ارشيف من :أخبار لبنانية
عهد اللا شيء
غسان سعود - صحيفة الاخبار
بالنسبة الى رئيس الجمهورية ميشال سليمان، كل لبنان في كفّ، وبلدته عمشيت في الكفّ الأخرى. رغم التعطيل وصعوبات التأليف والتصريف، كانت السنوات الخمس التي يستعد سليمان لإطفاء شمعتها حافلة بـ«الإنجازات». ولكن «لا كرامة لنبي في قومه». تسمعه عمشيت يردّد: أنا سليمان يا أبي، إخوتي لا يحبونني، لا يريدونني بينهم
اصفرّت أسنانه واحمرّ شعره ورمّدت الشمس وجهه في الصور الملصقة على واجهات الدكاكين المبعثرة في السوق العمودي في عمشيت. في البلدة ألف محطة وقود ومحطة، وقصور أثرية رائعة، ومسنّات مثقفات، وصوت مرسيل خليفة، وسيارات تركت مخالفات الشاطئ البحرية لعشّاقها مساحة واسعة يركنون فيها. لا يعرض أصحاب الدكاكين صوراً حميمة لهم برفقة الرئيس، أو صوراً التقطت له في دكاكينهم خلال زياراته لهم، كما تفعل بلدات الرؤساء الأميركيين والأوروبيين، وحتى السوريين. لكنها الصورة الرسمية نفسها التي طبعتها إحدى فرق تبييض الوجه غداة انتخابه رئيساً قبل خمس سنوات.
كانت السنوات الخمس الماضية حافلة بـ«الإنجازات». فليفرد العلمانيون أصابع أياديهم: في عهده سُجّل أول زواج مدني يعقد في لبنان، بات يمكن اللبناني شطب قيده الطائفي، أحيل قانون انتخابي بنظام نسبي على مجلس النواب، وأطلق البرنامج الوطني لدعم الأسر الأكثر فقراً. والآن أيادي السياديين: في عهده بدأ التبادل الدبلوماسي بين لبنان وسوريا، رأس لبنان مجلس الأمن الدولي ومجلس وزراء الخارجية العرب، وبدأ البحث في وضع استراتيجية دفاعية لحماية لبنان. لا هم أين انتهت هذه جميعها، المهم أنها بدأت. وليهنأ المسيحيون: في عهده كُلّفت السفارات بتسجيل الناخبين تمهيداً لتصويتهم في دولهم (في يوم من الأيام)، وأحال مجلس الوزراء على المجلس النيابي قانون إعادة الجنسية اللبنانية إلى مستحقيها. وفي موازاة حرصه، بحسب قيد الإنجازات في رئاسة الجمهورية دائماً، على «تفقد أحوال اللبنانيين في نيويورك ومحيطها بعد إعصار ساندي»(!)، زار سليمان سويسرا واليونان لـ«تفقد الجالية اللبنانية» ضمن جولات شملت قطر والسعودية ودولاً أفريقية وأوروبية وأميركية لاتينية. ولا همّ في بقاء الانجازات حبراً على ورق لافتقادها الآلية التشريعية والإدارية التي تتيح للمواطنين الاستفادة منها. المهم أن يسجّل التاريخ أن الرئيس كان المبادر. «كان الرئيس ميشال سليمان مع النسبية، لكن ظروفاً اضطرته إلى إجراء ثلاث عمليات انتخابية في ظل أنظمة أكثرية»، سيقول التاريخ. «كان الرئيس ميشال سليمان يتمنى من كل قلبه تمتع المرأة اللبنانية بحق إعطاء الجنسية لأبنائها، أسوة بغالبية نساء العالم، لكن الظروف حالت دون تحقيقه أمنياته». يزور سليمان نقطة من المساحات الخضراء الهائلة التي التهمتها النيران، فتعدّ رئاسة الجمهورية الزيارة إنجازاً رئاسياً في مواجهة النيران. يستقبل وفداً قضائياً فيسجل ذلك إنجازاً رئاسياً في الإصلاح القضائي. تشبه هذه الإنجازات الإنجاز الرئاسي الأبرز: الحوار في قصر بعبدا. هذا الانجاز الذي أثّر في حياة كل لبناني وغيَّرَها. تدرج رئاسة الجمهورية زيارة البابا بنديكتوس السادس عشر لبيروت ضمن إنجازات الرئيس و«تكريسه موقع لبنان الدولي»! وإن تنسى الإنجازات، فلن تنسى «ترؤسه اجتماعاً للملجس الأعلى للدفاع لبحث الوضع الأمني» بعد تفاقم الشكاوى من تسلل السلاح والمقاتلين من لبنان إلى سوريا والعكس، وبحثه مع وزير الشؤون الاجتماعية وائل أبو فاعور في وسائل مساعدة اللاجئين السوريين. وسيذكر التاريخ، أيضاً، توجيه سليمان رسالة الاستقلال الثامنة والستين إلى اللبنانيين من قلعة راشيا. تكاد الرئاسة تدرج صورة الرئيس وأسرته عشية عيد الميلاد ضمن الإنجازات الرئاسية.
لا يغير تساقط الأيام من روزنامة العهد السليمانيّ الكثير في عمشيت. في البلدة رئيس للجمهورية وليس فيها شبكة مجارير. في البلدة وزير للبيئة (النائب السابق ناظم الخوري) فيما تُنصب جبّالة باطون غصباً عن بلديتها في قلب شاطئها الذي يمثل المتنفس المجانيّ الوحيد لأبنائها ولأهالي جبيل وكسروان. لا مشروع بيئياً واحداً، ولا مشروع سياحياً أو غيره يشعر الأهالي ــــ بعيداً عن الخدمات الفردية التي يمكن أي مختار نافذ أن يقدمها ــــ بأن لسنوات فخامته الخمس نتائج تستوجب الصلاة لكي يتثاقل مرور العام السادس أو ليتمدّد ثلاث سنوات إضافية. بات لسليمان شارع في عمشيت وبولفار ومجمع رياضي ومرفأ ومستوصف، وقد صرف مجلس بلدية عمشيت السابق نحو 400 ألف دولار، بحسب أحد أعضائه، لإحياء الاحتفالات ابتهاجاً بانتخابه رئيساً، لكنه استصعب تمليك بلدية عمشيت المقر الذي تستأجره من وزارة التربية، أو وضع الأملاك البحرية بتصرفها كما فعل لبلديتي البترون وجبيل. وفي ظل حصر فريق الرئيس التزفيت بالأزقة التي يقطعها من منزله لافتتاح زنقة باسمه، يفكر بعض العمشيتيين جدياً في تسمية بعض الغرف في منازلهم باسمه ودعوته لافتتاحها علّ الزفت يصل الى منازلهم.
