ارشيف من :أخبار لبنانية

لبنان ... والرهانات القاتلة - أمين حطيط

لبنان ... والرهانات القاتلة - أمين حطيط

العميد د. أمين محمد حطيط - صحيفة "البناء"

في انتظار اتفاق يبدو انه لن يحصل قريباً على قانون انتخابات يرضي الجميع في الداخل اللبناني ويطمئن اليه الخارج المعني مباشرة بلبنان لجهة حفظ مصالحه في هذا الكيان الذي لم يستطع ابناؤه حتى الآن ان يقيموا دولة حقيقية فيه، وفي انتظار اتفاق شبه مستحيل كما هو ظاهر من واقع الحال حول تشكيل حكومة تستجيب لروح الدستور ونصوصه ولجوهر الميثاق الوطني المعدل في الطائف، وتعكس الاوزان الحقيقية للفرقاء اللبنانيين داخل مجلس النواب رغم انها أوزان لا تعكس حقيقة التمثيل الشعبي لهذه التيارات، بانتظار كل ذلك يبقى لبنان في خط سير انحداري باتجاه فراغ دستوري في السلطة التشريعية، مهما كانت القرارات التي سيحاول اصحابها الدفع اليها للتملص من هذا الفراغ، وقد يعقبه فراغ في السلطة التنفيذية في حال اقدام المسؤولين على تشكيل حكومة امر واقع لا تحظى بثقة مجلس النواب.

فعلى صعيد المجلس النيابي، وفي ظل ما اعتمد في الطائف وكرس في الدستور، لم يعد مجلس النواب طليق اليد في العملية التشريعية بعيدا عن اي رقابة كما كان حاله قبل الطائف او كما هو حال مجلس العموم البريطاني القادر على سن اي قانون مهما كان هذا القانون في طبيعته وموضوعه، فلبنان اعتمد بعد الطائف قاعدة الرقابة القضائية على دستورية القوانين عبر المجلس الدستوري الذي يستطيع ابطال اي قانون يرى عدم مشروعية دستورية فيه ولا يستطيع احد بعد ذلك تخطي قرار هذه المحكمة الدستورية العليا كما انها بذاتها لا تستطيع ان تسبغ الصفة الدستورية على قانون يفقدها.

نقول هذا حتى نذكر من يراهن على التمديد لمجلس النواب بقانون يقره المجلس ويصدره رئيس الجمهورية ان رهانك في غير محله دستوريا مهما كانت الصيغة او الحيلة الدستورية المعتمدة .

 فإذا كان قانون التمديد متضمنا نصا بسيطا بتمديد الولاية، فان المجلس الدستوري سيبطل القانون مستندا الى القاعدة الثابتة « ان الوكيل لا يستطيع ان يمدد فترة وكالته دون العودة الى الموكل» بمعنى ان الشعب (الموكل) هو وحده حصريا من يستطيع تجديد الوكالة او تمديدها ولا يكون ذلك الا عبر الانتخابات او عبر استفتاء شعبي .

اما اذا كانت آلية التمديد ستكون عبر تعديل قانون الانتخابات الذي جرت الانتخابات الاخيرة على اساسه وجعل ولاية المجلس ست سنوات بدلاً من اربع، او عبر تحديد تاريخ انتهاء ولاية المجلس الحالي وجعلها بعد تاريخ 20 حزيران 2013، فهنا سيكون في الامر احتيال على الدستور وتعديل قانوني مشروع في ذاته (لأن القانون يمكن ان يقر بمفعول رجعي) لكنه يخفي عملية غير مشروعة وهي تمديد الوكالة من غير العودة الى الموكل ويكون صورياً يخفي حقيقة ونعود فيها الى الحالة الاولى ويكون للمجلس الدستوري إبطال القانون المعدل لقانون الانتخابات ايضاً.

وعلى هذا الاساس ومهما كانت الصيغة التي ستعتمد للتمديد لمجلس النواب، فان المجلس الدستوري قادر على ابطال قانون التمديد بمجرد ان يوضع القانون بين يديه وهنا سيكون تعويل هام على دور رئيس الجمهورية في حماية الدستور والطعن بقانون التمديد إن أقر، كما ويبقى الرهان على وجود 10 نواب يحترمون دستور البلاد ويرفعون استحضاراً بهكذا قانون لوضعه بيد المجلس الدستوري. .. وكم كنا نحبذ ونتمسك الآن اكثر باقتراح لنا تقدمنا به في العام 2005 ويهدف الى تمكين المجلس الدستوري من وضع يده عفوا على قانون اصدر خلافا للدستور..

