ارشيف من :أخبار عالمية

بعد «المخربين»... «إرهابيون»

بعد «المخربين»... «إرهابيون»
هاني الفردان - صحيفة الوسط البحرينية

عندما خاطب الرئيس الأميركي باراك أوباما، شعبه بعد ساعة من وقوع التفجيرات التي استهدفت ماراثون بوسطن يوم الاثنين (15 أبريل/ نيسان 2013)، لم يستخدم على الفور كلمة «إرهاب»، وبعد أقل من 24 ساعة، عاد الرئيس الأميركي ليوجه كلمة أخرى يوم الثلثاء (16 أبريل)، مستخدماً لغة مغايرة، إلا أنه بدا حريصاً في استخدامه لتلك الكلمة، والتي وضعها في بعض عباراته، مشيراً إلى أن إدارته تتعامل مع التفجيرات على أنها «عمل إرهابي».

من الواضح أن الرئيس الأميركي بدا شديد الحذر في بداية الأمر، في وصف تفجيرات بوسطن بالإرهاب، إلا أنه عاد ليستخدم الكلمة في ضوء المعلومات التي توفرت أمامه لاحقاً، من بعض الدوائر الأمنية، منها مكتب التحقيقات الفيدرالية ذو الشهرة العالمية، ومع ذلك لم يطلقها علنية بل وضعها في إطار ضيق مع محاولة الحد من قوتها.

على صعيدنا البحريني، فإن وزارة الداخلية خلصت بعد عامين من إصدار البيانات المختلفة على مستوى الأحداث الأمنية التي تشهدها البلاد إلى نتيجة واحدة وهي أن كل عمل يحدث حالياً هو بمثابة «إرهاب» حتى قبل بدء التحقيق في مجريات الحدث، على شرط أن يكون المتهم في العمل معارضاً أو قريباً من المعارضة.

من الواضح أن وزارة الداخلية أيضاً حسمت أمرها، وأصدرت تعليماتها لدائرة الإعلام والعلاقات العامة بالوزارة، بعدم تمرير أي بيان يمكن أن «يشم» من رائحته أن له علاقة بالاحتجاجات والمسيرات والمعارضة، دون أن يكون فيه وصف «الإرهاب» ودون وصف الفاعلين بـ «الإرهابيين»، ودون الحاجة للتردد أو حتى انتظار التحقيقات الأولية على الأقل.

قبل أيام وخلال انعقاد منتدى «آفاق ثقافية جديدة للسياحة» والذي تعقده منظمة السياحة العالمية بالتعاون مع وزارة الثقافة البحرينية في إطار الاحتفالات والفعاليات التي تُنظم بمناسبة اختيار المنامة عاصمة للسياحة العربية لعام 2013، كان لي حديث مع مستشار وزير السياحة المصري هشام زعزوع، بخصوص سعي مصر لتحسين الصورة الذهنية للسياح العرب عن الأوضاع الأمنية في مصر، وذلك من أجل إعادة مصر للواجهة السياحية بعد الأضرار التي لحقت بها طوال العامين الماضيين نتاجاً للثورة المصرية.

إذ سعى المستشار المصري شارحاً أن «الإعلام» يبالغ في تضخيم الأوضاع الأمنية في مصر، وأن الحكومة المصرية تسعى جاهدة، لتوضيح الصورة الحقيقية للمشهد المصري ومن دون مبالغة، مع التأكيد أن مصر أصبحت آمنة.

قلت للمستشار «احمد الله» فنظامكم يسعى للتخفيف من صورة المشهد الأمني، ووضعه في إطاره الحقيقي، وحصره في مواقع جغرافية، لا علاقة لها بالمناطق السياحية، ودون التهويل به، بينما نظامنا يتفنن في تضخيم الصورة الأمنية، ووصف كل الأحداث بـ «الإرهابية»، حتى لو كانت مسيرةً أو تجمعاً أو حرق إطار، دون مراعاة للمتطلبات الاستثمارية والاقتصادية أو السياحية، أو حتى شغف «الإعلام» الأجنبي بمثل هذه المصطلحات «المغناطيسية».

في الحقيقة يتهم النظام في البحرين المعارضة ومن هم محسوبون عليها بالسعي الى «تشويه سمعة البحرين دولياً» والتضخيم، وخلق هالات إعلامية يعتقدون (أي النظام والمحسوبون عليه) أنها غير موجودة على أرض الواقع، ولكن ينسى النظام أنه أيضاً يتفنن في بيانات «الإرهاب»، إذ لا يخلو يوم واحد دون أن نشهد تغريدات أو بيانات لوزارة الداخلية، ولحقتها مؤسسات خدمية أخرى، بوصف كل ما يحدث من أحداث أمنية بـ «الإرهابية»، مساهمين بذلك في تضخيم الصورة الذهنية للعالم بأن البحرين تعيش حالة «حرب إرهابية»، اعتماداً على بيانات رسمية موثقة.

البيانات الرسمية شهدت تطوراً ملحوظاً في الخطاب التصعيدي، فمن «المجموعات» إلى «المخربين» وصولاً إلى «الإرهابيين»، حتى بات الإعلام الدولي يراقب الوضع ويسارع في نشر الأحداث البحرينية لتنال نصيباً ليس سهلاً من زمن نشرات الأخبار العالمية، إذ لا يخلو يوم واحد دون الحديث عن حدث إرهابي يقع في البحرين.

على صعيدٍ آخر، نشهد تناقضاً رسمياً أيضاً في التصريحات والبيانات، فمن جانب نجد الدبلوماسية تتحدث عن أن البحرين ولله الحمد بخير وترفض أي محاولة لـ «التضخيم»، فيما الجهات الأمنية لا تمرر يوماً دون الحديث عن أعمال «إرهابية».

نرى جهات رسمية تتوعد بملاحقة مؤسسات إعلامية «بالغت كثيراً في نشر أكاذيب دون أن تتحقق من مصدرها» من خلال الترويج لوجود «عنف» متزايد في البحرين. فيما نرى جهات أمنية تسهّل على تلك المؤسسات «رغبتها الجامحة في المبالغات» من خلال نشرها يومياً بيانات عن إلقاء القبض على مجاميع إرهابية، والكشف عن مخازن للأسلحة، وهجوم ناري على دوريات أمنية، والكشف عن مخابئ سرية تستخدم لأغراض إرهابية، وأسلحة صناعة محلية، والعثور على آلاف القنابل الحارقة، والوهمية.

لم يكن الإعلام الأجنبي والدولي يعير كلمة «المخربين» الكثير من الاهتمام، فغيّرت السلطة لهجتها لتواكب التطور العالمي، وتلامس رغبة الوسائل الإعلامية وحساسيتها المفرطة والممغنطة مع وصفة «الإرهاب» ومشتقاتها من «إرهابيين»، حتى باتت البيانات الرسمية مليئة بمفردة «إرهاب» و «إرهابيين»، وابتعاد عن «المخربين» لكسب الإعلام الأجنبي وخسارة الثقة في «الأمن المحلي».
2013-05-04