بعد تمثّله بوزير الدفاع «الويكيلكسي» السابق الياس المر بشكل رئيسي في حكومة عهده الأولى، كانت الوزيرة منى عفيش خير من مثّله في الوزارة الثانية، قبل أن يحتكر الوزير مروان شربل تمثيل الرئيس والتعبير عنه في الحكومة الثالثة. واختيار سليمان لشربل يبقى سراً، خلافاً لقصة الوزير السليماني الآخر في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي سمير مقبل، الذي بقي التساؤل عن توزيره لغزاً حتى تتالت «مصادفة» اجتماع الرئيس ووزيره في طائرة الأخير. ومن الفيلم الطويل لتأليف الرئيس سعد الحريري حكومته، إلى مسلسل التشكيلة الميقاتية الممل، فمشهد تصريف الأعمال الثنائي الأخير (سياسياً في المصيطبة وإدارياً في السرايا)، فاض العهد السليماني بشغور حكومي لا يوازيه شيء في الكشف عن بؤس العهد وعجزه عن تسيير شؤون البلد، غير الشغور الإداري الذي بلغ حجماً قياسياً تتجاوز نسبته في بعض الإدارات ثمانين في المئة. وسليمان هو أول رئيس للجمهورية يأتي ويذهب من دون إجراء تعيينات إدارية، تعبّر عادة عن توجّه العهد وتساعد الرئيس في تطبيق برنامجه. هنا الإنجاز.
يحاول المحيطون العمشيتيون بسليمان إلباسه لباس البكوية، للدلالة على أهمية شأنه وتجذره في القيادة، مرددين أن جده غطاس كان من بكوات عمشيت. أما المطلعون على تاريخ السلالات العمشيتية فيشبّهون ذلك بوصف البلاط الحريريّ للرئيس رفيق الحريري بالشيخ رفيق، رغم أن علاقة أبو بهاء بالمشيخة مثل علاقة المشايخ السعوديين بالأدب الفرنسيّ. ففي تفاصيل تلك البلدة النائية بنفسها عن ضجيج الأوتوستراد الشمالي رغم اختراقه لها، تختبئ جذور طبقية خلف الصراعات السياسية التي بدأت بمواجهة مكشوفة بين شباب يساريين مثل أسد روحانا ويوسف قصيفي وعبدالله زخيا، وإقطاع عائلي يختزله نافذون في ثلاث عائلات كبيرة (كرم وكلاب وعبيد)، قبل أن يتسيّس هذا الصراع الطبقي نفسه ضمن معسكري الدستوري والكتلاوي. ولأن جارتها جبيل كتلاوية، تقول إحدى الروايات الشعبية التي تجد ــــ ككل الروايات ــــ ألف رواية تناقضها، كانت عمشيت دستورية. احتكر منزل النائب السابق ناظم الخوري تمثيل البلدة، عبر والده النائب السابق شهيد الخوري قبل الحرب، وبشخصه بعدها. وعلى هامش الصراعات القروية الكبيرة، كانت الأسرة السليمانية تخوض حروبها الخاصة. فالمدير العام لوزارة التربية، اليوم، فارس الخوري، ليس إلا مدير ثانوية عمشيت السابق الذي كان يؤجر الضابط سليمان شقة في بنايته. أما شقيقه المحامي الشاب أنطوان سليمان الذي كان يكدّ في عمله ليحقق حلمه بافتتاح مكتب المحاماة الخاص به، فغدا محافظاً ليس للبقاع وحده، بل لجبل لبنان أيضاً. وفي السياق، تخلى شقيقه الأكبر غطاس سليمان عن ختم المختار، وهو كان مصدر عيشه الرئيسي، بعدما بات شقيقه رئيساً، ليهتم بأملاك العائلة.
في ختام عامه الرئاسي الخامس، علاقة الرئيس سليمان بالنظام السوريّ الذي عيّنه قائداً للجيش وشارك في مفاوضات الدوحة لانتخابه رئيساً باتت سيئة، وليس في سوريا أو بين حلفائها اللبنانيين شخصية واحدة تشجع على إعادتها إلى سابق عهدها. وفي المقابل، يروي ضيوف السفارة الأميركية أن مستقبليهم يستفسرون منهم عمن يقصدونه حين يقولون «الرئيس» في سياق الأحاديث. أما الدبلوماسيون الأوروبيون فيبقون أياديهم على جوازات سفرهم خشية تضييعها حين يزورون قصر بعبدا. وتجدر الإشارة إلى أن المسؤول عن إثارة فضيحة جوازات الرئيس الفرنسية المزورة ليس الاستخبارات الفرنسية، ولا وزارة الخارجية اللبنانية التي تكتّمت على الموضوع، ولا دوائر الأمن العام اللبناني التي راسلتها الأجهزة الأمنية الفرنسية، ولا الإعلام الفرنسي الذي تطرق إلى الملف، بل أسرة المحامي اللبناني الذي تكبّد الدفاع عن «عملة» الرئيس أمام القضاء الفرنسيّ، لكن المعنيين بدفع تكاليفه سعوا للتهرب منه.
