ارشيف من :أخبار لبنانية
النواب «ينقّون» أيضاً: معاشنا مــش مكفّينا
غسان سعود - صحيفة الاخبار
تؤكد المقارنة بين أجور النواب في مختلف دول العالم والحد الأدنى للأجور في كل دولة، تقاضي النائب اللبناني واحداً من أعلى الأجور في العالم. لا يبرر أصحاب السعادة ذلك بجهودهم التشريعية وإنجازاتهم أو بمتطلبات فرقهم البحثية وتكلفة دراساتهم السياسية. لا أبداً، يحمّلون المواطنين المسؤولية: طلباتهم الكثيرة وأفراحهم وأتراحهم
من منتصف كل شهر يبدأ في مكاتب النواب في المجلس النيابي الـ«نق». لا علاقة للأمر بالتوترات الأمنية أو صعوبات تشكيل الحكومة والاتفاق على قانون الانتخاب. لا أبداً، السبب هو الأجر الشهري الذي لا يكفي أصحاب السعادة. حين قرر عضو كتلة المستقبل النائب خالد زهرمان استبدال السيارة التي أهداه تيار المستقبل إياها بعد انتخابه نائباً بسيارة زوجته، توفيراً للبنزين، سخر منه زملاؤه وتعاقبوا على وصفه بـ«النوتي».
لكن لم يلبث أن لحق واحدهم تلو الآخر، باستثناء النائب هادي حبيش الذي «الله مكملها معو»، بالنائب العكاريّ المقيم في إقليم الخروب الشوفيّ: يركنون سيارات الدفع الرباعي ذات الـ«سلندرات» الثمانية في منازلهم، ويتنقلون بسياراتهم القديمة أو سيارات زوجاتهم. يكاد بعضهم أن يكسر يده و«يشحد عليها» حين يتعلق الأمر بالبنزين الذي يخطف الحيز الأكبر من نقاشات النواب منذ أشهر. ونصيحة: لا تسألوا عضو كتلة المستقبل البيروتي محمد قباني عن البنزين. وقد انضم المستقبليون بذلك إلى زملائهم في تكتل التغيير والإصلاح: هنا يقود النائب يوسف خليل «فولفو» قديمة على غرار غالبية مزارعي التفاح في الجرد الكسرواني. أما زميله حكمت ديب فيواصل التنقل بتويوتا صغيرة ستنتهي ولايته النيابية الأولى قبل إنهائه أقساطها المصرفية، فيما يلوّح زميلهما النائب ناجي غاريوس للذبحة القلبية بكلتا يديه حين يتذكر أن فاتورته في محطة الوقود قرب منزله في الحازمية تلامس في بعض الأشهر ألف وخمسمئة دولار. ولا يخيّم «الفقر» فوق العونيين فقط: زهرمان، السابق ذكره، استغنى عن سكرتيرته في مكتبه النيابي قبل بضعة أشهر. خضر حبيب يلتزم بإجراءات حصر النفقات في ما يخص السكرتيرات منذ انتخابه نائباً. زميلهما هادي حبيش يكتفي بسكرتيرته في مكتب المحاماة الخاص به. أما رابعهما عكارياً، النائب معين المرعبي، فحذا حذو زميله خالد ضاهر واستغنى عن المكتب من أساسه. ولم يجد النائب نضال طعمة الذي لا «يتمصرف» يميناً ويساراً غير الدعاء إلى الله على صوت عال أن يعيد نائب رئيس الحكومة السابق عصام فارس إلى لبنان، بعدما أعلمهم تيار المستقبل أخيراً بوجوب تجهيز أوراق ترشحهم، دون أن يمدهم كعادته برسم الترشح. ويذكر منعاً للالتباس أن نوع السيارة التي يقصد النائب المجلس النيابي بها لا يكفي للحكم عليه. في مجلس 1992 دأب النائب السابق إيلي الفرزلي والحالي نقولا فتوش على الحضور بسيارتين «مهرغلتين»، فيما الاول «مرتاح جداً»، والثاني تكفيه شركاته وشقيقه من عين داره إلى جنوب السودان للتنقل بعشرات المواكب.
