ارشيف من :أخبار لبنانية

النور بين الإخوان والأمريكان

النور بين الإخوان والأمريكان
الأهرام ـ محمد أبو الفضل


الاهتمام الظاهر الذي احتله الحديث عن زيارة متوقعة لوفد من السلفيين لأمريكا‏,‏ يفوق في نظر كثيرين الوزن الحقيقي للزيارة. لكن بالمفهوم السياسي البعيد، المسألة تستحق التوقف عندها, لأن هناك متغيرات وتطورات محلية وإقليمية, قد تجعل من قيادات السلفية بمصر عنصرا مؤثرا في بعض التحركات المقبلة.

القضية أخذت قدرا من الأضواء الإعلامية، عندما أعلن الدكتور سعد الدين إبراهيم، مدير مركز ابن خلدون، أنه حمل رسالة من أحد القيادات السلفية تؤكد ابتعادهم نسبيا عن الإخوان المسلمين. وهو ما تعزز باعتراف نبيل نعيم( زعيم سابق بتنظيم الجهاد) بتوكيل سعد الدين لابلاغ واشنطن بهذه المهمة. الأمر الذي جعل القضية تصل إلى مربع سياسي حافل بتكهنات وتخمينات متضاربة. منها ما رأى أن العلاقة بين الإخوان والأمريكان دخلت فصل الخريف، والانسجام الذي ظهرت معالمه في عدد من المواقف الإيجابية قد ولى وانتهى. ومنها ما ذهب إلى أن حزب النور السلفي سيدخل دائرة الاهتمام, كنعصر فاعل في الحسابات الأمريكية الجديدة، سواء في اطار من التعاون والتنسيق المشترك، أو ضمن القوي المنتظر أن تلعب دورا رئيسيا في المعادلة السياسية المصرية. وجميع التقديرات والمعلومات التي رشحت من جهات متعددة، تقول إنه سيكون لحزب النور دور محوري في التفاعلات القادمة، محليا وإقليميا.

ارتفاع سقف الرهان على هذا الدور، استمد قوته من مجموعة عوامل. أبرزها، الرؤية المتطورة لمواقف الحزب والتي ظهرت ملامحها في عدد من القضايا خلال الآونة الأخيرة، وأكدت في معظمها التحلي بدرجة واضحة من المرونة، وبصورة لا تقل برجماتية عن الطريقة التي يتعامل بها الإخوان مع الأحداث السياسية. كما أن تصرفات بعض رموز النــور أثبتت الوجه المعتدل للحزب، والذي كان غائبا عند كثيرين. وجه يمكن أن يسحب واحدة من الأوراق التي تميز بها الإخوان عن أشقائهم السلفيين, ويجعلهم في بؤرة تركيز دوائر مختلفة، إذا جرى حسم رحيل حكم الإخوان، بأي شكل من الأشكال. وفي هذه الحالة سيصبح السلفيون اللاعب الذي يستطيع ضبط حركة بعض الأمور السياسية. وقد يكون التفاهم الذي ظهر أحيانا بين النــور وقوى في المعارضة علامة أساسية في هذا الاتجاه, بعثت بتطمينات قللت من مخاوف الانتشار والصعود، خاصة لو تمكن الحزب من أن يكون بديلا أو ندا لجماعة الإخوان، في ظل الخلاف الحاصل حول طريقة التعامل مع بعض الملفات. وكلها تفرض على الأمريكان إعادة النظر في مواقفهم من سلفيي مصر.

الوجه الخارجي الذي يجذب الطرفين ناحية التقارب، لا يقل أهمية عن الوجه الداخلي، ويمكن التقاط عدة عناصر في هذا الإطار. منها، الموقف السلفي الرافض لتطوير العلاقات مع إيران، وبسببه بدا أن الخلاف عميق بين النـور والإخوان، بما يصب في مصلحة الأمريكان، الذين لديهم هواجس من أي تطوير نوعي في العلاقات بين القاهرة وطهران. زد على ذلك القلق الذي انتاب جهات غربية، عقب صعود دور الجهاديين في الأزمة السورية. الأمر الذي وضع واشنطن بين شقي رحي، استمرار نظام بشار المرفوض غربيا، وسقوطه وعدم استبعاد صعود نجم تنظيمات اسلامية متشددة، جهاد وقاعدة وخلافه.. وربما يكون فك جزء من ألغاز هذه المعادلة، في سوريا والعراق ومالي أيضا، في يد السلفيين، بحكم قدرتهم على امساك بعض الخيوط والتحكم في توازناتها السياسية الوعرة من داخل التنظيم. وإذا أضفنا العلاقات الجيدة بين قطاع كبير من السلفيين ومعظم دول الخليج، تتزايد قيمة القواسم المشتركة بينهم وبين الأمريكان، وتتراجع فرص استمرار رهان واشنطن على الإخوان.

الواقع أن حرص السلفيين على التواصل مع الإدارة الأمريكية حاليا، يبدو متوازيا مع رغبة الأخيرة في وضعهم في مقدمة المشهد المصري، وبؤرة المشهد الإقليمي، استنادا إلي إمكانية تبادل المنافع السياسية. وسوف تتوالى الفصول الدرامية خلال المرحلة المقبلة. ونرى تحركات غير مفهومة من هنا أو هناك، تعكس قدرات كل طرف على المساومة والمناورة. كأن ينفتح الإخوان على قضايا ساخنة، أملا أن تستمر الجماعة كفرس رهان بلا منافس.
2013-05-02