تعجب الديمقراطية السعودية الرئيس، ولا شيء يسحره ويدغدغ أحلامه أكثر من قدرة قطر، رغم حجمها الصغير، على لعب دور يتخيّله الرئيس كبيراً. وفي علاقته بالأطراف المحليين، تجلسه قوى 8 آذار على كرسي هزاز بين عميد حزب الكتلة الوطنية كارلوس إدة والنائبة السابقة نايلة معوض. أما سرور تيار المستقبل بـ«مواقف الرئيس التي أصبحت وطنية»، بحسب تعبير نوابه، فلم يتحول أبداً إلى تحالف مماثل لما هو قائم بين سليمان والنائب وليد جنبلاط. وخلاصة المعلومات المتقاطعة بين مختلف القوى السياسية على هذا الصعيد أن سليمان يكاد يكون عضواً سرياً في اللقاء الديمقراطي. وخلافاً لما يشاع عن وقوف المختارة، للمرة الأولى في تاريخها، خلف الرئاسة الأولى، فإن هذه المرة الأولى التي تجلس فيها الرئاسة الأولى في المختارة.
لم ينسَ سليمان، تبعاً للأصول، أصدقاءه: عيّن شقيق زوجته الطبيب فريد سليمان عضواً في مجلس إدارة كازينو لبنان. صهره الأول وسام بارودي مرشح مع وقف التنفيذ للانتخابات النيابية. صهره الثاني نبيل حواط يرافق الرئيس في رحلاته بوصفه رجل أعمال. صديقه العمشيتي السفير بهجت لحود غدا «مستشار الرئيس للشؤون السياسية والاغترابية». لحود لحود، ابن فارس لحود المفضل على فخامته في شبابه، استيقظ مديراً للمراسم في القصر الرئاسي. صديقه وابن عمه بيارو سليمان بات «مستشاراً لشؤون الأوسمة»، مع تأكيد غالبية العمشيتيين أنه لا يخدم فعلياً غير المقربين جداً منه.
رغم رهان الرئيس عليه، فشل ناظم الخوري في إثبات نفسه، حتى في عمشيت، في مواجهة النائب العمشيتي العونيّ وليد الخوري، فمنحه الرئيس حقيبة وزارية كتعويض لنهاية خدمته معه. وبعد حسمه وجوب تأمين استمرارية أسرته السياسية بعد مغادرته بعبدا لما فيه خير البلاد والعباد عبر ابنه شربل، كُلِّفَ شقيقه غطاس بالمهمة الصعبة. يتّكل خبير التخمين سابقاً على معرفته الوطيدة بالناخبين واللاعبين الانتخابيين الرئيسيين ،ليس في عمشيت فقط بل في سائر أنحاء جبيل بحكم رئاسته سابقاً رابطة مخاتير جبيل. ويضم فريقه قائمقام جبيل بالوكالة نجوى سويدان فرح (زوجها نبيل فرح آمر فصيلة الحدت) التي تسترضي، رغم عونية أسرتها، الرئيس بهدف تعيينها قائمقاماً أصيلاً في كسروان أو أمينة سر محافظة جبل لبنان. كذلك يضم مسؤول الاستخبارات في عمشيت العقيد رفيق زغندي، المماثل لسويدان في عونيّة عائلته (شقيقه جورج كان منسق التيار الوطني الحر في عمشيت)، والمدير العام لرئاسة الجمهورية الكسروانيّ أنطوان شقير، والأخوين فيليب وأديب أبي عقل، ورئيس اتحاد بلديات جبيل فادي مرتينوس الذي أقنعه سليمان كما أقنع رئيس جمعية الصناعيين نعمة افرام قبله بأنه يودّ تعيينه وزيراً لكن رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون يعارض ذلك. وفي الفريق أيضاً رئيس بلدية جبيل زياد حواط الذي يساير الرئيس، لكنه يدور فعلياً في فلكي القوات والمستقبل، فنادراً ما يفوته احتفال في معراب، بما في ذلك المناسبات الحزبية الخاصة، ونادراً ما يمر شهر من دون أن يلتقيه منسق عام تيار المستقبل أحمد الحريري على كأس نبيذ في جبيل. وكذلك رئيس بلدية نهر إبراهيم الكتائبي طوني مطر الذي يبقي وزير الداخلية، متّكلاً على مسوغات قانونية، مجلسه البلدي على قيد الحياة بعد زواج عضو المجلس نادين صليبا رجلاً من خارج البلدة وتأجيلها تسجيل زواجها رغم إنجابها ابنة، لتمتّع خصوم مطر داخل المجلس بأكثرية في حال إبطال عضوية صليبا. وأخيراً رئيس بلدية العاقورة الذي يوازن في ولائه بين سليمان والنائب السابق فارس سعيد. أما حجر الزاوية المالي في هذه المجموعة فهو الرئيس السابق لجمعية المصارف فرنسوا باسيل.
