ارشيف من :أخبار لبنانية
أميركا وإسرائيل: دور جديد؟
نهلة الشهال - صحيفة "السفير"
كطفل «مدلل» (بمعنى فساده)، نالت إسرائيل كل ما نالت من الأسلحة الأميركية الجديدة، ولكنها ليست راضية بعد. فهي تريد تلك القنبلة القادرة على اختراق التحصينات العميقة وتدميرها. اسمها بالانكليزية يدل على وظيفتها: Massive Ordnance Penetrator يقول المسؤولون الإسرائيليون، إنها وحدها التي يمكنها الوصول إلى موقع «فوردو» الإيراني المدفون على عمق 200 قدم تحت جبل قرب قم وتدميره. يجيبهم الأب الحائر: أنتم لا تملكون الطائرة القادرة على حمل هذه القنبلة هائلة الوزن، فوحدها طائرة «بي 2» العملاقة يمكنها ذلك. ولكنهم يضربون الأرض بأقدامهم ويزعقون: نريدها! ويكاد يكون كل ما نالوه يتحول تافهاً في نظرهم من دونها.
وما نالته إسرائيل مؤخراً ليس تافهاً. حصلت على طائرات تقلع وتهبط عمودياً كالهيلكوبتر، ولكنها تمتلك سرعة وصفات الطائرات القتالية. اسمها V22 Ospray. وحصلت على طائرات أخرى تسمح بتزويد مقاتلاتها بالوقود في الجو، في الرحلات الطويلة لهذه الأخيرة. ويقال كمثال، بلا تحفظ ولا عِقد، إنها ضرورية لمهمات «تخص إيران». وحصلت على غيرها وغيرها... وهذه كلها، أعلن عنها الأسبوع الفائت في تل أبيب، أثناء زيارة وزير الدفاع الأميركي شاك هاغل. وهي تتوج مفاوضات استمرت عاماً كاملاً، أدارها وزير الدفاع الأميركي السابق ليون بانيتا مع نظيره وزير الدفاع الإسرائيلي السابق إيهود باراك: 12 لقاءً! عدا الاتصالات الهاتفية وحركة المساعدين. كان الأمر يتعلق بنوعية الأسلحة وليس بالمبدأ ذاته. وقد جاء هاغل، الذي تكرهه إسرائيل مذ عارض الحرب على العراق، ليثبت أولاً أن مزاجه أو مواقفه، على فرَض، لا يعرقلان الاستمرارية في الدولة الأميركية، ليس مع سلفه بانيتا، بل مع سياسة سلف الرئيس الاميركي نفسه. فأوباما ينفذ «مذكرة التفاهم» المقرة عام 2007، أيام بوش الإبن، وهي عينت مبلغ 30 مليار دولار كمساعدات عسكرية أميركية لإسرائيل للفترة ما بين 2009-2018. والخاصية التي لا تطال سوى إسرائيل من دون أي بلد آخر في العالم، هي أن كامل «ثمن» تلك الأسلحة والذخائر والتجهيزات، تسدده إسرائيل من مساعدات مالية أميركية مخصصة للجانب العسكري، تبلغ 3 مليارات دولار سنوياً. وقد أقر الكونغرس مذاك، وكل عام، مبلغ المليارات الثلاثة، برغم الأزمة الاقتصادية الطاحنة، وعاد وأقر المبلغ السنوي الجديد عام 2012 في الميزانية الداخلية للبلاد.
ولإسرائيل ألاّ تنفق كل المبلغ على شراء السلاح الأميركي، وأن تخصص جزءاً منه لتطوير برامجها العسكرية الذاتية. وهذا استثناء آخر لا ينعم بمثله أي بلد في العالم، حيث مَن ينال مساعدة أميركية يكون ملزماً بصرفها كلها على شراء الأسلحة من الولايات المتحدة نفسها. وكمثال على الاستثناء، ولقياسه، ففي الأسبوع الماضي ذاته، تقرَر أن تزود واشنطن حلفاءها الخليجيين بالأسلحة القادرة على مواجهة الخطر الإيراني إياه. فمنحت السعودية طائرات «أف 15» جديدة (صفقة أقرت في 2010)، وصواريخ مناسبة، ومنحت الإمارات طائرات فالكون «أف 16» وصواريخ، وأقر تدريب طياريها على يد خبراء أميركان. الإمارات مثلاً تدفع من جيبها و«كاش» 5 مليارات دولار ثمن هذا المغلف.
