ارشيف من :أخبار لبنانية

«مناورة» حكومة الأمر الواقع لم تأتِ من الفراغ

«مناورة» حكومة الأمر الواقع لم تأتِ من الفراغ
جوني منير - صحيفة الجمهورية

للوهلة الأولى بدا أنّ القرار اتُّخذ بدفع الوضع في اتجاه المواجهة، ليعود ويتبيّن سريعاً أنّ ما هو حاصل إنما يدخل في نطاق المناورات السياسية وعرض العضلات.

هل اتخذ القرار في إتجاه المواجهة؟

صحيح أنّ خطاب الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله كان عالي السقف على المستويين الإقليمي واللبناني، إلا أن الردود عليه جاءت بمثابة التلويح بالمواجهة.

في الأساس دخل رئيس الجمهورية الواقف على مسافة سنة واحدة من انتهاء ولايته، في ردّ مباشر على خطاب نصرالله، وهو ما يحصل للمرة الأولى في عهده.

وقد جاء خطاب نصرالله، في الأساس، بعد جملة تطورات أساسية:

• زيارته العلنية إلى طهران.

• تسمية تمام سلام لرئاسة الحكومة.

• الانفتاح السعودي في اتجاه "حزب الله" في لبنان من دون الارتكاز على قواعد ثابتة في هذا الشأن.

• الدخول الفاعل للحزب في معارك سوريا وتبدُّل موازين القوى العسكرية.

• الضربة الجوية الإسرائيلية للصواريخ النوعية في جبل قاسيون.

لذلك، فإن الخلفيات التي أعطيت للردود التي طالت خطاب نصرالله، بما فيها رد رئيس الجمهورية، إنما وضعت في خانة التعبير عن مواقف العواصم الغربية وكذلك الخليجية.

ولا شك في أن إشاعة أجواء بأن حكومة أمر واقع على قاب قوسين من الولادة إنما تأتي في الإطار نفسه. وصحيح أن "مناورة" حكومة الأمر الواقع لم تأتِ أصلاً من الفراغ، وحيث كان سلام قد أبلغ إلى جميع المعنيين أنه سيعمد إلى تشكيل الحكومة في مدة أقصاها 15 أيار، وهي قد تكون حكومة أمر واقع في حال تعذر التوافق، إلا أنّ الرئيس نبيه بري كان قد حدّد جلسة مناقشة عامة وفق بند وحيد وهو مشروع اللقاء الأرثوذكسي، قبل أن يعود ويسحبه مع الإبقاء على موعد الجلسة، في تدبير فسّره بعضهم لإدراج بند التمديد لقائد الجيش.

لكنّ محاور "الاشتباك" لا تكمن هنا فقط، فالتواصل مقطوع بين بعبدا وعين التينة، لا بل إنّ زوار الرئيس برّي يسمعون انتقادات عنيفة بحق رئيس الجمهورية: إنه لا يفكر إلا في مصلحته الشخصية.

وإزاء "مناورة" حكومة الأمر الواقع، جاء مَن يقول إن لرئيس المجلس النيابي أوراقاً لا بأس بها، تبدأ من إقفال المجلس النيابي، ولا تنتهي عند نص دستوري يشير إلى مبدأ تشاور رئيس الجمهورية مع رئيس المجلس النيابي قبل إصدار مراسيم الحكومة الجديدة. وهو ما يعني وفق هؤلاء الزامية التشاور مع برّي، ولو أنّ نتائج هذا التشاور لا تلزم الرئيس.

في المقابل، صحيح أن سلام تفاهم مع سليمان على بعض الخطوط العريضة للحكومة، مثل توزيع الحقائب السيادية الأربع الداخلية (سنّي)، الدفاع (ماروني)، المال (شيعي)، والخارجية (أرثوذكسي)، إضافة إلى مبدأ المداورة الـ8 - 8 - 8، إلا أن العقبات السياسية تبقى كثيرة، وأبرزها على الإطلاق الثلث المعطّل.

حاول سلام الالتفاف على أساس التزامه الاستقالة فوراً في حال استقال الوزراء الشيعة، بسبب فقدان الحكومة الميثاقية، إلّا أنّ المصالح السياسية الكبرى لا تبني حساباتها على أساس التزامات شخصية، أضف إلى ذلك أن رئيس الجمهورية يتمسّك بتسمية شخصية شيعية من حصته (العميد حناوي)، كما أن سلام كان قد وعد بالاستقالة في حال عدم حصول انتخابات، بينما الواقع يشير إلى تمديد للمجلس.