لا تثق القوى السياسية بالرئيس. قوى 8 آذار والتيار الوطني الحر حسمت أمرها، يقول الوزير سليمان فرنجية، بصوت عال، أقل بكثير مما يتهامس به الآخرون. يمرر تيار المستقبل به الوقت. يسر النائب وليد جنبلاط بكل مسيحي تتحكم المختارة في تاريخ صلاحيته. ولا يكاد يصطفي الرئيس فارساً له في دائرة حتى يخطفه رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع. لا تحبه القوى السياسية. أما في المؤسسة العسكرية فخرج نفوذه منها كما تخرج الشعرة من العجين. وفي عمشيت لا يقصده إلا من يحتاج إليه في خدمة طارئة يعلم أن النائب وليد الخوري لا يخدمه فيها. تقول عمشيت إن إحدى أسرها قدمت لها مستشفى مجانياً، وأسرة أخرى قدمت مدرسة ابتدائية مجانية أيضاً، ونائبها الذي تفادى إحراجها بمطالبتها بأن تصوّت له حتى في الانتخابات النيابية الماضية يركض وشقيقاه الطبيبان أمامها ليلاً ونهاراً. لا تقول عمشيت إنها لا تحبه على غرار السياسيين. يكتفي أحد الناشطين السياسيين في البلدة بالإشارة إلى عدم محبتها لمن يظهرون تكبّراً في تعاملهم معها ومن يضطرونها إلى التفرغ للترحيب بهم كلما حضروا إلى البلدة كأنهم أنبياء عصرهم، ومن يعتقدون بأن لوحة سيارة مميزة تشتري ولاءً سياسياً. أما الرئيس ميشال سليمان فلا يهتم: يقرأ الرئيس إنجازاته في موقعه الإلكتروني فيبتسم. تصله معلومات أن «المعزات» الثماني التي كان المسؤول العوني في بلدة ترتج يسعى لإبعادها وفق القانون عن الأحياء السكنية بقيت في حظيرتها، فيبتسم أكثر. يعلمه السكرتير الإعلامي أديب أبي عقل أن عدد المعجبين الافتراضيين بصفحته الفايسبوكية تجاوز مئة وثمانين ألفاً فيبتسم أكثر وأكثر. يستيقظ عند زيارته الموسمية لعمشيت على أصوات الوفود الشعبية التي تؤمّ منزله للترحيب به فيبتسم أكثر وأكثر وأكثر. يُفهمه جنبلاط أن التمديد للمجلس النيابي يعني تمديد ولايته الرئاسية فيبتسم أكثر وأكثر وأكثر وأكثر. لا يضحك، فقط يبتسم. الضحك أداة تعبير، الابتسامة لا تعبّر عن شيء. يبتسم لكل ما يحصل حوله وتحته وفوقه.
حيث لا جنرالات
كان العماد ميشال سليمان في الجيش قائداً للجيش، وكانوا كلما قالوا «الجنرال» يقصدون غيره. ثماني سنوات قبيل تعيينه قائداً للجيش، وعشر سنوات بعدها، وميشال عون في فرنسا هو الجنرال. لا علاقة لطلاب الجامعات هنا، يتعلق الأمر برفاق السلاح، بزملائه: لا يزال «الجنرال» في نظرهم هو الجنرال، وميشال سليمان هو ميشال سليمان. أي حنق يتملّّكني؛ يشتدّ الغيظ. تصلني التقارير، يستهزئ الطلاب العونيون بقول زملائهم في منظمات قوى 14 آذار الشبابية إنني سهلت فتح الطرقات لوصول المتظاهرين إلى ساحة الشهداء. يجيبونهم بأن ضباطاً عونيين فعلوا ذلك. لا يمكن ميشال سليمان أن ينتخب رئيساً من دون موافقة الجنرال. لا علاقة للفرقاء اللبنانيين في الدوحة بالقضية. السعودية وقطر وسوريا متفقة.
تبقى موافقة عون. يوافق فيوافق حزب الله وحركة أمل. يوقع الجنرال. ينتظر سليمان المهنئين، يراهم عند الجنرال. يدعو إلى طاولة الحوار، يرى نفسه منسقاً لجلسات لا يقول فيها أحد غير عون شيئاً مفيداً. أصدر البيان تلو الآخر ولا أحد يعيرها اهتماماً، خلافاً لأنفاسه. يذهب إلى الانتخابات، تقول له الصناديق باختصار شديد: عون. يسبقه إلى النسبية، يريد الآن مكافحة الفساد، هو مع الزواج المدني ومع إيجاد حلول للفارين اللبنانيين إلى إسرائيل ومع اقتراع المغتربين. لكن الناخبين لا يسمعونه، لا يسمعون غير عون. يسبب الحنق الشديد حرقة في المعدة. يحين موعد الانتخابات البلدية، يفهمه أحد المقربين منه أن رفضه العرض العوني لتجنيب بلدته معركة قاسية هو مغامرة حقيقية فيعدل، يهدأ ويقبل بالتوافق. أخذ عون سبعة مقاعد من أصل خمسة عشر، وأخذ الرئيس مقعدين. يراهن على رئيس المجلس البلدي الذي كان سابقاً مقرباً منه، يخذله الرئيس بعدما تعرف على عون. إنها لكارثة أن لا تقدّر المؤسسة التي أعمل فيها طموحي. لا بلدتي تفعل ذلك أو حتى أسرتي. يشمر سليمان عن ذراعي صهره، يرسله إلى كسروان ليواجه عون. فيعود إليه بعد أسابيع محطماً. تصله التقارير، الواحد تلو الآخر، عن رؤساء مجالس بلدية، موظفين فئة أولى، ضباط، قضاة وغيرهم ممن جدّ هو في تعيينهم لكنهم لا يزالون عونيين. يدخل القداس، منتظراً سماع ما سمعه في غرفة الانتظار من تصفيق عند دخول عون، فتطن في أذنيه صفقات غير مبالية مملّة تحرّكها نظرات الاستخبارات. لا يمكن أن أكون أنا الرئيس ويكون عون الزعيم. يبلغ الغيظ ذروته.
لا يمكن أن أبقى ضابطاً عادياً ويبقى هو الجنرال. لا يمكن أن آتي إلى رئاسة الجمهورية ست سنوات وأذهب، كما أتيت إلى قيادة الجيش عشر سنوات وذهبت، من دون أن أترك أثراً. كيف أكون قائد جيش سابقاً ورئيس جمهورية ويكون عون، وليس أنا، اللاعب الرئيسي في تسمية قائد الجيش المقبل. يسمع في القصر الرئاسي مساء صراخه. أين تلك الشرفة التي أعلن منها عون أسطورته. كيف أقف عليها وماذا أقول؟ أريد أن أحل محله. لا يمكن أن أغادر الشأن العام، وهو ما يزال هنا. أتركه أقوى مما كان عليه حين حضرت. يرفع الحنق الحرارة. لا تسعفه مضادات القوات وتيار المستقبل الحيوية ضد عون. لا تغير النتيجة. لو تكف تلك الأصوات عن الهتاف بأذني باسمه، لو يخلع عني بذلته التي تخنقني، لو يخرج من رأسي. لا أريد أن أكون جنرالاً، لا أريد أن يحبني زملائي، لا أريد أن أقود العالم. زوجتي تحبني. لو يمدد لنا وزيري الحبيب الإجازة في هذه الجزيرة حيث لا يوجد جنرالات.
