ارشيف من :أخبار لبنانية

’فتوى’ بكركي تفتح الطريق أمام تحرّك بري

’فتوى’ بكركي تفتح الطريق أمام تحرّك بري

غسان سعود -"الأخبار"

أراد نائب رئيس مجلس النواب السابق إيلي الفرزلي أن يضع عينه في عيني رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع ليعود إلى الرابية بجواب بشأن مصير اقتراح قانونه الانتخابي (الأرثوذكسي). ومن دون تنسيق، تحرك المطران بولس مطر باتجاه خصوم الفرزلي في ما يخص اقتراحه ليحاول راعي أبرشية بيروت أن يخلص إلى ما خلصت إليه اجتماعات معراب .

 يمكن المقربين من النائب بطرس حرب الاسترسال في وصف غضبه من الحفاوة المعرابية في استقبال الوزير جبران باسيل، فيما لا يزال ينتظر الموعد الذي طلبه من معراب غداة إخراجه «لقاء المسيحيين المستقلين» من قبعة المستقبل السحرية، وهو اللقاء الذي اعتبره رئيس حزب القوات سمير جعجع موجهاً ضده. كما يمكن التوقف طويلاً عند قدرة نائب رئيس مجلس النواب السابق إيلي الفرزلي على حمل هاتفه لطلب موعد مع الرجل المتهم بطبخ تفجير مطرانية زحلة للروم الكاثوليك الذي أودى بإحدى عيني الفرزلي وكاد يقضي عليه، والاستفادة من شاعرية «دولة الرئيس» في وصف حيثيات اللقاء.
 
ويمكن التمعن في مفارقة إحلال باسيل محل النائب آلان عون الذي يتابع ملف قانون الانتخاب منذ أشهر فور نضوج طبخته. لكن القلّة المطلعة على أجواء الرابية ــــ معراب تؤكد تفوق مضمون محادثات جعجع ــــ باسيل (أول من أمس) على الشكل. فعطلة عيد الفصح الأرثوذكسيّ أججت الحماسة المارونية للعمل على خطين: الأول بين رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون وجعجع، والفرزلي سيارة إسعافه. والثاني بين البطريركية المارونية وتيار المستقبل ورئيس الجمهورية والنائب وليد جنبلاط، والمطران بولس مطر مهندسه.

 في زيارته الدورية للرابية، لحظ الفرزلي شكاً عونيّاً جدياً في تصويت جعجع على اقتراح قانون اللقاء الأرثوذكسي عند عرضه أمام الهيئة العامة للمجلس النيابيّ. وفي حسابات العونيين أن هامش المناورة يضيق عند مختلف الفرقاء. ففي حال أسقط الأرثوذكسي في الهيئة العامة (التي لم يحدد موعدها الرسمي أو النهائي بعد) ستكون القاعة نفسها أمام ثلاثة خيارات يحددها جدول أعمال الجلسة الذي يعده بري وهيئة المجلس: أولاً، التمديد للمجلس وهو ما يعارضه العونيون بشدة سواء لستة أشهر أو عامين، نظراً لأن ذلك سيكون مفتاحاً لتمديد ولاية رئيس الجمهورية وقائد الجيش والشلل الحكوميّ، فضلاً عن رهنه مستقبل العونيين السياسي بالأزمة السورية. ثانياً، تضييع وقت الجلسة باقتراحات ومشاريع قوانين لا علاقة لها بالانتخابات، ما يؤدي إلى بقاء قانون الدوحة سارياً.

ثالثاً، فتح بري باب تصويت النواب على اقتراحات القوانين الانتخابية الأخرى التي لا يمكن أن ينال أي منها نصف عدد النواب زائداً واحداً ما لم يكن مناسباً لتيار المستقبل، نظراً الى عدم امتلاك قوى 8 آذار والتيار الوطني الحر أي اقتراح بديل عن «الأرثوذكسي» يمكن أن يستقطب القوات أو الكتائب أو الاشتراكي. وفي حال حصل السيناريو الأخير، الذي لم يكتم الرئيس بري خشيته منه عندما ألحّ العونيون عليه لعقد جلسة للهيئة العامة، يكون المستقبل قد سدّد ضربة سياسية مؤلمة لقوى 8 آذار والتيار الوطني الحر. ولا تكون القوات، شريكة المستقبل، قد أسقطت القانون الذي يخيف حليفها الأزرق وحسب، بل عبّدت الطريق بذكاء لإقرار قانونه الانتخابي.


