ارشيف من :أخبار عالمية
القمع يحرقنا ويقتلع أعيننا!
سوسن دهنيم - صحيفة "الوسط" البحرينية
«ماما اللّي احترق البارحة هو البيت اللي كنا نمر عليه إذا رحنا البرادة الجديدة صوب بيت ماما عودة؟»
- نعم ماما هو نفس البيت.
بهذا بدأ حواري وطفلي قيس الذي شاهد صور البيت الذي احترق بسبب طلقة الغاز المسيل للدموع في جزيرة سترة خلال ظلام يوم الاثنين، واحترق معه مشروع جارنا الذي كرّس جهده في جمع محتوياته وأنفق ماله على بضاعته التي كانت تلفت انتباهنا كلما مررنا بنفس الشارع.
بضاعة أحد أبناء هذه الأسرة احترقت بالكامل، وشقتا ابنيهما اللذين فضّلا البقاء في بيت العائلة هرباً من الإيجارات المرتفعة احترقتا، والمطبخ والصالة والحجرة في المكان الذي تعيش به أمهم الأرملة احترقت أيضا! وقبل كل هذه الأضرار المادية، احترق الأمان الذي يشعر به المرء في بيته، واحترقت فرحة أطفال هذه الأسرة بكل ما يملكون من ألعاب ومقتنيات انصهرت مع النار، ونحمد الله على سلامتهم من هذا الحدث، وعدم تعرضهم لأذى جسدي هم وأهلهم.
كيف لا يحترق شعور أفراد هذه الأسرة وغيرها من الأسر التي تسكن في المناطق التي تشهد احتجاجات ليلية بالأمان، وهذا ليس البيت الأول الذي يحترق بسبب القمع العنيف للمتظاهرين منذ فبراير 2011، وإن استمر الوضع على ما هو عليه لن يكون هذا هو البيت الأخير بالطبع.
لن يكون هذا البيت الأخير الذي يحترق بفعل القمع العنيف لسبب بسيط؛ وهو أننا سمعنا ببيوت احترقت من قبل، لنفس السبب، بعضها أعيد بناؤه بواسطة تكاتف أهالي البحرين مع بعضهم، لكننا لم نسمع بأفراد من قوات الأمن أوقفوا وحُقِّق معهم بسبب هذا العمل الذي سيعتبره القائمون عليهم مجرد «خطأ عابر». هذا القمع الذي لا يجد مرتكبوه من يحاسبهم، هو سبب أيضاً في حالات اختناق كثيرة، أدت إلى وفاة مواطنين من مختلف الأعمار، وأدت إلى إجهاض أجنّة حرموا حقهم في المجيء إلى الحياة، وحرم ذووهم من معانقتهم بحسب شهادات أصحاب الحالات وتشخيص الأطباء، ومع ذلك لم نسمع باسم أي شخص تسبب في هذه «الأخطاء» و»التصرفات الفردية» قُدّم للمحاكمة.
وأعود إلى البيت الذي أغمضنا أعيننا ليلة احتراقه على صور النيران وهي تلتهمه، واستيقظنا في اليوم التالي على صور الحطام والبقايا المتناثرة التي خلفتها النار، وخبر منشور في صحيفة محلية واحدة بينما أهملت الحدث بقية الصحف كعادتها حين لا يتعلق الأمر بمواطني الدرجة الأولى بحسب تصنيفاتهم. هذا الإهمال يجعلنا نتساءل عن مهنية هذه الصحف، وعن روح الوطنية التي لم تتحرك لدى كثير من الإعلاميين في مواقف كثيرة، آخرها هذا الموقف وما سبقه من حدث أبكى حتى من هم خارج البحرين، وهو فقدان الطفل البرئ أحمد النهام لعينه اليسرى وعودته من رحلة علاجه بعين واحدة وابتسامة كانت زاده برغم الألم!
أحمد النهام أيضاً كان ضحية للقمع العنيف الذي يفنّد كلام المسئولين في وزارة الداخلية بخصوص تحلّي منتسبيها بأعلى درجات ضبط النفس! فإن كانت هذه هي آثار ضبط النفس، فكيف تكون آثار ما سواها؟
ها هي قرى تحترق بسبب سياسة الإفلات من العقاب، وأعين لمواطنين تفقأ، بينما لا ترى أعين المسئولين شيئاً من هذا الواقع!
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018