بالنسبة الى رئيس الجمهورية ميشال سليمان، كل لبنان في كفّ، وبلدته عمشيت في الكفّ الأخرى. رغم التعطيل وصعوبات التأليف والتصريف، كانت السنوات الخمس التي يستعد سليمان لإطفاء شمعتها حافلة بـ«الإنجازات». ولكن «لا كرامة لنبي في قومه». تسمعه عمشيت يردّد: أنا سليمان يا أبي، إخوتي لا يحبونني، لا يريدونني بينهم
اصفرّت أسنانه واحمرّ شعره ورمّدت الشمس وجهه في الصور الملصقة على واجهات الدكاكين المبعثرة في السوق العمودي في عمشيت. في البلدة ألف محطة وقود ومحطة، وقصور أثرية رائعة، ومسنّات مثقفات، وصوت مرسيل خليفة، وسيارات تركت مخالفات الشاطئ البحرية لعشّاقها مساحة واسعة يركنون فيها. لا يعرض أصحاب الدكاكين صوراً حميمة لهم برفقة الرئيس، أو صوراً التقطت له في دكاكينهم خلال زياراته لهم، كما تفعل بلدات الرؤساء الأميركيين والأوروبيين، وحتى السوريين. لكنها الصورة الرسمية نفسها التي طبعتها إحدى فرق تبييض الوجه غداة انتخابه رئيساً قبل خمس سنوات.
كانت السنوات الخمس الماضية حافلة بـ«الإنجازات». فليفرد العلمانيون أصابع أياديهم: في عهده سُجّل أول زواج مدني يعقد في لبنان، بات يمكن اللبناني شطب قيده الطائفي، أحيل قانون انتخابي بنظام نسبي على مجلس النواب، وأطلق البرنامج الوطني لدعم الأسر الأكثر فقراً. والآن أيادي السياديين: في عهده بدأ التبادل الدبلوماسي بين لبنان وسوريا، رأس لبنان مجلس الأمن الدولي ومجلس وزراء الخارجية العرب، وبدأ البحث في وضع استراتيجية دفاعية لحماية لبنان. لا هم أين انتهت هذه جميعها، المهم أنها بدأت. وليهنأ المسيحيون: في عهده كُلّفت السفارات بتسجيل الناخبين تمهيداً لتصويتهم في دولهم (في يوم من الأيام)، وأحال مجلس الوزراء على المجلس النيابي قانون إعادة الجنسية اللبنانية إلى مستحقيها. وفي موازاة حرصه، بحسب قيد الإنجازات في رئاسة الجمهورية دائماً، على «تفقد أحوال اللبنانيين في نيويورك ومحيطها بعد إعصار ساندي»(!)، زار سليمان سويسرا واليونان لـ«تفقد الجالية اللبنانية» ضمن جولات شملت قطر والسعودية ودولاً أفريقية وأوروبية وأميركية لاتينية. ولا همّ في بقاء الانجازات حبراً على ورق لافتقادها الآلية التشريعية والإدارية التي تتيح للمواطنين الاستفادة منها. المهم أن يسجّل التاريخ أن الرئيس كان المبادر. «كان الرئيس ميشال سليمان مع النسبية، لكن ظروفاً اضطرته إلى إجراء ثلاث عمليات انتخابية في ظل أنظمة أكثرية»، سيقول التاريخ. «كان الرئيس ميشال سليمان يتمنى من كل قلبه تمتع المرأة اللبنانية بحق إعطاء الجنسية لأبنائها، أسوة بغالبية نساء العالم، لكن الظروف حالت دون تحقيقه أمنياته». يزور سليمان نقطة من المساحات الخضراء الهائلة التي التهمتها النيران، فتعدّ رئاسة الجمهورية الزيارة إنجازاً رئاسياً في مواجهة النيران. يستقبل وفداً قضائياً فيسجل ذلك إنجازاً رئاسياً في الإصلاح القضائي. تشبه هذه الإنجازات الإنجاز الرئاسي الأبرز: الحوار في قصر بعبدا. هذا الانجاز الذي أثّر في حياة كل لبناني وغيَّرَها. تدرج رئاسة الجمهورية زيارة البابا بنديكتوس السادس عشر لبيروت ضمن إنجازات الرئيس و«تكريسه موقع لبنان الدولي»! وإن تنسى الإنجازات، فلن تنسى «ترؤسه اجتماعاً للملجس الأعلى للدفاع لبحث الوضع الأمني» بعد تفاقم الشكاوى من تسلل السلاح والمقاتلين من لبنان إلى سوريا والعكس، وبحثه مع وزير الشؤون الاجتماعية وائل أبو فاعور في وسائل مساعدة اللاجئين السوريين. وسيذكر التاريخ، أيضاً، توجيه سليمان رسالة الاستقلال الثامنة والستين إلى اللبنانيين من قلعة راشيا. تكاد الرئاسة تدرج صورة الرئيس وأسرته عشية عيد الميلاد ضمن الإنجازات الرئاسية.
لا يغير تساقط الأيام من روزنامة العهد السليمانيّ الكثير في عمشيت. في البلدة رئيس للجمهورية وليس فيها شبكة مجارير. في البلدة وزير للبيئة (النائب السابق ناظم الخوري) فيما تُنصب جبّالة باطون غصباً عن بلديتها في قلب شاطئها الذي يمثل المتنفس المجانيّ الوحيد لأبنائها ولأهالي جبيل وكسروان. لا مشروع بيئياً واحداً، ولا مشروع سياحياً أو غيره يشعر الأهالي ــــ بعيداً عن الخدمات الفردية التي يمكن أي مختار نافذ أن يقدمها ــــ بأن لسنوات فخامته الخمس نتائج تستوجب الصلاة لكي يتثاقل مرور العام السادس أو ليتمدّد ثلاث سنوات إضافية. بات لسليمان شارع في عمشيت وبولفار ومجمع رياضي ومرفأ ومستوصف، وقد صرف مجلس بلدية عمشيت السابق نحو 400 ألف دولار، بحسب أحد أعضائه، لإحياء الاحتفالات ابتهاجاً بانتخابه رئيساً، لكنه استصعب تمليك بلدية عمشيت المقر الذي تستأجره من وزارة التربية، أو وضع الأملاك البحرية بتصرفها كما فعل لبلديتي البترون وجبيل. وفي ظل حصر فريق الرئيس التزفيت بالأزقة التي يقطعها من منزله لافتتاح زنقة باسمه، يفكر بعض العمشيتيين جدياً في تسمية بعض الغرف في منازلهم باسمه ودعوته لافتتاحها علّ الزفت يصل الى منازلهم.
