ارشيف من :أخبار لبنانية
آخر الغارات!
حبيب فياض - صحيفة "السفير"
الغارات الاسرائيلية الاخيرة على دمشق خلقت ظروفا مؤاتية لمعادلة جديدة في الصراع بين اسرائيل ومحور المقاومة. عدم الرد السوري كان متوقعا، على ما جرت العادة في حالات مشابهة. دمشق هذه المرة، كما في كل مرة، لم ترد، لكنها، بخلاف المرات السابقة، لم تبق مكتوفة الايدي، ولم تكتف باحالة الرد الى زمان ومكان مناسبين، بل هي ذهبت الى ما هو ابعد من الرد الكلاسيكي القائم على مبدأ «ضربة مقابل ضربة»، واستعاضت عن ذلك بتبني استراتيجية رد تنطوي على عناصر عديدة ومتكاملة. الاستراتيجية هذه تحقق للجانب السوري التوازن مع تل ابيب في حالتي الردع والمواجهة، بما يضمن تجاوز مكامن الخلل في التوازن العسكري المختل لصالح الجانب الاسرائيلي. الامر باختصار ينطوي على اعادة تموضع سوري على قاعدة التحول من الممانعة الى المقاومة.
أولا، جدية القرار السوري بالرد الفوري على اي عدوان جديد سيفقد اسرائيل فرصة القيام بضربات محدودة، وسيضعها امام أرجحية الحرب المفتوحة التي ستصبح، والحال هذه، امرا واقعا. ذلك ان عدم رد دمشق سابقا هو الذي كان يعطي العدو الجرأة للقيام باعتداءاته الجوية المتكررة على اهداف سورية، وكان يشكل له ضمانة بعدم ذهاب الامور الى حد الحرب، فيما حتمية الرد سوري من الآن فصاعدا، ستشكل رادعا لتل ابيب، لان ذلك سيضعها امام امرين: اما السكوت الذي سيطال هيبتها، واما الذهاب الى حرب لا تريدها .
ثانيا، في ظل الهجمة الدولية والاقليمية التي تستهدفها، لم يعد لدى دمشق المحاذير التي كانت تمنعها من فتح جبهة الجولان امام اي عمل مقاوم. فالنظام السوري الذي سحبت منه «الشرعية» ولم يعد معترفا به من قبل شريحة كبيرة من المجتمع الدولي، يستطيع ان يدير ظهره لاية التزامات دولية، وان يعتبر نفسه غير مطالب ازاء ما يمكن ان تشهده هذه الجبهة. ذلك ان ما تتعرض له سوريا حاليا هو حرب مكشوفة، تبرر لها تجاوز كل الخطوط الحمر والمحظورات.
ثالثا، ان ذهاب دمشق الى تزويد «حزب الله» باسلحة نوعية وأكثر تطورا، من شأنه أن يعزز تردد اسرائيل ازاء القيام بأي عدوان على جبهتها الشمالية مع لبنان، ومن شأنه ايضا ان يشكل عاملا اضافيا يرجح انتصار المقاومة اللبنانية في اي مواجهة محتملة.
رابعا، ما تقدم يعزز أكثر من اي وقت مضى فرضية الترابط بين الجبهتين اللبنانية والسورية. صحيح ان فتح الجبهة اللبنانية قد لا يستدعي فتح الجبهة السورية، لكن العكس يصح. بمعنى ان «حزب الله» لن يبقى متفرجا مقابل اي اعتداء اسرائيلي على سوريا في ظل انشغالها في جبهتها الداخلية. خاصة ان موقف الحزب لا يرى في مثل هذا الاعتداء سوى محاولة اسرائيلية لاسقاط نظام الرئيس بشار الاسد. ووفقا لمعادلة بسيطة، فان «حزب الله» الذي يدعم دمشق عمليا مقابل الجماعات المسلحة، من باب اولى انه لن يبقى متفرجا في حال دخلت تل ابيب معها في اي مواجهة مفتوحة.
من الواضح ان لا أحد يريد الحرب، لكن الجميع سيجد نفسه منجرا اليها عند اية شرارة محتملة في المرحلة المقبلة. غير ان ذهاب محور المقاومة نحو استراتيجية جديدة في التعامل مع التهديدات الاسرائيلية يدفع الى مرحلة من التهدئة بعيدا عن أَنصاف الحروب...
ثمة في الواقع المستجد بين دمشق و«حزب الله» ما يمكن تسميته باستراتيجية تبادل القوة وتجاوز الضعف.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018