ارشيف من :أخبار لبنانية

السياسة الخارجية أو الشرط المكوّن لدولة فعليّة ونهائيّة

 السياسة الخارجية أو الشرط المكوّن لدولة فعليّة ونهائيّة

شربل نحاس -"الأخبار"


لعلّ أبرز التحديات على طريق تأسيس جديد للدولة اللبنانية هو التوصّل إلى خطوط عريضة تحكم سياستها الخارجيّة. ولا ينفك السياسيون والمحللون عندنا يرددون عبارات من نوع: «لا حلول محلياً ما دامت الساحة الإقليمية متوترة ومنقسمة»، أو «لا بد من النأي بالنفس عن المشاكل الإقليمية وتحييد لبنان عن المحاور» وغيرهما، وهي كلها تنطوي على إقرار بأنه لا قدرة ولا حتى طموح للدولة اللبنانية على رسم سياسة خارجية.
 
ولطالما شكّل العجز أو الامتناع عن تبنّي هكذا سياسة عقدة واضحة حيناً، ومخفية حيناً آخر تحول دون انضواء مختلف أطراف التركيبة الاجتماعيّة والسياسية اللبنانية تحت سقف الدولة فعلياً. واعتبار أن للطوائف مواقف ومصالح وقدرات تأثير خارجية يغطي واقع أن ارتباطاتها وارتهاناتها الخارجية تتصل أصلاً بتعزيز مواقعها الداخلية الهشة.

 وينتهي الأمر إلى علاقة دائرية حيث تستقوي الأطراف الطائفية الداخلية برهاناتها والتزاماتها الخارجية، فتحول دون صياغة سياسة خارجية (وحتى داخلية) للدولة، فتضعف هيبة الدولة وتتعطل آليات أدائها لوظائفها، فيزداد بين الناس الشعور بالحاجة إلى الانضواء ضمن الكتل الطائفية والسير خلف زعمائها، فيكبر نفوذ هؤلاء الزعماء بقدر ما يلبون حاجات الناس للاحتماء بهم، فتزداد بالتالي حاجتهم إلى الدعم الخارجي (وهو مالي أولاً مع إمكانية تحوله إلى عسكري)، فينساقون إلى رهانات والتزامات خارجية ويستقوون بها. وهكذا دواليك.

 بالمعنى الوظيفي، ليس هناك سياسة خارجية للدولة بمعزل عن خياراتها الداخلية، بل إن السياسة الخارجية هي ترجمة للخيارات الداخلية واستكمال لها في مجال علاقات الدولة الخارجية.

 سياسة خارجية واحدة؟

 الطوائف بالمعنى الخلدوني (واللغوي) للكلمة لا تمت إلى الأديان والمذاهب بأية علاقة عضوية أو ملزمة، بل هي تشكلات مجتمعية سياسية تجمعها العصبية وتغذيها علاقات النسب والتزاوج. وإن كانت قد اتصلت في القاموس اللبناني بالمذاهب (القائمة أصلاً على علاقات النسب والتزاوج) فهي تشمل أيضاً العشائر والقبائل، سواء منها العشائر القائمة في عدة مناطق لبنانية أو تلك المنتشرة في مناطق عديدة من البلاد العربية.

 وهذه الطوائف، على اختلاف حجج عصبيتها ودواعيها، قديماً وحديثاً، كيانات مجتمعية سياسية استبقت حضورها عبر العصور، لا بل عززته، لأنها تمركزت على هامش الدولة وفي مرتبة دونها. وتسهل، بالنظر إلى مناطق ظهور الطوائف، ملاحظة أن هذه المناطق جبلية أو صحراوية، لم تكن تنتج فائض ثروة حيوياً لتمويل الدولة ولم تكن تهدد منعتها العسكرية ولا خطوط تجارتها، فكانت كلفة ضبطها المباشر أكبر من منافع هذا الضبط أو دوافعه. وهي بالتالي لا تقوم إلا في هذا الوضع الطرفي وعلى أساس علاقة «النأي بنفسها» عن مشروع الدولة ومشروعيتها، ولذا لا تتمتع بالقدرة على صياغة سياسة خارجية خاصّة بها، وإلا تحولت إلى دولة بحدّ ذاتها وزالت عنها صفة الطائفة.
 ذلك أن التوصل إلى وضع سياسة خارجية عن
صر من عناصر تأسيس الدولة. وفي هذا السياق، يُمكن القول إنّ سياسة «النأي بالنفس» هي ضرب للدولة من الأساس ونفي لمبرّر وجودها. فالدولة تقوم على تحصين موقع الجماعة التي تدعي المسؤولية عنها تجاه التأثيرات الخارجية. وإذا لم يكن للدولة رأي وموقف من التأثيرات الخارجية وقدرة على التعامل معها، يبحث الناس عن أشكال بديلة للانتظام كي تحفظ مصالحها وتتبدد هواجسها. فالتفاهم على سياسة خارجية مدمجة وموحدة هو عنصر مكوّن، في حال كانت النوايا تصبو فعلاً إلى إقامة دولة ذات كيان نهائي، وليست مؤقتة.