أعلى أجر نيابي في العالم
لا يصدق كثيرون ما سبق. يتقاضى النائب رسمياً 11 مليوناً ومئتي ألف ليرة. وتقول دراسة نشرتها مجلة الشهرية التي تصدر عن «الدولية للمعلومات» إن أجر نائب لبناني واحد يوازي أجور أكثر من 20 عاملاً يتقاضون الحد الأدنى للأجور، مقابل موازاة أجر النائب المصري أجر ستة عشر عاملاً مصرياً يتقاضون الحد الأدنى للأجور في بلدهم، وأجر النائب الأميركي عشرة أضعاف الحد الأدنى الأميركي للأجور (1375 دولاراً شهرياً). وينتهي بحث «الدولية» إلى أن أجر النائب اللبناني مقارنة بالحد الأدنى للأجور هو الأعلى في العالم. ورغم ذلك لا يبدو النواب ممنونين، لا بل يأمل المتطلعون إلى الحفاظ على كراسيهم رفع المجلس المقبل في أول جلساته أجورهم. وعند البحث في زيادة رواتب العاملين في القطاع العام، كانت الحكومة قد اقترحت زيادة مخصصات وتعويضات السلطات العامة التي تشمل رؤساء الجمهورية ومجلس النواب والحكومة والوزراء والنواب (الحاليين والسابقين). والجدير ذكره أن النائب اللبناني السابق يتقاضى تعويضاً أبدياً يبلغ 55% من راتب النائب الحالي إن كان شغل موقعه النيابي مرة واحدة، و65% إن كان نائباً لدورتين، و75% إن فاز بنيابته ثلاث مرات وأكثر، وتستفيد عائلته في حال وفاته من نسبة 75% من المخصصات والتعويضات التي كان يتقاضاها.
نواب «مريشين» وآخرون «طفرانين»
لا يكفي أجر النائب نعمة طعمة لملء خزانات طائرته بالوقود للقيام بجولة واحدة من جولاته الشهرية حول العالم، صحيح. وصحيح أيضاً أن أجر أحد مستشاري الوزير محمد الصفدي الشهري يكاد يوازي ضعفي أجر النائب الطرابلسي. ولا يشك تاجر ثياب واحد في أن الملايين الأحد عشر لا يشترون للنائب ميشال فرعون بذلة رسمية واحدة، ولا يشبعون كلبين أقله من كلاب النائب وليد جنبلاط. والأصح أن أحداً لا يفهم حاجة الرئيس نجيب ميقاتي أو النائبة ستريدا طوق جعجع إلى أجر شهريّ. لكن ليس كل النواب مثل جيلبرت زوين يمكنهم بيع أرض بنحو خمسة ملايين دولار سنوياً، أو سامي الجميّل الذي يسقي ساعة يشاء من ثروة والده عطشه، أو الرئيس نبيه بري وسليمان فرنجية وفريد مكاري وبهية الحريري وروبير فاضل وعباس هاشم وعصام صوايا وميشال المر الذي اضطرته الظروف يوماً إلى بيع بيته قبل أن يبرم الدولاب ويبدأ بشراء البيوتات. هناك نواب لا يملكون ثروات، ولا القدرة على إغلاق أبوابهم أمام «الواجبات» الاجتماعية والخدماتية وغيرها:
يقول عضو كتلة الطاشناق النائب آرثيور نظريان أنه يحاول التحكم في المساعدات التي تطرق أبوابه، لكن «لولا مصنع البياضات الذي أديره لأفلست من زمان». يوافق العدد الأكبر من زملائه على ذلك: «لولا أعمالنا الجانبية الخاصة لما أمكننا الاستمرار اجتماعياً وخدماتياً». يدعو النائب سيمون أبي رميا سائله عن أجره إلى أن يحتسب معه: في قضاء جبيل هناك 87 قرية وفي كل قرية هناك ناد ولجنة وقف وجمعية أقله وهيئة للتيار الوطني الحر. وفي حال إحياء كل مجموعة منهم