ارشيف من :أخبار لبنانية
تعليق الدولة
سليمان تقي الدين - صحيفة "السفير"
أزمة تأليف الحكومة والاتفاق على قانون انتخاب مظهر لانفراط العقد الوطني أو الميثاق الوطني الذي أقر في الطائف بعد الحرب الأهلية. الانقسام اللبناني اليوم أعمق بكثير من لحظة انفجار الحرب الأهلية في العام 1975.
مرة أخرى لا تلتزم الجماعات الطائفية بمعاهدة «لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه». لا يتمتع اللبنانيون بحقوق متساوية ولا ترتضي الجماعات الطائفية مشروعاً وطنياً واحداً للكيان والدولة. تتصرف الجماعات الطائفية بوصفها جاليات لدول أخرى ولأولويات عقائدية ودينية ومصلحية سياسية مختلفة. المعركة اليوم ليست على تقاسم السلطة أو الدولة بل جنحت إلى محاولة الاستيلاء عليها. تعكس هذه المحاولة مواجهة فاصلة في المنطقة لصياغة نظام إقليمي جديد بأرجحية لهذا المحور أو ذاك بما فيه من بُعد ديني طائفي. عبثاً مخادعة اللبنانيين باللعبة الديموقراطية أو بمرجعية الدستور ما دام كل ما يجري يتبع قوى الأمر الواقع. على هذا المستوى المسؤولية مشتركة بين أجنحة الطبقة السياسية كلها في تنكّرها للوطنية اللبنانية ولركائز الدولة الواحدة.
كل الصيغ أو التسويات أو الحلول إذا وُجدت لا تخرج عن طابع المهادنة لاستئناف حرب المواقع. لبنان اليوم أكثر ارتباطاً بأزمات الشرق الأوسط من أي مرحلة سبقت وحياده وتحييده كذلك مستحيلان من قوى وضعت البلاد كلها رهينة حصيلة الصراع الإقليمي والدولي. لا أمل في الاستقرار ولا ضمانة في اجتناب الذهاب إلى صدام مسلح. حسمت القوى السياسية خياراتها بمعزل عن شركائها في الوطن والدولة وجرى تعليق الكيان اللبناني على خارطة إقليمية هي نفسها تشهد إعادة تكوين.
في صراع كهذا لا أفضليات لأي فريق ما دامت المسألة هي في حدود صراع الهويات ومصالح الجماعات ودفاعها عن وجودها أو عن فعالية هذا الوجود في محيطه الحيوي. في واقع الأمر نحن نذهب بأرجلنا وبإرادتنا إلى محرقة الشرق الأوسط حيث تتنازل القوى الكبرى ونضع مصيرنا في الطاحونة نفسها التي ستعيد تشكيل الكيانات والدول وفق مصالح الكبار والأقوياء. لسنا وحدنا طبعاً في لبنان بل كذلك القوى التي ساهمت بل شاركت في احتلال العراق وتلك التي ساهمت وشاركت في انكشاف سوريا على هذا الحجم الهائل من التدخلات الخارجية. بالفعل لم نظهر عبر تاريخنا المعاصر أننا جديرون بالاستقلال أو أننا ضنينون به، إذا وُجد، وأمناء على مستلزماته. كانت لدينا دول مشوّهة وها نحن نمعن في تحطيمها غير مدركين أن هذا المسار الذي نشارك فيه هو تفكيك المجتمعات وتقسيمها في معرض الادعاء عن تطلّب وحدات أكبر أو فرض هويات أشمل لا تغيّر ولا تبدّل في أوضاع اجتماعية مزرية تجعلنا كماً من البشر المستهلكين لكل شيء بما فيها مشاريع الغرب السياسية.
إن عمق الأزمة التاريخية في لبنان والمنطقة يجعلنا نحجم عن تسويق أوهام لحلول قريبة أو جزئية أو حتى اقتراح تسويات أو الرهان عليها حتى لو رعاها الكبار في العالم. لن يكون ممكناً إقفال الجرح على أحشاء ملتهبة وفاسدة، ولا يمكن معالجة تراكمات تاريخية وفق ما هو رائج من أفكار ومسلّمات وبين قوى تحمل كل هذا الإرث المتخلّف من الممارسة السياسية اللاعقلانية. ومن النموذج اللبناني الذي صار عربياً يتأكد أن لا أفق إلا بالتجاوز الحقيقي لمشاريع الهويات إلى المشتركات الإنسانية. لن تلغى الهويات طبعاً لكنها لا يمكن أن تكون الأساس في الاجتماع السياسي الواسع.
ولعل الازدواجية التي نمارسها بين القول والعمل لم تعد قادرة على الصمود أمام الوقائع الجارية. نعم. إن «يهودية الدولة» ستجد تبريرها في «إسلامية الدولة». وطائفية المشروع تبرّر طائفية الرد والنقيض. ومنطق الغلبة يستدعي طموح الغلبة. وسياسة الإلغاء تمهّد لسياسة الإلغاء. فهل نستطيع اختصار هذه المعاناة أم نكرّر التجارب الفاشلة ذاتها؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018