ارشيف من :أخبار لبنانية

لبنان في عين العاصفة...

لبنان في عين العاصفة...
عصام نعمان - صحيفة البناء

أزمة لبنان متعدّدة الوجوه والأبعاد. سببها الرئيس غياب الدولة، فهي إذن أزمة دائمة لأن غياب الدولة مزمن.

الدولة سقفٌ واقٍ وسور حامٍ وأرض معطاء. في غيابها يبقى «سكانها» في العراء فريسة عاصفةٍ، بل عواصفَ، تضربهم بلا هوادة.
آخر العواصف كانت «إسرائيلية» ضربت سورية في محيط عاصمتها، فتداعت آثارها على لبنان. وذلك لأن الذين استهدفتهم في كلا البلدين استخلصوا منها ثلاثة أغراض: إسقاط نظام الأسد، إخراج دمشق من محور الممانعة والمقاومة، وتدمير قوى المقاومة اللبنانية والفلسطينية بعد محاصرتها وإنهاكها.

لبنان بات في عين العاصفة، وقد كان كذلك في الواقع قبل الضربة «الإسرائيلية» إلى سورية وتداعياتها. فالقوى السياسية المتصارعة أخفقت في التوصّل إلى توافق على خمس قضايا مصيرية: قانون الانتخابات، حكومة وفاق وطني ائتلافية، إجراء الانتخابات في موعدها، الموقف من سلاح المقاومة، والموقف من الحرب في سورية بين النظام ومعارضيه.

الضربة «الإسرائيلية» زادت أزمة لبنان تعقيداً. لأن الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله ألقى خطبة أعلن فيها ثلاثة مواقف حاسمة:
أولاً: صدور قرار سوري استراتيجي «بإعطاء المقاومة سلاحاً نوعياً لم تحصل عليه حتى الآن، واستعداد المقاومة لاستلامه ولو كان كاسراً للتوازن».

ثانياً: استعداد المقاومة اللبنانية «للوقوف إلى جانب المقاومة الشعبية في سورية، وتقديم الدعم المادي والمعنوي والتنسيق من أجل تحرير الجولان المحتل».

ثالثاً: جهوزية حزب الله لخوض الانتخابات وعدم الدفع من أجل تأجيلها، وتجديد تأييد الحزب لمشروع «اللقاء الأرثوذكسي» لقانون الانتخابات والتصويت عليه إذا طُرح في مجلس النواب.

قوى 14 آذار، المعارضة للمقاومة ولسورية، رفضت مضامين خطاب السيّد نصرالله. واعتبرته نقيضاً لسياسة «النأي بالنفس» عن الأزمة السورية، ودليلاً جديداً على رغبة حزب الله في تعزيز مساندته للنظام السوري ضد المعارضة.

إلى ذلك، علّق مصدر في قوى 14 آذار على كلام السيّد نصرالله بشأن الأزمة الداخلية (وفق صحيفة «النهار» 10/5/2013) قائلاً: «تبلّغ نصرالله من «تيار المستقبل» عبر النائب نهاد المشنوق (في مقابلة تلفزيونية)، أن التيار لن يشارك في حكومة تضمّ ممثلين لحزب الله ما لم يسحب الحزب قواته من سورية، وكان جواب نصرالله أن قواته باقية تقاتل في سورية ولن يقبل إلاّ بالثلث المعطّل في الحكومة».
السيّد نصرالله وحلفاؤه لم يطالبوا علانيةً بالثلث المعطّل، لكنهم يصرّون على أن يراعي الرئيس المكّلف تمام سلام في تأليف الحكومة أحجام الكتل النيابية. ومراعاة الأحجام تتيح لقوى 8 آذار وحلفائها الحصول مداورةً على الثلث المعطل لأن لديهم، مجتمعين، ليس أقل من 58 نائباً مقابل 60 لقوى 14 آذار من أصل مجموع نواب المجلس البالغ 128.

وثمة سببٌ أكثر أهمية لتعذّر تأليف الحكومة المرتجاة. إنّه عدم التوافق على قانون جديد للانتخابات يحلّ محل قانون الستين الأكثري الذي رفضته غالبية القوى السياسية ومعها البطريركية المارونية. فاللافت أن الأطراف المسيحية في قوى 14 آذار (حزب «القوات» تحديداً) تميل إلى عدم التصويت لمشروع قانون «اللقاء الأرثوذكسي» الذي يرفضه حليفها «تيار المستقبل». إسقاط «الارثوذكسي» في مجلس النواب لعدم اكتمال النصاب أو لعدم حصوله على الأكثرية المطلقة (65 نائباً)، يزيد أزمة البلاد تعقيداً، وذلك لتعذّر التوافق على قانون انتخابي بديل. إلى أين من هنا؟