احتفالاًً سنوياً واحداً يكون المجموع 348 احتفالاً في العام أو نحو 30 احتفالاً شهرياً، لا يجوز تغيب النائب عن أحدها أو تبرعه في حال مشاركته بأقل من مئتي دولار. يمكن المصروف الشهريّ هنا فقط أن يصل إلى ستة آلاف دولار. لكن لا تنتهي القصة هنا: تحل بطاقات الأعراس في الصيف، يقول أحد الموظفين في مكتب النائب نبيل نقولا، محل الأكاليل وبدل الأكاليل في الشتاء. ويشير المصدر من شباك المكتب إلى صيدلية قريبة، مؤكداً أن فاتورة المكتب هناك فقط تتراوح شهرياً بين ألف وألف وخمسمئة دولار: بعض الأدوية يمكن النائب توفيرها من وزارة الصحة، لكن هناك أدوية غير موجودة في الوزارة يطرق أبواب المكتب يومياً عشرات المواطنين يحملون روشتات تطلبها. «لولا وظيفتي في الجامعة اللبنانية الأميركية ومستشفى حمود ووظيفة زوجتي، لانكسرت»، يقول عضو كتلة المستقبل النائب باسم الشاب. ويعدّد عفوياً واجبات الشهر الحالي: عشاء جمعية، ترميم كنيسة، وحفل تمويلي لإحدى الجامعات لا يجوز للنائب أن يشتري أقل من عشر بطاقات إليه. يحسمها النائب فادي الأعور: «يكفيني الأجر النيابيّ حتى الخامس عشر من كل شهر». أين تذهب سبعة آلاف دولار وهو ليس من النواب «الفشيخة»؟ «تعال إلى مكتبي» يقول: «ستجد عند مطلع العام الدراسي مواطنين يطالبونك بشراء الكتب المدرسية لأبنائهم. ويومياً رابطة نسائية جديدة أو جمعية شبابية قررت إطلاق حملتها من مكتبك شخصياً». الأجر النيابي لا يكاد يكفي النائب الأملي هاني قبيسي حتى الخامس عشر من كل شهر أيضاً، يقول الأخير. ثمة نواب لا يحتاجون إلى رواتبهم لأن لديهم من المال ما يكفيهم، يشير قبيسي، أو لأنهم لا يفتحون منازلهم ولا ينشطون اجتماعياً وخدماتياً. لكن، يتابع أبو حسن، ثمة نواب متفرغون للعمل السياسي لا يمكن الرواتب الحالية أن تكفيهم. النائب نديم الجميل ممن «يعتاشون» سياسياً من راتبهم النيابي، فتدور كل حركته الشخصية والسياسية والخدماتية والإعلامية والتشريعية في فلك الملايين الأحد عشر، بينما يشير النائب ناجي غاريوس إلى أن النائب الطبيب على غراره يعمل مجاناً تقريباً، ويفرد أصابعه: «عدّ معي: مدير مكتبي مليون ونصف المليون. مليونان و300 ألف ليرة مواصلات. مليون ونصف المليون تلفونات. مكتب نواب بعبدا مليون. وواجبات اجتماعية (أعراس وأحزان وعشوات) أربعة ملايين». وغالباً ما يتصبّب زميله في التغيير والإصلاح زياد أسود عرقاً حين يتعلق الأمر بتكاليف النيابة بعدما بات محسوماً عنده أن «مشوار جزين» في نهاية كل أسبوع يكلف بين ألفين وثلاثة آلاف دولار، بين مساعدات صحية ودوائية ومدرسية وإنسانية ودعم جمعيات ولجان وقف ونواد وهيئات حزبية وتبرع لمآتم وأعراس. وأخيراً، يؤكد النائب آلان عون أن أجر النائب «من دون أن يتفخفخ» لا يكفيه، نظراً لضغط الخدمات المتفرقة الصغيرة عليه وتكلفة فريق عمله مهما اتّكل على المتطوعين فيه. وبحسب تجربته، يحسم عون أن العمل السياسي صعب جداً من دون إمكانيات مالية.
