ارشيف من :أخبار لبنانية
الرأي قبل شجاعة الشجعان
الياس عشّي - صحيفة "البناء"
منذ أن قصفت «إسرائيل» مركزاً للبحوث العلمية في جمرايا إحدى ضواحي دمشق ، والناس يتساءلون : هل ستردّ سورية على الغارة ؟ ومتى ؟ وأين ؟ وكيف ؟ من دون أن يفطنوا إلى أنّ الهدف الأساس من هذا الاعتداء هو استدراج القيادة السورية إلى الردّ وتحويل الصراع السوري الداخلي إلى صراع دوليّ تسقط فيه كلّ المحرّمات ، تماماً كما سقطت ، بعد انتهاء الغارة، كلّ الأقنعة ، فإذا التحالف بين يهود الخارج ويهود الداخل حلف استراتيجي صريح بدت ملامحه مع بداية الأزمة السورية ، وتظهّر مع الاعتداء على جمرايا.
فالجيش العربي السوري ، في معركته مع المسلّحين، يتقدّم في ميادين القتال ، ولا سبيل لإيقافه إلاّ بحرب مفتوحة مع الكيان اليهودي ، حرب تريح المعارضة السورية المسلّحة ، وتفسح في المجال لتمدّد صهيوني آخر ، يوسّع دائرة الاحتلال.
«إسرائيل» مشهود لها باقتناص الفرص وضمّ أراض جديدة إلى دولتها المفترضة أن تكون « من الفرات إلى النيل».
من هنا تفاوتت النوايا بين الأفرقاء :
- فريق المعارضة المسلّحة الذي انتظر ردّاً فورياً يفيد منه في معركته مع الجيش النظامي .
- فريق من الموالاة تمنّى أن يأتي الردّ سريعاً، لأن للسوريين كرامة، ولا يجوز العبث بكرامتهم ووقفات عزّهم وتاريخهم المجيد. ومن الطبيعي أن تكون النوايا على طرفي نقيض بين الفريقين، لكنّ النتائج واحدة.
- فريق ثالث متبصّر أدرك أنّ كل ما يطلبه العدو من القيادة السورية أن تقوم بردّ فعل غير محسوب العواقب، ليبدأ العدّ العكسي لتدمير سورية حجراً وإنساناً وحضارةً . هذا الفريق حمل جرحه ، وتمنّى على كلّ من آمن بأن مصلحة سورية هي فوق كلّ مصلحة ، أن يكفّوا عن المواقف المنبرية ، والتحاليل المرتجلة ، والخطب العاطفية ، وأن يؤمنوا أنّ القيادة السورية تعي ما تريد ، وتفكّر بصوت هادئ مسموع لمن يحسن آداب السماع .
السؤال : لِمَ لا نفيد من قراءة ما حدث في حرب تموز سنة 2006 ؟ فما إن أسرت المقاومة الوطنية اللبنانية الجنديين «الإسرائيليين» حتّى شنّت الدولة العبرية ، مأخوذة بردود الفعل ، حرباً مفتوحة على لبنان انتهت ، بعد ثلاثة وثلاثين يوماً، بهزيمتها واستجدائها وقفاً لإطلاق النار .
ثمّ ألم نخض ، نحن العربَ ، حرب حزيران 1967 بارتجال عبّر عنه نزار قباني بقوله :
« بالناي والمزمارْ
لا يحدث انتصارْ
كلّفنا ارتجالنا
خمسين ألفَ خيمةٍ جديدةْ » ؟
سورية اليوم هي لاعب أساس في إنهاء القطبية الواحدة ، وفي الوفاء لالتزاماتها القومية، وفي الدفاع عن النسيج الوطني الذي رُسمت ملامحه في محطٌات كثيرة من تاريخها المعاصر ، وفي الحفاظ على أغلى دُرّة من دررها الكثيرة عنيت بها وحدة سورية ووحدة السوريين . ومن يحمل كلّ هذه الأعباء عليه أن يدافع عنها برأي سديد ، وشجاعة حكيمة. ألم يقل المتنبّي في هذا المعنى :
« الرأيُ قبلَ شجاعةِ الشجعانِ
هو آوّلٌ وهْي المحلّ الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفسٍ حرّةٍ
بلغتْ منَ العلياءِ كلَّ مكانِ « ؟
بلى، قالها، ليدخل الحكمة من بابها الواسع .
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018