بعد تمثّله بوزير الدفاع «الويكيلكسي» السابق الياس المر بشكل رئيسي في حكومة عهده الأولى، كانت الوزيرة منى عفيش خير من مثّله في الوزارة الثانية، قبل أن يحتكر الوزير مروان شربل تمثيل الرئيس والتعبير عنه في الحكومة الثالثة. واختيار سليمان لشربل يبقى سراً، خلافاً لقصة الوزير السليماني الآخر في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي سمير مقبل، الذي بقي التساؤل عن توزيره لغزاً حتى تتالت «مصادفة» اجتماع الرئيس ووزيره في طائرة الأخير. ومن الفيلم الطويل لتأليف الرئيس سعد الحريري حكومته، إلى مسلسل التشكيلة الميقاتية الممل، فمشهد تصريف الأعمال الثنائي الأخير (سياسياً في المصيطبة وإدارياً في السرايا)، فاض العهد السليماني بشغور حكومي لا يوازيه شيء في الكشف عن بؤس العهد وعجزه عن تسيير شؤون البلد، غير الشغور الإداري الذي بلغ حجماً قياسياً تتجاوز نسبته في بعض الإدارات ثمانين في المئة. وسليمان هو أول رئيس للجمهورية يأتي ويذهب من دون إجراء تعيينات إدارية، تعبّر عادة عن توجّه العهد وتساعد الرئيس في تطبيق برنامجه. هنا الإنجاز.
يحاول المحيطون العمشيتيون بسليمان إلباسه لباس البكوية، للدلالة على أهمية شأنه وتجذره في القيادة، مرددين أن جده غطاس كان من بكوات عمشيت. أما المطلعون على تاريخ السلالات العمشيتية فيشبّهون ذلك بوصف البلاط الحريريّ للرئيس رفيق الحريري بالشيخ رفيق، رغم أن علاقة أبو بهاء بالمشيخة مثل علاقة المشايخ السعوديين بالأدب الفرنسيّ. ففي تفاصيل تلك البلدة النائية بنفسها عن ضجيج الأوتوستراد الشمالي رغم اختراقه لها، تختبئ جذور طبقية خلف الصراعات السياسية التي بدأت بمواجهة مكشوفة بين شباب يساريين مثل أسد روحانا ويوسف قصيفي وعبدالله زخيا، وإقطاع عائلي يختزله نافذون في ثلاث عائلات كبيرة (كرم وكلاب وعبيد)، قبل أن يتسيّس هذا الصراع الطبقي نفسه ضمن معسكري الدستوري والكتلاوي. ولأن جارتها جبيل كتلاوية، تقول إحدى الروايات الشعبية التي تجد ــــ ككل الروايات ــــ ألف رواية تناقضها، كانت عمشيت دستورية. احتكر منزل النائب السابق ناظم الخوري تمثيل البلدة، عبر والده النائب السابق شهيد الخوري قبل الحرب، وبشخصه بعدها. وعلى هامش الصراعات القروية الكبيرة، كانت الأسرة السليمانية تخوض حروبها الخاصة. فالمدير العام لوزارة التربية، اليوم، فارس الخوري، ليس إلا مدير ثانوية عمشيت السابق الذي كان يؤجر الضابط سليمان شقة في بنايته. أما شقيقه المحامي الشاب أنطوان سليمان الذي كان يكدّ في عمله ليحقق حلمه بافتتاح مكتب المحاماة الخاص به، فغدا محافظاً ليس للبقاع وحده، بل لجبل لبنان أيضاً. وفي السياق، تخلى شقيقه الأكبر غطاس سليمان عن ختم المختار، وهو كان مصدر عيشه الرئيسي، بعدما بات شقيقه رئيساً، ليهتم بأملاك العائلة.
في ختام عامه الرئاسي الخامس، علاقة الرئيس سليمان بالنظام السوريّ الذي عيّنه قائداً للجيش وشارك في مفاوضات الدوحة لانتخابه رئيساً باتت سيئة، وليس في سوريا أو بين حلفائها اللبنانيين شخصية واحدة تشجع على إعادتها إلى سابق عهدها. وفي المقابل، يروي ضيوف السفارة الأميركية أن مستقبليهم يستفسرون منهم عمن يقصدونه حين يقولون «الرئيس» في سياق الأحاديث. أما الدبلوماسيون الأوروبيون فيبقون أياديهم على جوازات سفرهم خشية تضييعها حين يزورون قصر بعبدا. وتجدر الإشارة إلى أن المسؤول عن إثارة فضيحة جوازات الرئيس الفرنسية المزورة ليس الاستخبارات الفرنسية، ولا وزارة الخارجية اللبنانية التي تكتّمت على الموضوع، ولا دوائر الأمن العام اللبناني التي راسلتها الأجهزة الأمنية الفرنسية، ولا الإعلام الفرنسي الذي تطرق إلى الملف، بل أسرة المحامي اللبناني الذي تكبّد الدفاع عن «عملة» الرئيس أمام القضاء الفرنسيّ، لكن المعنيين بدفع تكاليفه سعوا للتهرب منه.