«ادفعوا نمثّلكم»
مقابل من سبق تعدادهم ثمة قائمة طويلة من النواب تبدأ بالرئيس سعد الحريري وسيرج طورسركيسيان ونايلة تويني ولا تنتهي عند هنري الحلو وطلال أرسلان وفؤاد السعد ودوري شمعون وسليم كرم وبدر ونوس وشانت جنجنيان ممن يتقاضون أجوراً لا يشرب منها ناخبوهم قهوة ولا يتطبّبون أو يشترون بفضلها كتب أبنائهم المدرسية. ويجد هؤلاء كما يبدو أن دفع المواطنين لهم أجر 20 عاملاً لبنانياً وبقشيشاً صغيراً لتمثيلهم في المجلس أقل الواجب، مع تأكيد أحد النواب أن مصاريف بعض زملائه الخدماتية الكثيرة لا تبرر ارتفاع أجورهم: لا علاقة للمواطنين الذين يدفعون للنواب أجورهم عبر الضرائب بسعي بعضهم لشراء ولاءات الناخبين عبر الخدمات الصغيرة وفناجين القهوة. النائب، يتابع النائب الذي بات يتجنّب ذكر اسمه لتحاشي نقمة زملائه عليه، يتقاضى أجراً لقيامه بواجب تشريعي وليس لتغطية فوارق وزارة الصحة وتضييف القهوة و«تنقيط» العرسان.
نموذج حزب الله
يشمل تكتّم حزب الله علاقة نوابه وأجورهم أيضاً، في ظل رفض بعض نوابه على غرار النائب بلال فرحات التطرق إلى هكذا «قضية تمس كرامات المواطنين واحتياجاتهم». لكنّ زملاء أعضاء كتلة الوفاء للمقاومة يتحدثون عن تحويل نواب الحزب أجورهم الرسمية مباشرة إلى أحد صناديق الحزب، وتقاضيهم في المقابل أجوراً حزبية تسد احتياجاتهم الشخصية. فالحزب، بحسب بعض زملاء نواب الحزب، يتكفل بنفسه وعبر مؤسساته الخاصة بتلبية الخدمات الاستشفائية والتربوية والإنسانية التي ترد إلى مكاتب النواب في الأقضية، ولا علاقة مباشرة أو جدية للنواب بتلك القضايا، كما يتكفل الحزب مركزياً في كل قضاء، بحسب المصادر نفسها، بتغطية النفقات الاجتماعية التي يتكبدها سائر النواب في الأفراح والأتراح والتبرعات للجمعيات. وفي حال كان أحد النواب ميسوراً ويودّ المساهمة شخصياً ببعض المساعدات، فلا قرار مركزياً يمنع ذلك. وكان تيار المستقبل قد بدأ منذ أوائل عام 2007 باستنساخ تجربة حزب الله النيابية، لكن إقفال الأزمة المالية لمكاتب المستقبل الرئيسية في المناطق أنهى تلك التجربة. أما تكتل التغيير والإصلاح ففشل في تعميم ما يشبه مركزية حزب الله الخدماتية والاجتماعية مرتين؛ الأولى عام 2005 والثانية عام 2009، حين عجزت مكاتب النواب المشتركة في الأقضية عن إثبات نفسها، واكتفت أمانة السر المركزية بلعب دور إنمائي مرة وتشريعي مرات. والأكيد أن لنموذج حزب الله إيجابيات كثيرة على صعيد تحرير النواب من ضغط الخدمات اليومية والاستقبالات الشعبية والحساسيات الناتجة من معرفة أحد الناخبين مثلاً أن ممثله خصّ جاره بمساعدة استشفائية أكبر من مساعدته، ويتيح هذا النموذج للنواب التركيز على مهمتهم الرئيسية المتمثلة في التشريع، مطمئنين إلى أن راتباً محترماً يذهب شهرياً إلى حساباتهم المصرفية. أما سلبيته الرئيسية في نظر بعض النواب فهي تعزيز موقع الحزب ونفوذه على حساب النواب وعلاقاتهم الشخصية بناخبيهم.
