ارشيف من :أخبار لبنانية
«أيار» شهر الاختبارات المقلقة
ابراهيم ناصرالدين - صحيفة "الديار"
في السادس من تشرين الاول الماضي، ارسل حزب الله طائرة دون طيار حلقت فوق المتوسط ثم دخلت المجال الجوي الاسرائيلي قرب قطاع غزة قبل ان تسقطها طائرة قتالية اسرائيلية في صحراء النقب حيث توجد المنشآت النووية الاسرائيلية، خرج يومها الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله معلنا ولادة «طائرة ايوب»، وفي السياق كشف عن ولادة قدرة نوعية لم تكن متوفرة لدى المقاومة من قبل، يومها تعددت القراءات والتحليلات حول «الرسالة»التي تقف وراء قيام الحزب بارسال الطائرة وبتبنيها علنا، ومن يتذكر رد الفعل الاسرائيلي، يراه مشابها لما خرجت به القيادة الاسرائيلية من تهديد ووعيد وتحذر لحزب الله من خطورة «استفزاز» اسرائيل.
هذا الاستنتاج الاسرائيلي الخاطىء، يفسر برأي اوساط خبيرة في الشؤون العسكرية، التخبط والتساؤلات الخاطئة التي تتمحور حول هوية الطائرة الجديدة، واسباب نفي الحزب لمسؤوليته عنها، فالانطلاق من مبدأ ان تحليق الطائرة هو كناية عن «رسالة» او عملية استفزاز، هو الخطأ بعينه، فما قام به السيد نصرالله قبل اشهر كان بمثابة الاعلان الرسمي عن امتلاك حزب الله لهذه القدرات الجوية، وهو لم يعد معنيا بأي حال من الاحوال بتبني كل طائرة تقوم بالتحليق في اجواء فلسطين المحتلة، فهذا الامر يتناقض مع استراتيجية حزب الله القائمة على ادارة الصراع مع اسرائيل «بصمت» ودون ضجيج اعلامي، والمقاومة غير معنية باطلاع اسرائيل على برنامج ومواعيد رحلات طائراتها العسكرية، وعدم التبني قد يكون جزءا اساسيا من عملية ارباك مقصودة تزيد من حيرة القيادة العسكرية الاسرائيلية التي لم تنجح، رغم التعاون الوثيق مع الاقمار الاصطناعية الاميركية التي تراقب المنطقة عن كثب، في رصد «المدرج» الذي انطلقت منه تلك الطائرة.
وتشير تلك الاوساط الى ان تبني الحزب للطائرة من عدمه، لا يقدم او يؤخر في المعطيات العسكرية التي تعرفها اسرائيل جيدا، وما يثار من تساؤلات عن توقيت هذا «الاستفزاز» ليس في مكانه، لان من اطلق الطائرة لم يكن يهدف الى عملية استعراضية او دعائية، فهذه الطائرة باتت لديها مهمات محددة على المستوى العسكري وتحليقها فوق الاراضي الفلسطينية المحتلة بات جزءا من الصراع الدائر في المنطقة، ومن قرر ارسالها في هذا التوقيت يهدف الى تعزيز معلوماته وتوثيقها بصور جوية لبعض المواقع العسكرية والامنية الاسرائيلية التي شهدت في الاونة الاخيرة تحركات مريبة، كما ان خط سير الطائرة كان اختبارا جديا لرد فعل منظومة الدفاع الجوي الاسرائيلي بهدف اكتشاف الثغرات المرتبطة بنقاط ضعفها ونقاط قوتها، بعد دراسة معمقة لتوقيت استجابتها للتحدي الجوي القادم من الشمال.
ولذلك، تضيف الاوساط، فان ارسال هذه الطائرة لن يكون فعلا يتيما اذا ما تبين من تحليل المعطيات والصور الحاجة الى عملية رصد جديدة، في ظل ارتفاع منسوب القلق من خطوات «متهورة» قد تقدم عليها اسرائيل لتغيير الوقائع في المنطقة، وما رفع منسوب الحذر ان واشنطن المتمسكة علنا بمواقفها «المترددة» تجاه الملفين السوري والايراني تعمل على خط مواز لتهيئة الارضية لكافة الاحتمالات، فزيارة باراك أوباما الأخيرة للمنطقة ارتبطت بنسبة تزيد عن 95% بالملف الإيراني اولا، والسوري ثانيا، وليس الفلسطيني، وقامت الولايات المتحدة بتعزيز قدرات إسرائيل العسكرية بزيادة قدرها عشرة مليارات دولار، وتم تزويد تل أبيب بأجهزة متطورة على الطائرات المقاتلة الإسرائيلية، وزادت من قدراتها الهجومية وإمكاناتها الدفاعية،وبين تلك المعدات طائرات صغيرة بدون طيار من طراز متطور جدا، وأجهزة رادار هي الأحدث في السوق الأمريكية، وكذلك تقنيات التزود بالوقود في الجو.
