ارشيف من :أخبار عالمية

عامان وشهران على الحراك

عامان وشهران على الحراك
قاسم حسين - صحيفة الوسط البحرينية

مرّ عامان وشهران على حراك فبراير 2011، وحبلت الساحات بالأحداث الجسام، وأمطرت السماء رصاصاً ومسيلاً وسحباً من الغازات... والسؤال: ماذا بعد؟

بعد عامين وشهرين، من الحراك الصعب والمعاناة، استمرت الساحات تحتضن الآلاف، ممن يؤمنون بأن لهم حقوقاً سيطلبونها، وكرامةً سيسترجعونها، وإن طال المدى. وبعد إخلاء العاصمة عادت الجموع لقراها ومناطق سكناها، لم تيأس ولم تفتر لها همة. يخرجون في مسيرات كل أسبوع، يختارون يوم عطلتهم وراحتهم الأسبوعية، لإيصال صوتهم المقموع إلى أسماع العالم الأصم. ورفد ذلك الناشطون الحقوقيون، بعضهم كان يعمل من سنوات، وبعضهم كان من الضحايا الجدد لحركة القمع والفصل من العمل بهدف التجويع والتركيع.

بعد عامين وشهرين، يعود الشارع الذي تعرّض للخديعة إلى الوعي، في شبه صحوة يراجع نفسه، خصوصاً بعدما وُعد وعوداً تبخّرت مع الأيام. وكانت النفرة الأخيرة حين حاول البعض اختصار مطالب الناس في زيادة الرواتب، وكان يأمل بزيادة ثلاثين في المئة، تم تخفيضها في سوق المساومات إلى النصف، وحتى هذه لم يُعطَها، وقيل له يكفي ما أعطيناك العام الماضي (7 في المئة)، فلاذ بالصمت وانكفأ في صومعته منكسراً بعد أن كان متصدراً للمنصات.

الجمع الذي استُدرج على وقع قرع طبول الحرب الوهمية، تكشّف عن تجمع هزيل، تتصارع رؤوسه مثلما يحدث في مزرعة البصل. وبدأت السقطات الكبرى تتوالى، من الإقرار على الذات بأنه استخدم لضرب المكوّن الآخر في الوطن، إلى التفاخر بأنه كونترول بيد الحكومة، وانتهاءً باتهام هذا الشعب بأنه غير راشد! سقطاتٌ زادته انحساراً واضمحلالاً.

ملامح الصحوة بدأت منذ الأشهر الأولى، وكان بإمكانك أن تتلمس بوادرها من مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يعبّر الكثيرون عن مواقفهم دون رتوش أو قناع. كانت أصواتاً خجولة، لكنها سجّلت موقفاً تاريخياً ينتصف للوطن وأهله. لم تكن أسماءً معروفةً بالضرورة، لكنها كانت شجاعة بما فيه الكفاية لإشعال شمعة وسط ذلك الظلام الدامس، ومدّ جسور جديدة من الثقة التي مُزّقت أوصالها عمداً. بعضهم بدأ يصرّح بتعاطفه وإدانته لما حدث للمساجد والأرواح. وبعضهم عبّر عن رغبته بالتواصل، وحتى المشاركة في المسيرات السلمية، بعد عام من الحراك. كانت تلك الكوّة الأولى التي عبر منها هؤلاء للتواصل مع الشارع الجريح وزيارة المصابين والجرحى في بيوتهم وما لحق بقراهم المنكوبة، وكانت كلماتهم تنزل برداً على قلوب المكلومين.

هذه الكوكبة القليلة من أحفاد الباكر الكبير، شجّعت غيرها من الأسماء المعروفة، على إعلان رأيها فيما جرى، وإدانة كل من تواطأ على تغييب الشارع الآخر وتزييف إرادته والتحدّث باسمه دون تخويلٍ من أحد. كانت فلتةً أصاب الكثيرين شرّها وشررها، لكنها انتهت إلى كيانٍ هشٍّ ومتآكل، ينخره السوس من الداخل. فلا يمكن أن تشتري الناس بالمال، وليس كل الناس يقبلون أن يبيعوا مواقفهم وتاريخهم بالمال. فللناس كرامة، وأكثر الناس تشبثاً بالكرامة الفقراء ممن لا يملكون المال.

عامان وشهران على الحراك، والكلّ يبحث عن حلٍّ لهذا المأزق من فوق أو تحت طاولة الحوار.
2013-05-01