ارشيف من :ترجمات ودراسات

الربيع العربي يتخبط في الضياع

الربيع العربي يتخبط في الضياع
بقلم هنري دياكونو المعروف أيضاً باسم هنري فرانسوا - موقع Aggoravox الالكتروني

الشعوب الناطقة بالعربية في إفريقيا الشمالية، وهي الشعوب التي فجّرت ونشرت ما وصف بحركة الياسمين قبل أن يصبح الربيع العربي، قادت أمّتها ـ من دون إدراك منها ومن دون أن تريد ذلك ـ نحو الضياع. السبب هو، من جهة، أن ما حدث في تلك المنطقة التي أصبحت متفجرة بشكل مفاجئ كان انتفاضة لا ثورة، ومن جهة أخرى لأن الغالبية الساحقة من "المواطنين" المعنيين كانوا غارقين منذ قرون في جهل قواعد البناء الاجتماعي في ظل سطوة الخلافات والمستعمرين والزعماء المستبدين وخصوصاً في ظل حضور ساحق لشكل من أشكال التدين.

هجمات بالقنابل على القنصليات الغربية في ليبيا، منها هجوم أوقع جريحين فرنسيين في طرابلس. وقبل أشهر، هجوم في بنغازي أوقع قتلى بين الديبلوماسيين الأميركيين. بلد تسوده الفوضى الشاملة منذ سقوط النظام الديكتاتوري. الميليشيات المسلحة تحت أنف ولحية حكومة مركزية مزعومة وعاجزة عن حفظ الأمن في بلد عادت فيه القوانين القبلية بقوة إلى الحياة وبات من المعروف للقاصي والداني أن معسكرات قد أقيمت فيه، على الحدود مع تونس، لمن سيصبحون "المتمردين السوريين".

في تلك المعسكرات، ومن أجل حفنة من الدولارات (حوالي ثلاثة آلاف دولار لكل مقاتل) يتم تدريب المئات وحتى الآلاف من الشباب الليبيين والتونسيين العاطلين من العمل بأغلبيتهم الساحقة، بعد أن جرت تعبئتهم في وضح النهار لـ "الجهاد ضد الكفار" من قبل دعاة متشددين قدموا بأعداد كبيرة من شبه جزيرة العرب ومصر واستقبلوا كما يليق بالأمراء خصوصاً في تونس. وقد بات من المؤكد أن ما لا يقل عن خمسة آلاف من الشباب، بينهم فتيات لـ " استراحة المحاربين" قد جندوا وأرسلوا إلى سوريا عبر شبكات تمر في لبنان وتركيا.

الربيع العربي يتخبط في الضياع
الربيع العربي يتخبط في الضياع

تلك هي على الأقل المعلومات التي أدلى بها مؤخراً لصحيفة "لو بريس" التونسية رئيس المعهد التونسي للعلاقات الدولية وعضو لجنة المراقبين العرب في سوريا، أحمد المناعي. ويضيف مناعي أن هذا التجنيد الواسع النطاق المستند إلى تمويل ضخم قد اتخذ القرار بشأنه في طرابلس قبل أكثر من عام خلال اجتماع شاركت فيه "حكومة طرابلس العسكرية مع جهاديين متشددين، وقياديين في المعارضة السورية ينتمون إلى الإخوان المسلمين، وزعيم الحزب الديني التونسي الحاكم، ووزير خارجية قطر".

وأخذاً في الاعتبار للمواجهات السياسية والطائفية العنيفة التي سقط فيها قتلى عديدون والتي تهز مصر المجبرة على الخضوع لحكم الإخوان المسلمين، وأخذاً في الاعتبار أيضاً لعجز تونس، في ظروف استشراء السلفية والفساد، عن وضع دستور وإقامة سلطة تجمع عليهما كافة الأطراف، وأخذاً في الاعتبار أيضاً وأيضاً للفوضى السائدة في ليبيا، فإن كل ذلك يهدد بانتقال العدوى. وإذا ما انتقلت العدوى إلى شمال إفريقيا بما فيه مصر، فلا يمكن لذلك إلا أن يكون نتيجة للتهاون او للمخططات الشيطانية التي تضعها الولايات المتحدة وحلفاؤها الموضوعيون الأوروبيون وأدواتهم من "الإسلاميين المتشددين" الذين تعج بهم المنطقة انطلاقاً من شبه الجزيرة العربية.

إن ترك السلطة لمتدينين منظمين يوصفون بـ "المعتدلين" (كلمة المعتدلين لا تعني شيئاً بالمناسبة) نتيجة انتخابات لعب التجهيل دوراً كبيراً في عدم المشاركة فيها من قبل أكثر من ثلث الناخبين في البلدان التي نحن بصددها، قد أفسح المجال لانتقال هذه المهزلة إلى الشواطئ الجنوبية لأوروبا. اللهم إلا إذا ما كان ذلك الانتقال هو الهدف المعلن وغير المعلن للحماة الأقوياء بالنصائح، وخصوصاً بالدولارات، والذين يتقدمون من وراء أقنعتهم بهدف إفشال حركات الربيع العربي. ذلك يسمح لهم بالحيلولة دون اكتساح هذه الحركات للشرق الأوسط والانصهار المحتمل لدول جنوب المتوسط في اتحاد مستقل بما يمتلكه من ثروات باطنية ضخمة ما يزال أكثرها غير مستثمر. وقد اكتشفت تلك الثروات في أعماق البحر المتوسط، خصوصاً في قسمه الشرقي، وهذا ما يفسر الخطر الذي تمثله الأداة الأخرى المتمثلة بـ "إسرائيل"، وبالحرب الحالية على سوريا، وبعملية وضع قبرص تحت الوصاية، وبالموقف المشبوه لتركيا.

"العملاق" المتمثل بالجزائر وحده في هذا السياق يلتزم صمتاً "يصك الأسماع". هذا لا يعني أنه غافل عما يجري.
2013-05-04