ارشيف من :أخبار لبنانية
’ن أ ي’
القبس ـ دلع المفتي
بالرغم من سياسة «النأي بالنفس» التي تنتهجها الحكومة اللبنانية وسيلة لحماية لبنان واللبنانيين مما يجري في سوريا، فإن لبنان وجد نفسه يغوص أكثر فأكثر في المستنقع السوري على الصعيد السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي، الأمني، والإنساني.
أكثر الهواجس رعبا بالنسبة للبنانيين هي المشكلة الطائفية التي تبدو هي الأخطر، ففي طرابلس ينتفض السنّة للدفاع عن إخوانهم في سوريا، فيقاتلون أبناء بلدهم فداء لطائفتهم، وفي البقاع ينتفض الشيعة للدفاع عن أبناء طائفتهم، فيرسلون أبناءهم للمحاربة في أرض غريبة. وفي الوسط يقبع مسيحيو لبنان، وقد «ضاعت طاستهم»، محاولين أن ينأوا بأنفسهم، لكن، وبسبب خوفهم على كينونتهم، لا يستطيعون إلا الوقوف مع إخوانهم في الدين هناك.
مسكين هذا البلد الصغير.. فبعد أن خضع للوصاية العسكرية السورية لأكثر من ثلاثة عقود، ورحل عنه السوريون أخيرا في 2005 بعد اغتيال الراحل رفيق الحريري، عادوا إليه مجددا، لكن هذه المرة كنازحين، وتحوّل البلد الى ملجأ كبير للسوريين بمختلف مشاربهم: المعارضون والموالون، السنّة والعلوية، الأكراد والأرمن، وغيرهم من الأقليات. وبخلاف الأردن وتركيا اللذين استطاعا احتواء وحصر اللاجئين السوريين في مخيمات، انتشر السوريون في لبنان على طول الخارطة وعرضها، مما فجّر الوضع على كل الأصعدة.
أكثر من مليون سوري يعيشون في لبنان حاليا من مختلف الطبقات الاجتماعية: فهناك المليونيرية الذين يمتلكون حسابات بنكية لبنانية منذ سنين، وبيوتا يعيشون فيها معزَّزين مكرَّمين (بفلوسهم)، معظمهم ليس لهم موقف محدد مما يحصل في سوريا، وجل همهم هو عودة الهدوء، للعودة لأملاكهم هناك. وهناك «المعتّرون»، ممن لم يملكوا شيئا أصلا ووصلوا الى لبنان بالثياب التي على ظهورهم فلجأوا إلى المخيمات، أو تجولوا باحثين عمن يتكرّم عليهم بغرفة، أو خيمة تحميهم وعائلاتهم من التشرّد، وهؤلاء في الأغلب مؤيِّدون للثورة، ويتعرّضون لإهمال متعمّد من قبل السلطات اللبنانية، عقاباً لهم على موقفهم. وهناك أيضا العائلات المستورة من الطبقة المتوسطة وأفرادها المهندسين والأطباء والمدرسين، ومن بينهم الموالون والمعارضون، والذين وجدوا أنفسهم بلا مأوى ولا دخل، فلجأوا مكسوري الخاطر، يبحثون عن وظيفة محترمة أو دخل يقيهم الذل.
إن أكثر ما يُحزن السوريين في لبنان، بالإضافة إلى التشرد والجوع والبرد وانعدام الرعاية السكنية والتعليمية والصحية، هو الخطاب العنصري الذي يواجهونه يوميا، والذي وصل الى درجة الطلب بإعادة النازحين من حيث أتوا. فبعد أن كان يُنظر للسوري على أنه منافس للبناني وسارق لقمته في زمن الوصاية، أصبح يُنظر إليه اليوم كشحاذ، أو كسلفي إرهابي، أو علوي إرهابي، يؤجج الطائفية في بلد مشكلته الكبرى هي الطائفية. وبالرغم من ذلك أصدر مثقفون وناشطون لبنانيون بياناً مندداً بالتصريحات العنصريّة ضد اللاجئين القادمين من سوريا، في محاولة لسكب قليل من الإنسانية على المنظر.
في لقائي مع أطفال الشوارع السوريين في لبنان، قال لي طفل، «أنا لا أريد أن أتسوّل.. أريد أن أتعلم. اللبنانيين لما إجو لعنّا شلناهم على راسنا.. ليش هيك عم يعملوا فينا؟».
قدر لبنان أن يكون الجار، وهو الذي كان يوما من الأيام من صلب سوريا، اسما وشعبا وتاريخا وجغرافيا.. فهل يستطيع أن ينأى بنفسه إنسانيا؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018