التوافق على قانون جديد للانتخابات أضحى شرطاً للتوافق على تأليف حكومة جديدة، كما هو شرط لإجراء الانتخابات. وعدم التوافق على القانون كما على تأليف الحكومة يعني احتمال حصول فراغ تشريعي مع انتهاء ولاية مجلس النواب في 20 حزيران المقبل. ما العمل؟
يدعو بعض أركان قوى 14 آذار الى تأليف حكومة «أمر الواقع» تعكس في تركيبتها وسياستها ما يكون قد اتفق عليه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وقوى 14 آذار وجبهة النضال الوطني الوَسَطية برئاسة وليد جنبلاط (8 نواب). ومؤدّى ذلك إلى إقصاء حزب الله  (12 نائباً) وكتلة حليفه العماد ميشال عون (27 نائباً) وحركة أمل (14 نائباً) والحزب السوري القومي الاجتماعي (نائبان) وحزب البعث (نائبان ) ونقولا فتوش (مستقل).
جنبلاط يرفض، حتى إشعار آخر، حكومة «الأمر الواقع» لأنه لا يريد استعداء حزب الله ولا تعطيل إمكانية توافق معظم الكتل النيابية على قانون انتخابات جديد. غير أنه لن يتوانى عن الانحياز الى قوى 14 آذار، فيما إذا أقرّ مجلس النواب مشروع «اللقاء الارثوذكسي» أو أي قانون للانتخابات لا يناسبه.

إلى ذلك، لا يعارض معظم الكتل النيابية فكرة التمديد لمجلس النواب قبل انتهاء ولايته في 20/6/2013. لكن رئيس الجمهورية، وربما عشرة من النواب أيضاً، قد يطعنون بقانون التمديد، فيقوم المجلس الدستوري بإبطاله لعدم توافر قوة قاهرة تحول دون إجراء الانتخابات. يتردّد أيضاً أن تأجيل إجراء الانتخابات لعدم توافر متطلباتها اللوجستية يشكّل حجة مقبولة تبيح التمديد لمجلس النواب مدةً مماثلة لأسباب تقنية، وان المجلس الدستوري لن يبطل قانون التمديد في هذه الحالة.

لكن التمديد التقني يصبّ الزيت على أزمةٍ قد تتحوّل إلى فتنة. لأن التمديد من دون التوافق على قانون جديد للانتخابات يعني إجراء الانتخابات في موعدها الجديد على أساس القانون النافذ وهو «الستين»، فهل تضمن الأطراف المتصارعة عدم انفجار الوضع المضطرب سياسياً وأمنياً وتحوّله إلى فتنة عمياء؟

هل من مخرج؟

ثمة مخرجان، كلاهما صعب وتكتنفه عوائق ومخاطر.

الأول: يكون بتوافق الأطراف المتصارعة، قبل انتهاء ولاية مجلس النواب، من تأليف حكومة وطنية جامعة ومتوازنة تنال ثقةً نيابيةً مشروطة بمنحها سلطة إصدار مراسيم اشتراعية في مواضيع بالغة الأهمية، في مقدمها تشريع قانون الانتخابات.
الثاني: يكون بتوافق (أو بعدم توافق) الأطراف المتصارعة على عدم إقرار قانون جديد للانتخابات، وعلى عدم تأليف حكومة جديدة، وعلى عدم إجراء انتخابات قبل 20/6/2013 (وهي على كل حال متعذرة) فينشأ بعد التاريخ المذكور فراغ تشريعي في ظلّ حكومة تصريف الأعمال الحالية.

يكون للحكومة، سواء كانت حائزة على الثقة أو في حال تصريف الأعمال، الحق بالتشريع في الظرف الاستثنائي وفق نظرية الظروف الاستثنائية التي تستولد بالضرورة شرعية استثنائية، فتقوم بوضع قانون ديمقراطي جديد للانتخابات يؤمّن صحة التمثيل الشعبي وعدالته وتعرّضه على استفتاء عام، حتى إذا تمّ إقراره بأكثرية مريحة، تقوم بإجراء انتخابات نيابية حرة ونزيهة تحت رقابة مؤسسات المجتمع المدني العالمي.
هكذا يُنتخب، لأول مرة في تاريخ لبنان، مجلس نيابي شرعي، ذو صفة تأسيسية، وقادر على إعادة تكوين السلطات العامة ومباشرة الإصلاح السياسي والإداري الذي طال انتظاره.

بذلك يخرج لبنان، ربما، من عين العاصفة.
2013-05-13