تؤكد المقارنة بين أجور النواب في مختلف دول العالم والحد الأدنى للأجور في كل دولة، تقاضي النائب اللبناني واحداً من أعلى الأجور في العالم. لا يبرر أصحاب السعادة ذلك بجهودهم التشريعية وإنجازاتهم أو بمتطلبات فرقهم البحثية وتكلفة دراساتهم السياسية. لا أبداً، يحمّلون المواطنين المسؤولية: طلباتهم الكثيرة وأفراحهم وأتراحهم
من منتصف كل شهر يبدأ في مكاتب النواب في المجلس النيابي الـ«نق». لا علاقة للأمر بالتوترات الأمنية أو صعوبات تشكيل الحكومة والاتفاق على قانون الانتخاب. لا أبداً، السبب هو الأجر الشهري الذي لا يكفي أصحاب السعادة. حين قرر عضو كتلة المستقبل النائب خالد زهرمان استبدال السيارة التي أهداه تيار المستقبل إياها بعد انتخابه نائباً بسيارة زوجته، توفيراً للبنزين، سخر منه زملاؤه وتعاقبوا على وصفه بـ«النوتي».
لكن لم يلبث أن لحق واحدهم تلو الآخر، باستثناء النائب هادي حبيش الذي «الله مكملها معو»، بالنائب العكاريّ المقيم في إقليم الخروب الشوفيّ: يركنون سيارات الدفع الرباعي ذات الـ«سلندرات» الثمانية في منازلهم، ويتنقلون بسياراتهم القديمة أو سيارات زوجاتهم. يكاد بعضهم أن يكسر يده و«يشحد عليها» حين يتعلق الأمر بالبنزين الذي يخطف الحيز الأكبر من نقاشات النواب منذ أشهر. ونصيحة: لا تسألوا عضو كتلة المستقبل البيروتي محمد قباني عن البنزين. وقد انضم المستقبليون بذلك إلى زملائهم في تكتل التغيير والإصلاح: هنا يقود النائب يوسف خليل «فولفو» قديمة على غرار غالبية مزارعي التفاح في الجرد الكسرواني. أما زميله حكمت ديب فيواصل التنقل بتويوتا صغيرة ستنتهي ولايته النيابية الأولى قبل إنهائه أقساطها المصرفية، فيما يلوّح زميلهما النائب ناجي غاريوس للذبحة القلبية بكلتا يديه حين يتذكر أن فاتورته في محطة الوقود قرب منزله في الحازمية تلامس في بعض الأشهر ألف وخمسمئة دولار. ولا يخيّم «الفقر» فوق العونيين فقط: زهرمان، السابق ذكره، استغنى عن سكرتيرته في مكتبه النيابي قبل بضعة أشهر. خضر حبيب يلتزم بإجراءات حصر النفقات في ما يخص السكرتيرات منذ انتخابه نائباً. زميلهما هادي حبيش يكتفي بسكرتيرته في مكتب المحاماة الخاص به. أما رابعهما عكارياً، النائب معين المرعبي، فحذا حذو زميله خالد ضاهر واستغنى عن المكتب من أساسه. ولم يجد النائب نضال طعمة الذي لا «يتمصرف» يميناً ويساراً غير الدعاء إلى الله على صوت عال أن يعيد نائب رئيس الحكومة السابق عصام فارس إلى لبنان، بعدما أعلمهم تيار المستقبل أخيراً بوجوب تجهيز أوراق ترشحهم، دون أن يمدهم كعادته برسم الترشح. ويذكر منعاً للالتباس أن نوع السيارة التي يقصد النائب المجلس النيابي بها لا يكفي للحكم عليه. في مجلس 1992 دأب النائب السابق إيلي الفرزلي والحالي نقولا فتوش على الحضور بسيارتين «مهرغلتين»، فيما الاول «مرتاح جداً»، والثاني تكفيه شركاته وشقيقه من عين داره إلى جنوب السودان للتنقل بعشرات المواكب.