وتلفت تلك الاوساط الى ان منسوب القلق سيكون مرتفعاً جدا في شهر ايار المقبل الذي ترى فيه قيادة حزب الله اخطر الاشهر على الاطلاق، لأنه يسبق القمة الروسية الاميركية التي تضع معالم الاتفاق او الفراق في الملف السوري، وهذا الامر سيدفع كلا الفريقين الى استثمار الوقت كل لصالحه،فعلى مستوى العمليات العسكرية في سوريا، سيكون هذا الشهر حاسما لجهة الانتهاء من العمليات الكبرى لتأمين المدن الرئيسية، في المقابل سيسعى الفريق الاخر لاستغلال هذا الوقت المتاح لفرض اجندات مغايرة،واحدى هذه المؤشرات ارتسمت معالمها من خلال تحول المواجهة بين اسرائيل والولايات المتحدة في الشأن السوري والايراني من تباحث سري الى شجار علني.
فالجانب الاسرائيلي يعمل جاهدا لاحراج الولايات المتحدة في الملف السوري، وملامح هذا التحدي ظهرت جليا خلال الايام الماضية عندما تقصدت اسرائيل احراج واشنطن عبر اعلان احد كبار قادتها العسكريين، رئيس قسم البحث في «أمان» العميد إيتي بارون ان النظام السوري استخدم سلاحا كيميائيا قاتلا، وهذا الامر يعتبر تحديا اسرائيليا علنيا للرئيس الامريكي باراك اوباما، ومضمون الرسالة واضح ومفاده «لقد أعلنت ان الولايات المتحدة ستغير قواعد «اللعبة» اذا اجتاز الاسد الخط الاحمر الذي رسمته أنت بنفسك، وها نحن نأتيك ببرهان على ان الخط قد اجتيز، وسنرى الآن كيف تعمل».
ومحاولة اسرائيل وضع البيت الابيض امام التحدي السوري، يرتبط ايضا بتحد مواز تعمل عليه اسرائيل لاحراج اوباما لاجباره على الوفاء بالتزامه في ما يتعلق ببرنامج ايران النووي، فتصريح رئيس قسم البحث في أمان لا يتعلق فقط باختلاف الآراء بين اسرائيل والولايات المتحدة في قضية السلاح الكيميائي السوري، بل عن القرار الاسرائيلي الذي يحاول تعجيل موعد القرار الامريكي في الشأن الايراني.والديل على ذلك ان اسرائيل كانت تستطيع ان تكتفي، بنقل المعلومة عن استعمال السلاح الكيميائي في سوريا الى الولايات المتحدة في المحادثات السرية التي أجراها وزير الدفاع تشاك هيغل مع القيادات الامنية والعسكرية الاسرائيلية، لكنها اختارت ان ترسل ضابط استخبارات كبيرا يعلن ذلك بصوت عالي.
ولم تكتف اسرائيل بتلك الاشارات الاعلامية، وبحسب المعلومات المتوافرة، وصل الضغط الى ذروته اثر ابلاغ وزير الدفاع الاسرائيلي موشي يعلون نظيره الاميركي صراحة ان اسرائيل تتابع بدقة ردود الفعل الامريكية في سوريا بعد ان تبين انه تم اجتياز الخط الاحمر الكيميائي. فاذا امتنعت الولايات المتحدة عن العمل فسيصعب عليها ان تؤمن بأنها ستفي بالتزاماتها في منع ايران من الحصول على السلاح الذري لأن العمل في سوريا أسهل كثيرا وأقل خطرا من وقف تطوير القنبلة الذرية الايرانية.والاشارة هنا واضحة ومفادها «ان اسرائيل لن نستطيع الاعتماد عليكم في موضوع حرج جدا بالنسبة لوجودها. فاذا تبين لنا أنكم غير مستعدين للعمل حتى في مواجهة سوريا فلن يكون مفر من عملية عسكرية لنا في ايران».
وما يعزز ارتفاع منسوب القلق وجود «لوبي» عربي تركي الى جانب الموقف الاسرائيلي يمارس حملة ضاغطة على واشنطن لاقناعها باهمية الحسم العسكري في سوريا،وقد تظهر هذا الموقف من خلال الخلاف التي بدأت تتواتر اخباره حول الخلاف الجدي بين موقفي الاردن والسعودية من جهة وموقف قطر وتركيا من جهة اخرى، والعرب الذين زاروا واشنطن مؤخرا منقسمون لمعسكرين الأول تقوده قطر، وتدعمها انقرة، ويطالب بالخيار العسكري والثاني تقوده السعودية ويصر على تسوية سياسية شاملة تنتهي بتنحي الرئيس السوري،وفي هذا السياق ابلغ الملك عبدلله الثاني الرئيس الاميركي مساء الجمعة بأن عمان لا زالت ضد الخيار العسكري في التعامل مع الملف السوري وأنها لا تريد ان تكون طرفا في أي مواجهة عسكرية، وهذا الامر اغضب أمير قطر الذي تجنب لقاء الملك عبدالله على الرغم من وجودهما في نفس الفندق في واشنطن، ورغم تصادف وجودهما في الكونغرس في نفس الوقت.
وامام هذا المناخ الضاغط امنيا وسياسيا، لا يبدو تحليق الطائرة مستغربا في توقيته، وهو جزء من معركة ديبلوماسية وعسكرية مفتوحة على كل الاحتمالات، واذا كان الحصول على معلومات حول مهمتها «الاستطلاعية» مستحيل، فأن مهمتها لا تبدو منفصلة عن اهداف زيارة نائب وزير الخارجية الروسي الى بيروت، حاملا رسالة الى من يعنيهم الامر مفادها، «الروس قادمون».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018