اما على صعيد الحكومة فان البعض تحدثه نفسه كما بات واضحا من المواقف المتصلبة او المتعنتة والرافضة للاستجابة الى قواعد الدستور والميثاق والعدالة في التمثيل، تحدثه نفسه بان يفرض على اللبنانيين حكومة امر واقع تسقط في مجلس النواب ولكنها تتولى الحكم في البلاد بعنوان «تصريف اعمال». وهنا تبدو المغالطة والرهان غير المحسوب ايضاً . فـ «تصريف الأعمال» كما يفهم من روح الدستور ونصه، يعني القيام بالعمل الذي لا ينشئ واقعاً جديداً ولا يتطلب قراراً جديداً ولا يرتب نفقة لم تكن قد عمل بها، وينحصر في تنفيذ ما يشكل تأخيره ضرراً اكيداً بمصلحة وطنية او مرفق عام او مصالح المواطنين جماعات او فرادى. وهنا يكون لمجلس شورى الدولة صلاحية تقدير واسعة بحكم وظيفته الرقابية على اعمال السلطة التنفيذية المتممة بصفة «تصريف أعمال»، ويمكن لاي متضرر من قرار يتخذه وزير في حكومة تصريف الاعمال أن يلجأ الى هذا المجلس طاعناً بهذا القرار طالباً إبطاله، فالدولة في هذه الفترة تكون في عملها شبه مجمدة أو شبه متوقفة.

وفضلاً عن ذلك لا يمكن ان نغيب مسألة سياسية هامة تتعلق بمحاولة وضع اليد على السلطة بتجاوز ثقة مجلس النواب مع سابق تصوّر وتصميم. حيث انه في هذه الحالة لا نرى امكانية حقيقية لتصريف الاعمال بذاتها وتشكيك بقدرة او صلاحية مثل هذه الحكومة في القيام بتصريف الاعمال، لأن هذا قد يشجع البعض في الحكومة السابقة للعودة الى السطة وامتناع الوزراء فيها عن تسليم وزاراتهم للخلف الامر الذي سيقود الى ظهور حكومتين الاولى تدعي الشرعية الدستورية، والثانية تدعي الشرعية الواقعية المستمدة من استمرارية المرفق العام وعدم قيام حكومة دستورية صحيحة لتسلمها ازمة الامور وسيتكرر في هذا الحال مشهد العام 1988 حيث كانت حكومتان تتنازعان الشرعية ولم تتوحد السلطة الا بعد مخاض عسير ميداني وسياسي لا يريد احد في لبنان كما نعتقد العودة اليه.

وعليه نرى ان حكم الدستور يسقط فرضية التمديد لمجلس النواب، ومحاذير النزاع حول شرعية حكومة امر واقع تصرف الاعمال تسقط فرضية تخطي مجلس النواب وتشكيل حكومة لا تمثل الاكثرية المطلقة من هذا المجلس وبشكل اكيد حتى وقبل بيانها الوزاري الذي ستمثل على اساسه امام المجلس، ومع هذه الحقيقة نرى ان من يراهن على هذا او ذاك إنما يراهن على سراب خادع او وهم قاتل لأننا نرى أنه بحلول 20 حزيران 2013 لن يكون هناك مجلس نواب يتولى امر السلطة التشريعية، وكل ما يصدر عن هذا المجلس بعد هذا التاريخ يكون عن غير ذي سلطة او صلاحية ولا يكون أمراً ملزماً واجب الطاعة من قبل اللبنانيين. بما في ذلك فترة ما يسمى «التمديد التقني» وهي بدعة لا ادري اي «مفكر» او فقيه «او فيلسوف» دستوري أطلقها وسار عليها الآخرون، اذ ليس في الدستور او أي نص آخر ما يسمى تمديد تقني، فالتمديد هو التمديد ذو الطبيعة السياسية. أكان ليوم او لعقد او لقرن من الزمن.

وعن اتجاه الحكومة فإننا نرى ان اي مغامرة او مجازفة بتخطي الحقائق الوطنية والدستورية انما هي قفزة في الفراغ ودخول في مجهول لا يعلم احد إلى أين يؤدي بصاحبه وبالوطن، ويكون أقله إسقاط النظام السياسي القائم على اساس الطائف ووضع الجميع أمام مسؤولية البحث عن نظام أكثر عدالة. وأكثر قدرة على تأمين الاستقرار السياسي وإصلاح ما أفسد في الطائف نصاً او ما كان أفسد منه في الممارسة تطبيقاً .

اما الرهان البعيد على متغيرات اقليمية ودولية من البوابة السورية فقد تؤدي حسب ظن البعض الى تغيير جذري لصالحه حيث يقتلع محور المقاومة من المنطقة ويفتح الطريق امام الحل الاميركي الغربي الصهيوني وينصب او يفرض تنصيب اتباع اميركا حكاماً للبنان كما حصل بين الـ 2005 و2008، فهو أيضاً من الرهانات الأكثر حمقاً ورعونة لأنه رهان يقفز فوق حقائق وثوابت نهائية ليس أقلها القول بأن المواجهة مع العدوان على سورية لن يتوقف الا عند هزيمة المعتدي وأن الجبهة المدافعة درست وضعها وحزمت أمرها وقررت ان تنتصر، والنصر بالنسبة لها هو المخرج الوحيد من الأزمة وسيكون النصر مهما كان ثمنه. ولذلك فمن يراهن على هزيمة محور المقاومة حتى يستولي على السلطة بعيدا عنها فانه سيبقى منتظرا ولن يكفيه عمره كله في ساحة الانتظار، ومن يرفض نوعا من عدالة وواقعية اليوم سيرى نفسه مضطرا غدا لخسارة اكبر تلحق به عندما سيكون الزاميا إعادة النظر بكل النظام السياسي اللبناني وعندها لن تستمر امتيازات طائفة الطائف ولن يبقى لبنان محكوما بشخص .
2013-05-09