وفق هذه الحسابات، كان سلام قد أعلن التزامه أنه في 15 أيار كحد أقصى، سيتقدّم إما بحكومة وافق عليها "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" وفق هذه الخطوط العريضة، أو سيعمد إلى التقدم بحكومة أمر واقع ترتكز في ولادتها على موقف النائب وليد جنبلاط. فإما يوافق فتأخذ الثقة وترى النور، أو يكون قد رسم سقفاً من الصعب لأي كان من بعده تجاوزه.

وفي الحقيقة، فإنّ اثنين يضحكان في سرّهما ويتمنيان وصول سلام إلى هذه النتيجة: سعد الحريري ونجيب ميقاتي، فيما يبدو جنبلاط مستهولاً هذا الموقف ويدوزن خطواته.

فالحريري، الذي وافق على تسمية سلام على مضض، يدرك جيداً ونتيجة الاتصالات الحاصلة معه من تحت الطاولة، أن مشروع التمديد للمجلس النيابي هو بحدود السنتين ولو بالتقسيط (أي كل ستة أشهر).

ووفق ذلك، فإنه يرفض ضمناً أن يبقى سلام رئيساً للحكومة طوال هذه المدة، كون ذلك سيأكل من صحنه الشعبي في بيروت. وهو يعتقد أنّ لـ"حزب الله" مصلحة في التمديد، لذلك فإنّ المعادلة تصبح واضحة أمامه: أنا في رئاسة الحكومة مقابل التمديد. ويبدو أن هناك من يراهن على أن الحريري سيكون وحده قادراً بعد سلام على تأمين الثلث المعطّل للحزب ولو وفق صيغة ملتبسة أمام الرأي العام.

من هذه الزاوية، يمكن فهم الخطوات التي يقوم بها الحريري: فتح خطوط مباشرة مع نصرالله (حصل اجتماع واحد حتى الآن) وزيادة الشروط على سلام (عدم إشراك القوى التي تقاتل في سوريا بالحكومة). لكن "حزب الله"، الذي ما يزال في أول طريق التواصل مع الحريري، يضع "فيتو" حتى الساعة على عودته إلى رئاسة الحكومة.

من جهته، لا يزال ميقاتي يراهن على عودته إلى رئاسة الحكومة وبالتالي إلى الحياة السياسية، من خلال فشل سلام، وتسميته هو لتشكيل الحكومة، مستنداً إلى الدعم الذي ما يزال يحظى به أوروبياً وخصوصاً من بريطانيا والقادر على تدوير زوايا السعودية.

أما جنبلاط فيبدو كمَن بات يقف على لوح زجاجي شفاف قابل لأن ينكسر عند أي خطوة غير مدروسة، ذلك أنه كان قد سلك مساراً سياسياً مثيراً (بالمعنى السلبي للكلمة). فهو صاحب الفضل في تطيير حكومة الحريري، وهو مَن وقف وراء تسمية ميقاتي الذي كان خياره على حساب الخيارات الأخرى (كرامي والصفدي). وهو مَن ساهم في تأليب ميقاتي ضد وزراء "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" وإجهاض حركتهم.

وهو مَن قدّم "الإغراء" المطلوب لميقاتي ليستقيل ويطيّر الحكومة التي يشكل "حزب الله" عصبها الفعلي، ثم هو مَن انقلب على وعده لميقاتي وذهب في خيار سلام.

صحيح أن جنبلاط يدرك جيداً أن استقرار لبنان مطلب دولي، ما يعني عدم التصادم مع "حزب الله"، إلا أنّ هناك مَن يخشى انخراط جنبلاط في لعبة جديدة، على أساس دفع سلام لتشكيل حكومة أمر واقع، يعمد بعدها إلى حجب الثقة عنها بحجة تجنيب البلد اضطرابات تكون قد بدأت بالظهور، وذلك تمهيداً لإعادة الحريري كونه الوحيد القادر على منح الحزب الثلث المعطّل، إضافة إلى وجوب حضوره على رأس الحكومة ثمناً "ملزماً" للتفاهم الحاصل بين الجميع والقاضي بالتمديد لمدة سنتين.
2013-05-13