أعلى أجر نيابي في العالم
لا يصدق كثيرون ما سبق. يتقاضى النائب رسمياً 11 مليوناً ومئتي ألف ليرة. وتقول دراسة نشرتها مجلة الشهرية التي تصدر عن «الدولية للمعلومات» إن أجر نائب لبناني واحد يوازي أجور أكثر من 20 عاملاً يتقاضون الحد الأدنى للأجور، مقابل موازاة أجر النائب المصري أجر ستة عشر عاملاً مصرياً يتقاضون الحد الأدنى للأجور في بلدهم، وأجر النائب الأميركي عشرة أضعاف الحد الأدنى الأميركي للأجور (1375 دولاراً شهرياً). وينتهي بحث «الدولية» إلى أن أجر النائب اللبناني مقارنة بالحد الأدنى للأجور هو الأعلى في العالم. ورغم ذلك لا يبدو النواب ممنونين، لا بل يأمل المتطلعون إلى الحفاظ على كراسيهم رفع المجلس المقبل في أول جلساته أجورهم. وعند البحث في زيادة رواتب العاملين في القطاع العام، كانت الحكومة قد اقترحت زيادة مخصصات وتعويضات السلطات العامة التي تشمل رؤساء الجمهورية ومجلس النواب والحكومة والوزراء والنواب (الحاليين والسابقين). والجدير ذكره أن النائب اللبناني السابق يتقاضى تعويضاً أبدياً يبلغ 55% من راتب النائب الحالي إن كان شغل موقعه النيابي مرة واحدة، و65% إن كان نائباً لدورتين، و75% إن فاز بنيابته ثلاث مرات وأكثر، وتستفيد عائلته في حال وفاته من نسبة 75% من المخصصات والتعويضات التي كان يتقاضاها.
نواب «مريشين» وآخرون «طفرانين»
لا يكفي أجر النائب نعمة طعمة لملء خزانات طائرته بالوقود للقيام بجولة واحدة من جولاته الشهرية حول العالم، صحيح. وصحيح أيضاً أن أجر أحد مستشاري الوزير محمد الصفدي الشهري يكاد يوازي ضعفي أجر النائب الطرابلسي. ولا يشك تاجر ثياب واحد في أن الملايين الأحد عشر لا يشترون للنائب ميشال فرعون بذلة رسمية واحدة، ولا يشبعون كلبين أقله من كلاب النائب وليد جنبلاط. والأصح أن أحداً لا يفهم حاجة الرئيس نجيب ميقاتي أو النائبة ستريدا طوق جعجع إلى أجر شهريّ. لكن ليس كل النواب مثل جيلبرت زوين يمكنهم بيع أرض بنحو خمسة ملايين دولار سنوياً، أو سامي الجميّل الذي يسقي ساعة يشاء من ثروة والده عطشه، أو الرئيس نبيه بري وسليمان فرنجية وفريد مكاري وبهية الحريري وروبير فاضل وعباس هاشم وعصام صوايا وميشال المر الذي اضطرته الظروف يوماً إلى بيع بيته قبل أن يبرم الدولاب ويبدأ بشراء البيوتات. هناك نواب لا يملكون ثروات، ولا القدرة على إغلاق أبوابهم أمام «الواجبات» الاجتماعية والخدماتية وغيرها:
يقول عضو كتلة الطاشناق النائب آرثيور نظريان أنه يحاول التحكم في المساعدات التي تطرق أبوابه، لكن «لولا مصنع البياضات الذي أديره لأفلست من زمان». يوافق العدد الأكبر من زملائه على ذلك: «لولا أعمالنا الجانبية الخاصة لما أمكننا الاستمرار اجتماعياً وخدماتياً». يدعو النائب سيمون أبي رميا سائله عن أجره إلى أن يحتسب معه: في قضاء جبيل هناك 87 قرية وفي كل قرية هناك ناد ولجنة وقف وجمعية أقله وهيئة للتيار الوطني الحر. وفي حال إحياء كل مجموعة منهم