ارشيف من :أخبار لبنانية
هل تذكرون فلسطين يا عرب؟
الياس سحاب - صحيفة "السفير"
في مثل هذه الأيام، قبل خمسة وستين عاماً، كانت الحركة الصهيونية تسجل نصرها التاريخي الكبير على العرب (ومن ضمنهم الفلسطينيون) في الصراع العربي - الاسرائيلي الممتد من بدايات القرن العشرين. يومها، كانت فلسطين، على الصعيد الشعبي، هي قضية العرب الاولى، بل الكبرى. أما انظمة الدول السبع المكونة لجامعة الدول العربية، التي لم يمض على ولادتها أكثر من ثلاثة أعوام، فقد كانت كلها تخضع، وإن بدرجات متفاوتة بينها، لمشيئة الدول الاستعمارية الكبرى، الشريكة الاستراتيجية للحركة الصهيونية في الصراع. وقد ادى هذا الوضع شديد الالتباس الى تحويل «حرب 1948» الى مهزلة تاريخية سوداء، ليس فقط لأن القوات العربية الرسمية التي دخلتها كانت، كما تثبت الوثائق، أقل عدداً من القوات الصهيونية، ولكنها كانت ايضاً في درجة بالغة الانحطاط من المعدات العسكرية، والاستعداد القتالي، والخطط، أي أنها كانت تؤدي دوراً تمثيلياً في الصراع المصيري يومها بالنسبة لكل الشعوب العربية، بالدرجة نفسها.
ولعل ذروة المأساة في ميزان القوى يومها، كانت تتمثل بأن القائد الاعلى لشراذم القوات العربية الرسمية يومها كان ضابطاً بريطانياً هو غلوب باشا، أي من مواطني الدولة التي كان استعمارها لفلسطين، تأسيساً للمشروع الصهيوني.
بعد ذلك، عرف الوضع العربي الرسمي لمدة ربع قرن أو أقل، نظاماً مختلفاً في حلبة الصراع العربي - الاسرائيلي، هو نظام مرحلة جمال عبد الناصر ومع ان البعض يحاول الحكم على أهلية هذا النظام في الصراع العربي - الاسرائيلي بعبارة عبد الناصر عن عدم امتلاكه خطة مباشرة لتحرير فلسطين، التي لن تتحرر إلا بمواصلة العرب للتغيير الثوري. وهي عبارة يكتفون بالنصف الاول منها، ويحذفون النصف الثاني المكمل. او بهزيمة العام 1967 وحدها، دون كل مظاهر الصراع الممتدة على مدى ربع قرن.
مع ان الذي يراجع ارشيف وزارات الخارجية للدول الاستعمارية الكبرى، واسرائيل نفسها في تلك الحقبة، لا يجد سوى ان العدو رقم واحد للنفوذ الاميركي، وبقايا الاستعمار الاوروبي، كما لدولة الكيان الصهيوني، هو نظام عبد الناصر.
كانت تلك هي المرحلة الوحيدة التي عرفت توازناً في جدية خوض الصراع، بين المستويين الشعبي والرسمي، وإن كان الوضع العربي الرسمي في تلك الحقبة مثقلا بعداوات الانظمة الرسميـة لعــبد الناصر، التي كانت تضاهي عداوة النفـوذ الاستعــماري الاميركي والاوروبي، مضافة الى عداوة الكيان الصهيوني نفسه.
لكن تاريخ الصراع بعد رحيل عبد الناصر، انحرف بحــرب الاستنــزاف التي كان يعدهــا عبــد الناصــر للــرد العسكري والسياسي والثقافي على هزيمة العام 1967، الى الموقع المضاد تماماً، فتحولت حرب العبـور في العام 1973، الى عتبة تأسست عليهــا الحقبـة الأشد انحطاطاً في الصراع العربي - الاسرائيلي، التي دشنها الرئيس السابق انور الســادات، بإخــراج كــبرى الدول العربيــة مــن صميـم الصــراع، بعد معاهدة سلام وقعها مع اسرائيل، مع إهمال نهائي لأساسيات القضية الفلسطينية، بل تنازل عن هذه الاساسيات.
تاريخ الصراع يسجل ان الحقبة التي اعقبت خطوة السادات، حتى يومنا هذا، شهدت انسحاباً عربياً رسمياً متدرجاً من اساسيات الصراع، بعضها بمعاهدة سلام مباشرة مع الكيان الصهيوني، وبعضها الآخر بعلاقات ودية معه، تتراوح بين العلنية والسرية، في تنازل كامل عن فلسطين التاريخية، وذلك بتقديم المزيد من التنازلات تلو الاخرى لإسرائيل. لكنها حتى الآن ترفض كل هذه التنازلات، لأنها تصفها بالثانوية، وبأنها لم ترتفع بعد الى مستوى التنازل التاريخي الأكبر، الذي تضعط الحركة الصهيونية، مدعومة بالنفوذ الأميركي للتوصل اليه.
إنه التنازل الذي تعترف فيه الأنظمة العربية جمعاء، بما فيها السلطة الفلسطينية، بيهودية دولة اسرائيل. أي بإقفال القضية تاريخياً ونهائياً، بما في ذلك السقوط الكامل لأي احتمال بالمطالبة بحق عودة الفلسطينيين، الى ارض فلسطين التاريخية.
لكن هل تفاجئنا الانظمة العربية الرسمية، بأنها وصلت الى الدرك الاسفل من الانحطاط بحيث تقبل بالتنازل التاريخي الاكبر، الذي تلح عليه اميركا وإسرائيل، فتقفل باب التاريخ نهائياً على بلد عربي كان اسمه فلسطين، في يوم من الايام؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018