يقول الوزير هاغل إن بلاده معنية بتطوير قدرات دول الخليج بمواجهة إيران. بالطبع! ولكنه يقول أيضاً إن الأسلحة الممنوحة لإسرائيل لم تخرج سابقاً من الولايات المتحدة. والأهم، يوضح هاغل، أن إسرائيل «كدولة سيادية»، لها الحق في اتخاذ «قرارها السيادي» بالدفاع عن نفسها. وقبل الزيارة الأميركية بأيام، كان الوزير الإسرائيلي يعالون يهوِّل، فيقول إن إسرائيل ليست قائدة الحرب على إيران (بالطبع!)، بل هو العالم بأسره، ولكنها قد تضطر إلى خوضها لوحدها. وقال أيضاً في تفسير ذلك استراتيجياً إن «حرب الاستقلال لم تنته بعد»، أي أن إسرائيل لم تتمكن بما فيه الكفاية، بما يرضيها. وبين هذه والسيادية تلك، يقع خطر التطورات المحتملة، ولو أن هجوماً إسرائيلياً على إيران مستبعد، حالياً على الأقل، وذلك لأن يعالون نفسه قال أيضاً إن الدول في المنطقة منشغلة بنفسها وبمشاكلها، وإن الحرب الدائرة في سوريا مثلا تحتمل أخطاراً، ولكنها «توفر أيضاً فرصاً»، هي تحديداً وليدة ذلك الغرق بالانشغال الداخلي.
ما زال الخلاف الأميركي - الإسرائيلي على مبلغ اقتراب إيران من حيازة القوة النووية قائماً. وفيما تبالغ تل أبيب وتشدد على الخطر الوجودي عليها «وعلى الشرق الأوسط وعلى العالم المتحضر»، تحافظ واشنطن على رباطة جأشها. ولكنها برغم ذلك تفرج عن أسلحة متطورة لإسرائيل، (ما عدا تلك القنبلة!)، وتوحي باستقلال القرار الإسرائيلي الصائب بهذا الشأن، وإن كانت تعلن أنها تدعمه أياً يكن. ويجسد هذا المشهد الواقع الراهن على مستويات متعددة. فالولايات المتحدة التي قررت ما يمكن نعته بالانكفاء، متخلية عن أحلام المحافظين الجدد في إعادة صوغ كل العالم بالتفصيل وبسرعة، (وهو تخل جاء بسبب النتائج الكارثية لهذه السياسة وفشلها، وبسبب الأزمة الاقتصادية العاصفة)، مضطرة برغم ذلك إلى تعديل، ولو جزئياً، في الأولويات الإستراتيجية التي حددتها (آسيا/المحيط الباسيفيكي، بمواجهة الصين). وهي تُبقي 20 ألف جندي على أهبة الاستعداد للتدخل، لو سارت الأمور على غير ما تطيق في منطقتنا. ولكنها من جهة ثانية تعيد تعريف وظيفة إسرائيل بعدما انكشفت في السنوات الماضية حدود قدراتها، من أنها لا يمكنها منع حدوث تطورات غير مناسبة، وقبل ذلك بعدما بدا أن الحاجة لدورها قد خبت نتيجة انهيار الاتحاد السوفياتي، ونتيجة ثقل الحضور الأميركي الواسع والمباشر في المنطقة، وتحديداً في أفغانستان والعراق.
نوعية السلاح الممنوح اليوم لإسرائيل، والتصريحات السياسية المصاحبة له يقولان إنه، في ظل ما يبدو كفوضى محتملة في المنطقة بسبب الحرب الدائرة في سوريا وتداعياتها المحتملة، فإن لإسرائيل دوراً متجدداً. وعليه فهي تُمنح تقنياً ما يؤهلها لتكون قوة متفوقة بصورة حاسمة، تشعر بالأمان وسط عالم مضطرب، ويمكنها الهجوم أيضاً. وتُمنح ذلك «الاحترام» الأميركي الذي بدا لفترة وكأنه عرضة لمراجعة باتجاه التخفيف من غلوائه. لم تعد واشنطن مهجوسة بكسب ود العالمين العربي والإسلامي، ومحو آثار سياسة بوش الصِدامية والمتعجرفة، كما كان الأمر في خطابات أوباما الأول في اسطنبول وفي القاهرة. ولم تعد تمتلك الكثير من الأوهام لجهة القدرات الشعبية لـ«الإخوان المسلمين»، الواصلين للسلطة في أكثر من بلد عربي، في احتواء الناس وتوجيههم في الأساسيات بشكل مأمون. وتعلم أن السياق السوري يمكن أن يتكشف عما هو غير محسوب أو غير قابل للضبط، وأن الفشل الذريع لسياساتها في العراق يمكنه أن يولد الشيء نفسه وأكثر... فعادت إلى قواعدها: إسرائيل هي أهم ما تملك في المنطقة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018