ارشيف من :ترجمات ودراسات

كل هذه الثرثرة..كل هذا التواطؤ!

كل هذه الثرثرة..كل هذا التواطؤ!

محمد خروب - صحيفة "الرأي" الاردنية  



لا جديد في ردود الفعل العربية الرسمية على العربدة الاسرائيلية المتمادية التي تتخذ اشكالاً «معتادة» من الصلف والاستعلاء، بل والازدراء لكل ما هو عربي، سواء ذلك المحسوب على «معسكرها» أم الذي تضعه هي وواشنطن في خانة محور الشر الذي في نظر نتنياهو واوباما يجب التخلص منه او إعادته الى بيت الطاعة.
اللافت في ما حدث في الساعات الاخيرة، هو دخول «المفتين» وادعياء الدين ورهط المتأسلمين على خط العربدة الاسرائيلية، واصدار فتاوى تبيح «الابتهاج» بما حدث من خسائر وانتهاك لسيادة الدولة السورية، بإعتبار ان نظامها، نظام معاد، وانه شبيه بما كان يحدث في زمن الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه، عندما كان يفرح المسلمون لما يلحق بالفرس «وشيعة» كسرى على يد الروم (كذا).

فهل وصلت الأمور الى هذا الدرك الاسفل والبشع في التعاطي مع كرامة الأمة وسيادة شعوبها، وكل ما تمثله قيم العروبة الحقّة، وليس تلك القائمة على العنصرية او التعصب او الجهل المغطى بلحية او شماغ او دشداش او دروشة؟ وهل باتت الشماتة بأي نظام عربي والرغبة باطاحته، هي المعيار والمسطرة الذي يقيس بها هؤلاء مدى قربهم من اسرائيل او «شبقهم» في عقد صلح معها، وبأي ثمن حتى لو كان التخلي عن أبسط الحقوق او اكثرها قدسية، كما هي حال اولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، حيث باتت عرضة للمساومة في بازار المبادرة العربية التي دفنتها بصاطير جيش الاحتلال في مخيم جنين واجتياح الضفة (اقرأ... استكمال حرب التحرير على ما وصف ارئيل شارون عملية السور الواقي في اذار العام 2002).. فور صدورها، ولم تثر حماسة نتنياهو او ائتلافه الحكومي حتى بعد التعديل الذي ادخله وفد الجامعة العربية على هذه المبادرة حيث «ضمنت» اسرائيل (الان) موافقة عربية على تبادل الاراضي، وهي هنا لم تتحدث عن نسبة التبادل او تستثني القدس، لأنه وعندما تتمكن اسرائيل من استكمال مخططات التهويد والاستيطان وضم معاليه ادوميم الى القدس الكبرى، فعندها ستخرج القدس من المعادلة على القاعدة ذاتها التي برر بها عرب اليوم تعديل مبادرتهم الاستسلامية اصلاً, بأن «الوقائع» على الارض لا يمكن تغييرها، أو يجب أخذها في الاعتبار على ما قال ذات يوم سيء الذكر جورج دبليو بوش..

استباحة الاجواء السورية واستهداف مراكز عسكرية ومخازن اسلحة خاصة بالجيش السوري, لا تثير في معظم العواصم العربية (اقرأ كل بهذه الدرجة او تلك) أي رد فعل ما دام الهدف الاسرائيلي هو إضعاف النظام أو تسريع اطاحته وفي اسوأ الظروف الحؤول دونه وحسم معاركه الاخيرة الهادفة الى دحر المتمردين من ارياف المدن الرئيسية وهو ما كان اعترف به اسرائيليون وعرب وقادة المتمردين بل واعلام الداعمين والممولين والرعاة..
ليس مهماً استعادة مأثور أجدادنا - ما دام العرب وصلوا الى هذه الدرجة من الخنوع - عندما كانوا يرددونه كلما حاولوا ابداء فعل الندم أو التحسر على ما فات من فرص وامكانات... «أُكلت يوم اكل الثور الابيض»!!

حسناً... منذ ما قبل الاندلس وخصوصاً بعدها، لم يتوقف النائحون - والنائحات - عن التذكير بما قالته احدى الامهات لابنها الذي لم يحافظ على ملكه وها هو يبكي كالنساء..
ودائماً ايضاً عندما يتغافل معظم العرب عمّا غدت عليه اسرائيل من قوة وثقة بالنفس وقدرة على فرض جدول اعمال المنطقة (بعد أن تكون هي من كتبته) على جميع دولها، وراحت تقول لكل من يعنيهم الامر: تجاهُلي ممنوع وانا عنصر رئيس من العناصر التي تشكل ما كان يعرف لديكم ايها العرب.. بـ(بلاد الشام) فحذار من بطشي ومن غضبي..

يسخرون ويشمتون في صفوف المعارضات السورية التي سقطت عنها ورقة التوت الاخيرة وظهر عجزها وتهافتها، عندما لم تحاول التفريق - مجرد محاولة - بين المصالح الوطنية السورية العليا وبين العدو التاريخي لأمة العرب، حتى لو كان يوفر لها السلاح والمعلومات والتغطية، كما وقعت في الفخ ذاته معظم الانظمة العربية التي ظنت - وما تزال - ان تدمير سوريا وتفكيكها, سيوقف هبوب رياح التغيير عن مجتمعاتها ولها في ما حصل منذ العام 2003 حتى اندلاع موجات ما وصف خطأ بالربيع العربي, خير دليل على ان مجتمعات مفخخة منهكة يطحنها الظلم والاستبداد والفساد والقمع، لن يكتب لها الاستمرار الا في ظل الفوضى والفلتان الامني والعنف, الذي وهم يصدرونه الى سوريا الان, سيرتد عليهم بعد ان يفرغ «المجاهدون» من مهمتهم ويقيموا «دولة الخلافة» خاصتهم، وعندها سيسألون أسيادهم: الى أين نذهب؟.. فالساحات لم تفرغ بعد وثمة فائض في الدماء والثروات والارواح يجب التخلص منه..

2013-05-07