ارشيف من :أخبار لبنانية

زمن الأقنعة الساقطة

زمن الأقنعة الساقطة

العماد إميل لحود - "البناء"

كان لا بد أن تسقط الأقنعة يوماً، وطنياً وإقليمياً ودولياً، وإذ بها تسقط في الأزمنة الرديئة على وقع خريفهم العربي، وذلك مع تساقط أوراق التوت كما أوراق الأشجار النضرة. أما على الصعيد الدولي، فقد ضاقت الولايات المتحدة، راعية العدو «الإسرائيلي» الأولى، ذرعاً من الطوق الذي فرضه خط الممانعة والمقاومة على العدو «الإسرائيلي» والانتصارات التي حققها عليه، ولعل أسطعها انتصار المقاومة في لبنان على الجيش الذي لا يُقهر، على ما يقولون، فهوى منطق قوة لبنان في ضعفه وتكرّست بالدم معادلة الشعب والجيش والمقاومة، التي أرسينا منذ أن تولينا قيادة الجيش ودمجنا ألويته ورسّخنا فيه عقيدة قتالية وطنية لا تقوى عليها الأزمان والأقدار.

لن ننسى أيضاً مقاومة غزة، وقد بقي منها مقاومون شرفاء لم ينل منهم التدجين والتطبيع بتخلي حماس عن سورية. أما إقليمياً، فالحرب الكونية التي شُنّت ولا تزال تُشنّ على سورية، لم تجد إليها منفذاً، فبقيت سورية القيادة والشعب والجيش العربي السوري الأبي والدبلوماسية المتوثّبة والإدارة المتماسكة عصية على التدمير والتفكيك والبعثرة. إن سورية، التي هي وسط خط الممانعة والمقاومة، هي دولة متماسكة لن تقوى عليها الأعاصير، وهي تتعرّض لأعتى أنواع العدوان على أرضها وشعبها ممن حمل السلاح من لدنها، كما من إرهابيي العالم ومرتزقته، وبتحريض مباشر من أمة العرب والترك وتمويلهم وتسليحهم شذاذ الأرض. قلنا منذ اليوم الأول إن «سورية أقوى» سوف تخرج من هذه الحرب المستوردة التي تتجاوز كل إصلاح بدليل هدم كل شيء وقتل كل بريء والتعرّض للمقدّسات وخطف الأبرار والأحبار والتنكيل بالأبرياء والقيام بالمجازر وأعمال التطهير الطائفي. الجيش العربي السوري ينتصر على أرضه ويستعيدها من غاصبيها ويذود عن الحدود ويتلقى ضربات العدو «الإسرائيلي» الذي يهرع لإنقاذ أعوانه، بعد أن لحقت بهم الهزائم وأشرفوا على الانهيار الكامل، والعالم وأمّة العرب لا يدينان، بل يشجعان على انقضاض العدو على قلب العروبة النابض ونهشه. أما فلسطين، قضية العرب المركزية الأولى، فحدّث ولا حرج عن التدجين والتطبيع والشرذمة والتقسيم ومنع قيام الدولة القابلة للحياة والحؤول دون تواصل أراضيها والتنكيل بشعبها بمن فيهم فلسطينيي 1948 الذين يعيشون داخل الكيان الغاصب، والتعرض للمقدسات المسيحية والإسلامية على حد سواء تمهيداً لتهويد القدس تهويداً كاملاً وإعلانها عاصمة نهائية للكيان الصهيوني، حتى ذهب بعض أمّة العرب إلى أقصى درجات التنازل عن الحق القومي بأن قدم إلى العدو ورعاته مبادلة الأراضي تسهيلاً للسلام الذي يطلبه هؤلاء المتسكعين على أبواب اللئام، ويزيد من ذلهم أن العدو لا يعيرهم حتى ذرة من الاهتمام. إن حق العودة، الذي كرّسنا بالقوة، على ما يعرف الجميع في المبادرة العربية التي انبثقت عن قمة بيروت سنة 2002، والذي هو أهم مستلزمات السلام الشامل والعادل، أزعج متخاذلي الأمة ممن يُضيرهم استمرار الصراع وخط الممانعة والمقاومة. إن من يبادل الأراضي يهون عليه الانقضاض على حق العودة، ذلك أن حق العودة يفترض أن فلسطينيي دول الطوق إنما يقيمون على أراضي لجوء وليس على أرضهم وفي دولتهم. وصل الدرك بأمة العرب أن يجعلوا من الأرض سلعة، ومن جعل الأرض سلعة هانت عليه الأرض، كل أرض. من المفارقة بمكان أن يكون هذا التخاذل أيضاً مرافقاً لما أسموه «الربيع العربي» وهو أكثر ظلمة ويبساً من أي خريف.

أما في لبنان، فالأقنعة تسقط أيضاً، أو فلنقل أنها تسقط مجدداً بعد أن اختبرنا سابقاً سقوطها في أكثر من محطة، لا سيما في محطات الانتصار على العدو تحريراً أو صداً للعدوان، نتيجة تلاحم الشعب والجيش والمقاومة، فتصدر لبنان لائحة الشعوب المحررة لأنه هزم الكيان الغاصب على دفعتين، وحرر معظم أراضيه من الاحتلال وحمى الكرامة الوطنية والقومية من الذل والهوان. إلا أن التآمر على المقاومة يستمر قائماً من دون مواربة أو مهادنة في وطن الأرز الشامخ، من صغار قوم وقادة رأي ضلوا الطريق، وإنهم تعمدوا الإساءة إلى لبنان بلداً قوياً وممانعاً ومقاوماً ومرفوع الجبين، فدخلوا في منظومة القضاء على روافد قوة لبنان التي تزعج الغرب الراعي وتقلق الكيان الغاصب. هؤلاء القوم لا يفوّتوا فرصة إلا ويُشهروا عدائيتهم للمقاومة وللوحدة الوطنية وللجيش الوطني الباسل. هم اليوم ينادون بقانون انتخاب أعضاء مجلس النواب على قياسهم، كي تبقى ناصية الحكم في أيديهم، ذلك أن الحكم يعينهم على المقاومة، أو هكذا يعتقدون، في حين أن المطلوب واحد اليوم، وهو أن يذهب اللبنانيون جميعاً إلى قمة الانصهار الوطني، في ظل التحديات الخطيرة التي يمر بها لبنان، والزلازل التي تحدث في المحيط، أي نظام انتخابي يرتكز على النسبية ولبنان دائرة واحدة، فيتوحد المصير والمسار عن حق، ويصبح العيش المشترك واقعاً وليس مجرد شعار، وتتوحد المصلحة الوطنية العليا وتترسخ الثوابت والمسلمات الوطنية والقومية، فيتحول لبنان من ساحة إلى دولة بكل المفاهيم. أما بدعة حكومة الأمر الواقع، فلعله من المفيد أن نذكر من يمسك دفاتر الحسابات الضيقة، وهي حسابات سلطوية بامتياز، إن هكذا حكومات سقطت في أوج الحرب الأهلية اللبنانية وحرب الآخرين على أرض لبنان، فلفظها الشعب من مختلف مشاربه وفئاته لأنها لم تراع مقتضيات العيش المشترك والوئام والسلام. هنيئاً لشعب عرف الانتصار وذاق طعم الكرامة وتغلب على المحن، فهو شعب حيّ إلى الأبد.
2013-05-14