احتفالاًً سنوياً واحداً يكون المجموع 348 احتفالاً في العام أو نحو 30 احتفالاً شهرياً، لا يجوز تغيب النائب عن أحدها أو تبرعه في حال مشاركته بأقل من مئتي دولار. يمكن المصروف الشهريّ هنا فقط أن يصل إلى ستة آلاف دولار. لكن لا تنتهي القصة هنا: تحل بطاقات الأعراس في الصيف، يقول أحد الموظفين في مكتب النائب نبيل نقولا، محل الأكاليل وبدل الأكاليل في الشتاء. ويشير المصدر من شباك المكتب إلى صيدلية قريبة، مؤكداً أن فاتورة المكتب هناك فقط تتراوح شهرياً بين ألف وألف وخمسمئة دولار: بعض الأدوية يمكن النائب توفيرها من وزارة الصحة، لكن هناك أدوية غير موجودة في الوزارة يطرق أبواب المكتب يومياً عشرات المواطنين يحملون روشتات تطلبها. «لولا وظيفتي في الجامعة اللبنانية الأميركية ومستشفى حمود ووظيفة زوجتي، لانكسرت»، يقول عضو كتلة المستقبل النائب باسم الشاب. ويعدّد عفوياً واجبات الشهر الحالي: عشاء جمعية، ترميم كنيسة، وحفل تمويلي لإحدى الجامعات لا يجوز للنائب أن يشتري أقل من عشر بطاقات إليه. يحسمها النائب فادي الأعور: «يكفيني الأجر النيابيّ حتى الخامس عشر من كل شهر». أين تذهب سبعة آلاف دولار وهو ليس من النواب «الفشيخة»؟ «تعال إلى مكتبي» يقول: «ستجد عند مطلع العام الدراسي مواطنين يطالبونك بشراء الكتب المدرسية لأبنائهم. ويومياً رابطة نسائية جديدة أو جمعية شبابية قررت إطلاق حملتها من مكتبك شخصياً». الأجر النيابي لا يكاد يكفي النائب الأملي هاني قبيسي حتى الخامس عشر من كل شهر أيضاً، يقول الأخير. ثمة نواب لا يحتاجون إلى رواتبهم لأن لديهم من المال ما يكفيهم، يشير قبيسي، أو لأنهم لا يفتحون منازلهم ولا ينشطون اجتماعياً وخدماتياً. لكن، يتابع أبو حسن، ثمة نواب متفرغون للعمل السياسي لا يمكن الرواتب الحالية أن تكفيهم. النائب نديم الجميل ممن «يعتاشون» سياسياً من راتبهم النيابي، فتدور كل حركته الشخصية والسياسية والخدماتية والإعلامية والتشريعية في فلك الملايين الأحد عشر، بينما يشير النائب ناجي غاريوس إلى أن النائب الطبيب على غراره يعمل مجاناً تقريباً، ويفرد أصابعه: «عدّ معي: مدير مكتبي مليون ونصف المليون. مليونان و300 ألف ليرة مواصلات. مليون ونصف المليون تلفونات. مكتب نواب بعبدا مليون. وواجبات اجتماعية (أعراس وأحزان وعشوات) أربعة ملايين». وغالباً ما يتصبّب زميله في التغيير والإصلاح زياد أسود عرقاً حين يتعلق الأمر بتكاليف النيابة بعدما بات محسوماً عنده أن «مشوار جزين» في نهاية كل أسبوع يكلف بين ألفين وثلاثة آلاف دولار، بين مساعدات صحية ودوائية ومدرسية وإنسانية ودعم جمعيات ولجان وقف ونواد وهيئات حزبية وتبرع لمآتم وأعراس. وأخيراً، يؤكد النائب آلان عون أن أجر النائب «من دون أن يتفخفخ» لا يكفيه، نظراً لضغط الخدمات المتفرقة الصغيرة عليه وتكلفة فريق عمله مهما اتّكل على المتطوعين فيه. وبحسب تجربته، يحسم عون أن العمل السياسي صعب جداً من دون إمكانيات مالية.