تعجب الديمقراطية السعودية الرئيس، ولا شيء يسحره ويدغدغ أحلامه أكثر من قدرة قطر، رغم حجمها الصغير، على لعب دور يتخيّله الرئيس كبيراً. وفي علاقته بالأطراف المحليين، تجلسه قوى 8 آذار على كرسي هزاز بين عميد حزب الكتلة الوطنية كارلوس إدة والنائبة السابقة نايلة معوض. أما سرور تيار المستقبل بـ«مواقف الرئيس التي أصبحت وطنية»، بحسب تعبير نوابه، فلم يتحول أبداً إلى تحالف مماثل لما هو قائم بين سليمان والنائب وليد جنبلاط. وخلاصة المعلومات المتقاطعة بين مختلف القوى السياسية على هذا الصعيد أن سليمان يكاد يكون عضواً سرياً في اللقاء الديمقراطي. وخلافاً لما يشاع عن وقوف المختارة، للمرة الأولى في تاريخها، خلف الرئاسة الأولى، فإن هذه المرة الأولى التي تجلس فيها الرئاسة الأولى في المختارة.
لم ينسَ سليمان، تبعاً للأصول، أصدقاءه: عيّن شقيق زوجته الطبيب فريد سليمان عضواً في مجلس إدارة كازينو لبنان. صهره الأول وسام بارودي مرشح مع وقف التنفيذ للانتخابات النيابية. صهره الثاني نبيل حواط يرافق الرئيس في رحلاته بوصفه رجل أعمال. صديقه العمشيتي السفير بهجت لحود غدا «مستشار الرئيس للشؤون السياسية والاغترابية». لحود لحود، ابن فارس لحود المفضل على فخامته في شبابه، استيقظ مديراً للمراسم في القصر الرئاسي. صديقه وابن عمه بيارو سليمان بات «مستشاراً لشؤون الأوسمة»، مع تأكيد غالبية العمشيتيين أنه لا يخدم فعلياً غير المقربين جداً منه.
رغم رهان الرئيس عليه، فشل ناظم الخوري في إثبات نفسه، حتى في عمشيت، في مواجهة النائب العمشيتي العونيّ وليد الخوري، فمنحه الرئيس حقيبة وزارية كتعويض لنهاية خدمته معه. وبعد حسمه وجوب تأمين استمرارية أسرته السياسية بعد مغادرته بعبدا لما فيه خير البلاد والعباد عبر ابنه شربل، كُلِّفَ شقيقه غطاس بالمهمة الصعبة. يتّكل خبير التخمين سابقاً على معرفته الوطيدة بالناخبين واللاعبين الانتخابيين الرئيسيين ،ليس في عمشيت فقط بل في سائر أنحاء جبيل بحكم رئاسته سابقاً رابطة مخاتير جبيل. ويضم فريقه قائمقام جبيل بالوكالة نجوى سويدان فرح (زوجها نبيل فرح آمر فصيلة الحدت) التي تسترضي، رغم عونية أسرتها، الرئيس بهدف تعيينها قائمقاماً أصيلاً في كسروان أو أمينة سر محافظة جبل لبنان. كذلك يضم مسؤول الاستخبارات في عمشيت العقيد رفيق زغندي، المماثل لسويدان في عونيّة عائلته (شقيقه جورج كان منسق التيار الوطني الحر في عمشيت)، والمدير العام لرئاسة الجمهورية الكسروانيّ أنطوان شقير، والأخوين فيليب وأديب أبي عقل، ورئيس اتحاد بلديات جبيل فادي مرتينوس الذي أقنعه سليمان كما أقنع رئيس جمعية الصناعيين نعمة افرام قبله بأنه يودّ تعيينه وزيراً لكن رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون يعارض ذلك. وفي الفريق أيضاً رئيس بلدية جبيل زياد حواط الذي يساير الرئيس، لكنه يدور فعلياً في فلكي القوات والمستقبل، فنادراً ما يفوته احتفال في معراب، بما في ذلك المناسبات الحزبية الخاصة، ونادراً ما يمر شهر من دون أن يلتقيه منسق عام تيار المستقبل أحمد الحريري على كأس نبيذ في جبيل. وكذلك رئيس بلدية نهر إبراهيم الكتائبي طوني مطر الذي يبقي وزير الداخلية، متّكلاً على مسوغات قانونية، مجلسه البلدي على قيد الحياة بعد زواج عضو المجلس نادين صليبا رجلاً من خارج البلدة وتأجيلها تسجيل زواجها رغم إنجابها ابنة، لتمتّع خصوم مطر داخل المجلس بأكثرية في حال إبطال عضوية صليبا. وأخيراً رئيس بلدية العاقورة الذي يوازن في ولائه بين سليمان والنائب السابق فارس سعيد. أما حجر الزاوية المالي في هذه المجموعة فهو الرئيس السابق لجمعية المصارف فرنسوا باسيل.
لا تثق القوى السياسية بالرئيس. قوى 8 آذار والتيار الوطني الحر حسمت أمرها، يقول الوزير سليمان فرنجية، بصوت عال، أقل بكثير مما يتهامس به الآخرون. يمرر تيار المستقبل به الوقت. يسر النائب وليد جنبلاط بكل مسيحي تتحكم المختارة في تاريخ صلاحيته. ولا يكاد يصطفي الرئيس فارساً له في دائرة حتى يخطفه رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع. لا تحبه القوى السياسية. أما في المؤسسة العسكرية فخرج نفوذه منها كما تخرج الشعرة من العجين. وفي عمشيت لا يقصده إلا من يحتاج إليه في خدمة طارئة يعلم أن النائب وليد الخوري لا يخدمه فيها. تقول عمشيت إن إحدى أسرها قدمت لها مستشفى مجانياً، وأسرة أخرى قدمت مدرسة ابتدائية مجانية أيضاً، ونائبها الذي تفادى إحراجها بمطالبتها بأن تصوّت له حتى في الانتخابات النيابية الماضية يركض وشقيقاه الطبيبان أمامها ليلاً ونهاراً. لا تقول عمشيت إنها لا تحبه على غرار السياسيين. يكتفي أحد الناشطين السياسيين في البلدة بالإشارة إلى عدم محبتها لمن يظهرون تكبّراً في تعاملهم معها ومن يضطرونها إلى التفرغ للترحيب بهم كلما حضروا إلى البلدة كأنهم أنبياء عصرهم، ومن يعتقدون بأن لوحة سيارة مميزة تشتري ولاءً سياسياً. أما الرئيس ميشال سليمان فلا يهتم: يقرأ الرئيس إنجازاته في موقعه الإلكتروني فيبتسم. تصله معلومات أن «المعزات» الثماني التي كان المسؤول العوني في بلدة ترتج يسعى لإبعادها وفق القانون عن الأحياء السكنية بقيت في حظيرتها، فيبتسم أكثر. يعلمه السكرتير الإعلامي أديب أبي عقل أن عدد المعجبين الافتراضيين بصفحته الفايسبوكية تجاوز مئة وثمانين ألفاً فيبتسم أكثر وأكثر. يستيقظ عند زيارته الموسمية لعمشيت على أصوات الوفود الشعبية التي تؤمّ منزله للترحيب به فيبتسم أكثر وأكثر وأكثر. يُفهمه جنبلاط أن التمديد للمجلس النيابي يعني تمديد ولايته الرئاسية فيبتسم أكثر وأكثر وأكثر وأكثر. لا يضحك، فقط يبتسم. الضحك أداة تعبير، الابتسامة لا تعبّر عن شيء. يبتسم لكل ما يحصل حوله وتحته وفوقه.