 الانخراط في الإقليم أو الحياد؟

 ليس غريباً حصول تفاوت بين الآراء والمواقف والتحليلات المتعلقة بالسياسة الخارجية للدولة ومسارها، غير أنّ تلك السياسة يجب أن تكون واضحة وفقاً للخيار الذي يتمّ اتخاذه؛ والخيارات لها موجبات.

 في مسألة السياسة تجاه إسرائيل مثلاً، يُمكن القول إنّ هذه «الدولة» هي كيان عنصري قائم على مشروعية دينية تنقض المنطلقات الأساسية الداخلية في لبنان، ويُشكّل خطراً عليه وعلى مصالحه (المياه، التوطين...)، فضلاً عن الظلم الذي يُمارسه بحقّ الشعب الفلسطيني. غير أنّ هذا القول يستوجب تكملة، أي تأمين موجباته تحديداً. وذلك يعني تخصيص قسم لا يُستهان به من الموارد لسياسات التسلّح والاستخبار والاستطلاع.

 في المقابل، يُمكن أيضاً القول إنّه لا تأثير لإسرائيل على لبنان ولا خطر من قبلها، وبالتالي لسنا مضطرين للتعاطي معها على أنها عدوّ رابض علينا التحوّط منه؛ هنا الحديث مختلف كلياً لناحية منطلقاته، وإنما أيضاً لناحية نتائجه العملية.

 في الحالتين، للسياسة المعتمدة والمواقف المتّخذة تبعاتٌ يجب احترامها لكي تترسّخ العلاقة بين الموقف والسلوك، وهي مسألة بالغة الأهمية لكي يصدّق الناس بأنّ هناك دولة قائمة.

 هل من قدرة على الاستقلال عن الإقليم؟

 يُمكن أي بلد، في الحد الأقصى، إغلاق بعض حدوده والتصرّف كما لو أنه في مكان معزول عن كل محيطه أو بعضه، نظرياً، ولكن لهذا الخيار تبعات أيضاً. إذ على الدولة أن تُحدّد مسبقاً المغريات والتهديدات وتحتويها. ويمكنه في سياق منطق الدولة أن يحدد شروط علاقاته وأن يسعى إلى تحسينها من خلال إقامة توازن نسبي بين المنفعتين المتبادلتين بينه وبين كل من الأطراف الخارجية، سلباً وإيجاباً، تحفيزاً وردعاً.

 في لبنان مثلاً، يقوم النموذج الاقتصادي على تصدير البشر والاعتماد على الحركة التي يولّدونها بين بلد استقرارهم وعملهم ومسقط رأسهم، من التحويلات وصولاً إلى الزيارات الدورية. هكذا نموذج على سوئه يفرض علاقة مدمجة مع الإقليم أو مع أي بقعة انتشار قائمة، كي لا يحدث مثلاً أن يُفاجأ لبنان بقرار أحد البلدان طرد جاليته في لحظة سياسية معينة.

 إنّ خيار قيام الدولة برسم الحد الفاصل بين مصالح شعبها والمحيط يُحتّم قدرة على استيعاب تداعيات تأثيرات الإقليم عليه، ليس السياسية فقط بل الاقتصادية في قطاعات تبدأ بالإعلام المموّل من الخارج، وصولاً إلى الجمعيات الخيرية _ أو من يتلبّس بهذا الرداء _ والمؤسسات الدينية.

 الاستقلالية ليست الحل الهيّن. لا يُمكن ادعاؤها فيما يكون البلد مخترقاً على أكثر من صعيد.

2013-04-26