«ادفعوا نمثّلكم»
مقابل من سبق تعدادهم ثمة قائمة طويلة من النواب تبدأ بالرئيس سعد الحريري وسيرج طورسركيسيان ونايلة تويني ولا تنتهي عند هنري الحلو وطلال أرسلان وفؤاد السعد ودوري شمعون وسليم كرم وبدر ونوس وشانت جنجنيان ممن يتقاضون أجوراً لا يشرب منها ناخبوهم قهوة ولا يتطبّبون أو يشترون بفضلها كتب أبنائهم المدرسية. ويجد هؤلاء كما يبدو أن دفع المواطنين لهم أجر 20 عاملاً لبنانياً وبقشيشاً صغيراً لتمثيلهم في المجلس أقل الواجب، مع تأكيد أحد النواب أن مصاريف بعض زملائه الخدماتية الكثيرة لا تبرر ارتفاع أجورهم: لا علاقة للمواطنين الذين يدفعون للنواب أجورهم عبر الضرائب بسعي بعضهم لشراء ولاءات الناخبين عبر الخدمات الصغيرة وفناجين القهوة. النائب، يتابع النائب الذي بات يتجنّب ذكر اسمه لتحاشي نقمة زملائه عليه، يتقاضى أجراً لقيامه بواجب تشريعي وليس لتغطية فوارق وزارة الصحة وتضييف القهوة و«تنقيط» العرسان.
نموذج حزب الله
يشمل تكتّم حزب الله علاقة نوابه وأجورهم أيضاً، في ظل رفض بعض نوابه على غرار النائب بلال فرحات التطرق إلى هكذا «قضية تمس كرامات المواطنين واحتياجاتهم». لكنّ زملاء أعضاء كتلة الوفاء للمقاومة يتحدثون عن تحويل نواب الحزب أجورهم الرسمية مباشرة إلى أحد صناديق الحزب، وتقاضيهم في المقابل أجوراً حزبية تسد احتياجاتهم الشخصية. فالحزب، بحسب بعض زملاء نواب الحزب، يتكفل بنفسه وعبر مؤسساته الخاصة بتلبية الخدمات الاستشفائية والتربوية والإنسانية التي ترد إلى مكاتب النواب في الأقضية، ولا علاقة مباشرة أو جدية للنواب بتلك القضايا، كما يتكفل الحزب مركزياً في كل قضاء، بحسب المصادر نفسها، بتغطية النفقات الاجتماعية التي يتكبدها سائر النواب في الأفراح والأتراح والتبرعات للجمعيات. وفي حال كان أحد النواب ميسوراً ويودّ المساهمة شخصياً ببعض المساعدات، فلا قرار مركزياً يمنع ذلك. وكان تيار المستقبل قد بدأ منذ أوائل عام 2007 باستنساخ تجربة حزب الله النيابية، لكن إقفال الأزمة المالية لمكاتب المستقبل الرئيسية في المناطق أنهى تلك التجربة. أما تكتل التغيير والإصلاح ففشل في تعميم ما يشبه مركزية حزب الله الخدماتية والاجتماعية مرتين؛ الأولى عام 2005 والثانية عام 2009، حين عجزت مكاتب النواب المشتركة في الأقضية عن إثبات نفسها، واكتفت أمانة السر المركزية بلعب دور إنمائي مرة وتشريعي مرات. والأكيد أن لنموذج حزب الله إيجابيات كثيرة على صعيد تحرير النواب من ضغط الخدمات اليومية والاستقبالات الشعبية والحساسيات الناتجة من معرفة أحد الناخبين مثلاً أن ممثله خصّ جاره بمساعدة استشفائية أكبر من مساعدته، ويتيح هذا النموذج للنواب التركيز على مهمتهم الرئيسية المتمثلة في التشريع، مطمئنين إلى أن راتباً محترماً يذهب شهرياً إلى حساباتهم المصرفية. أما سلبيته الرئيسية في نظر بعض النواب فهي تعزيز موقع الحزب ونفوذه على حساب النواب وعلاقاتهم الشخصية بناخبيهم.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018