عليه.

عشية 13 تشرين الأول 1990، انتظروا حتى وقّع تلك الورقة الإنقاذية لرينيه ألا، ليضعها الياس الهراوي في جيبه، ولا تصل إلى حكومة سليم الحص، ولا يكتشف المسؤولون يومها أن الحل كان ممكناً بلا عنف من هذه الجهة ولا تنازل عن المبدأ من جهة عون.
 
وسنة 2007، انتظروا حتى هاتفه ساركوزي و«كدّ» عليه تلك «الكدة الرئاسية» مقابل كل الوعود، لينتهوا بعدها بميشال سليمان خصماً له في الحكومة وفي نيابة جبيل وحتى بلديتها والمخترة وكل المحطات و«المحطات»... هكذا، بدافع المبدئية والعملية والذاكرة الحية، يفكر عون أن لا اقتراح إلا الأرثوذكسي، وليسقطوه في الهيئة العامة، وبعدها نرى.
2013-04-25