وكل ما يشاع في هذا السياق عن أثر تراجع جعجع عن الأرثوذكسي السلبي شعبياً عليه هو تمنيات لا يمكن فريقاً سياسياً أن يبني استراتيجيته عليها، خصوصاً أن أصوات الممتعضين من جعجع ستفقد تأثيرها في حال إقرار أي قانون غير الأرثوذكسي، فضلاً عن أن الاهتمام الشعبي العام بقانون الانتخاب وموعد الانتخابات وهوية المرشحين يكاد يوازي اهتمام النواب بمصالح من يمثلونهم. والأهم من ذلك أن تجربة عون مع جعجع عامي 1989 و1990، كما يروي الجنرال بعض أجزائها في مجالسه الخاصة ويروي منسق عام التيار بيار رفول أجزاء أخرى في كتاباته، لا تتيح لعون أبداً أن يثق بجعجع.

 في زيارته الاولى إلى معراب، دخل الفرزلي الحصن الكسروانيّ وخرج منه برفقة الوزير جبران باسيل في سيارة واحدة. لا يرضى جعجع التشكيك في صدقيته: «قلنا سنصوّت مع الأرثوذكسي، يعني سنصوّت معه. هذا قانوني وأنا أول من تبنيته بعدك يا دولة الرئيس. إقناعي بالتصويت مع الأرثوذكسي كمن يبشّر بولس بالمسيحية». ولكن، رغم حرص الفرزلي على إشاعة أجواء إيجابية عن نوايا جعجع، التقط الضيفان تمني مستقبلهما عليهما الاستفادة من الأسبوع المتبقي قبيل التئام الهيئة العامة للاتفاق على قانون، خصوصاً أن «النظام المختلط يمثل أرضية مشتركة يمكن لمختلف الفرقاء البناء عليها».

 هذا ما خلصت إليه اتصالات الرابية ــــ معراب، لتتقدم بعدها مباشرة بكركي في اتجاه تيار المستقبل والحزب التقدمي والرئيس ميشال سليمان. بعد الحرم الكنسي على قانون الستين، «أفتى» المطران مطر بأنه «لا يجوز إقرار قانون انتخابات بالنصف زائد واحد» رغم عدم وجود أي نص قانوني على ذلك. ولوّح راعي أبرشية بيروت بالرسالة السابقة خلال لقائه رئيس كتلة المستقبل النائب فؤاد السنيورة ثم الوزير وائل أبو فاعور.
 
ورغم تأكيده أكثر من مرة، في اليومين الماضيين، أنه مكلف بالتواصل «مع الفعاليات الإسلامية»، التقى مطر الرئيس سليمان، ليوحي بأن لقاءاته تستهدف القوى المعارضة لاقتراح القانون الأرثوذكسي. والأكيد أن «فتوى مطر» تستهدف، أولاً، «الأرثوذكسي» الذي يسعى العونيون لضمان تصويت القوات والكتائب معه ليحصلوا مجتمعين مع قوى 8 آذار على نصف عدد النواب زائداً ثلاثة. لكن، يقول مصدر قريب من مطر، يمكن البناء على «الفتوى» لإسقاط «الأرثوذكسي» أولاً، وإسقاط كل محاولات المستقبل تمرير قانون لمصلحته كما يخشى بري ثانياً. وعليه يكون هدف بكركي فرملة اندفاع القوى السياسية إلى جلسة الهيئة العامة بالخيارات الأربعة السابق ذكرها: لا «الأرثوذكسي» الذي ترفضه طائفتان هو الحل ولا «أرثوذكسي» على قياس المستقبل ولا «الستين» ولا «التمديد».

 حين كان جعجع يقول إن «النظام المختلط يمثل أرضية مشتركة يمكن لمختلف الفرقاء البناء عليها»، لم يجد الفرزلي وباسيل، لياقة، ما يقولانه غير هز رأسيهما. لكن ليس جعجع وحده من يقول ذلك بحثاً عن مخرج يضعه أمام شرين: استرضاء تيار المستقبل والتصويت ضد الأرثوذكسي، أو معه والافتراق عن المستقبل. فبكركي باتت تقول الأمر نفسه، في انتظار أن يتلقف الرئيس بري اقتناع عون بالسقوط الحتمي للأرثوذكسي والردع البكركوي لتيار المستقبل والاشتراكي، فيبني على الأرضية المشتركة بناء مشتركاً.

2013-05-08