حيث لا جنرالات
كان العماد ميشال سليمان في الجيش قائداً للجيش، وكانوا كلما قالوا «الجنرال» يقصدون غيره. ثماني سنوات قبيل تعيينه قائداً للجيش، وعشر سنوات بعدها، وميشال عون في فرنسا هو الجنرال. لا علاقة لطلاب الجامعات هنا، يتعلق الأمر برفاق السلاح، بزملائه: لا يزال «الجنرال» في نظرهم هو الجنرال، وميشال سليمان هو ميشال سليمان. أي حنق يتملّّكني؛ يشتدّ الغيظ. تصلني التقارير، يستهزئ الطلاب العونيون بقول زملائهم في منظمات قوى 14 آذار الشبابية إنني سهلت فتح الطرقات لوصول المتظاهرين إلى ساحة الشهداء. يجيبونهم بأن ضباطاً عونيين فعلوا ذلك. لا يمكن ميشال سليمان أن ينتخب رئيساً من دون موافقة الجنرال. لا علاقة للفرقاء اللبنانيين في الدوحة بالقضية. السعودية وقطر وسوريا متفقة.
تبقى موافقة عون. يوافق فيوافق حزب الله وحركة أمل. يوقع الجنرال. ينتظر سليمان المهنئين، يراهم عند الجنرال. يدعو إلى طاولة الحوار، يرى نفسه منسقاً لجلسات لا يقول فيها أحد غير عون شيئاً مفيداً. أصدر البيان تلو الآخر ولا أحد يعيرها اهتماماً، خلافاً لأنفاسه. يذهب إلى الانتخابات، تقول له الصناديق باختصار شديد: عون. يسبقه إلى النسبية، يريد الآن مكافحة الفساد، هو مع الزواج المدني ومع إيجاد حلول للفارين اللبنانيين إلى إسرائيل ومع اقتراع المغتربين. لكن الناخبين لا يسمعونه، لا يسمعون غير عون. يسبب الحنق الشديد حرقة في المعدة. يحين موعد الانتخابات البلدية، يفهمه أحد المقربين منه أن رفضه العرض العوني لتجنيب بلدته معركة قاسية هو مغامرة حقيقية فيعدل، يهدأ ويقبل بالتوافق. أخذ عون سبعة مقاعد من أصل خمسة عشر، وأخذ الرئيس مقعدين. يراهن على رئيس المجلس البلدي الذي كان سابقاً مقرباً منه، يخذله الرئيس بعدما تعرف على عون. إنها لكارثة أن لا تقدّر المؤسسة التي أعمل فيها طموحي. لا بلدتي تفعل ذلك أو حتى أسرتي. يشمر سليمان عن ذراعي صهره، يرسله إلى كسروان ليواجه عون. فيعود إليه بعد أسابيع محطماً. تصله التقارير، الواحد تلو الآخر، عن رؤساء مجالس بلدية، موظفين فئة أولى، ضباط، قضاة وغيرهم ممن جدّ هو في تعيينهم لكنهم لا يزالون عونيين. يدخل القداس، منتظراً سماع ما سمعه في غرفة الانتظار من تصفيق عند دخول عون، فتطن في أذنيه صفقات غير مبالية مملّة تحرّكها نظرات الاستخبارات. لا يمكن أن أكون أنا الرئيس ويكون عون الزعيم. يبلغ الغيظ ذروته.
لا يمكن أن أبقى ضابطاً عادياً ويبقى هو الجنرال. لا يمكن أن آتي إلى رئاسة الجمهورية ست سنوات وأذهب، كما أتيت إلى قيادة الجيش عشر سنوات وذهبت، من دون أن أترك أثراً. كيف أكون قائد جيش سابقاً ورئيس جمهورية ويكون عون، وليس أنا، اللاعب الرئيسي في تسمية قائد الجيش المقبل. يسمع في القصر الرئاسي مساء صراخه. أين تلك الشرفة التي أعلن منها عون أسطورته. كيف أقف عليها وماذا أقول؟ أريد أن أحل محله. لا يمكن أن أغادر الشأن العام، وهو ما يزال هنا. أتركه أقوى مما كان عليه حين حضرت. يرفع الحنق الحرارة. لا تسعفه مضادات القوات وتيار المستقبل الحيوية ضد عون. لا تغير النتيجة. لو تكف تلك الأصوات عن الهتاف بأذني باسمه، لو يخلع عني بذلته التي تخنقني، لو يخرج من رأسي. لا أريد أن أكون جنرالاً، لا أريد أن يحبني زملائي، لا أريد أن أقود العالم. زوجتي تحبني. لو يمدد لنا وزيري الحبيب الإجازة في هذه الجزيرة حيث لا يوجد جنرالات.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018