ارشيف من :أخبار لبنانية
لبنان تحدّه من الجنوب «إسرائيل»!
أحمد طيّ - صحيفة "البناء"
هي ليست المرّة الأولى التي ترتكب فيها هذه الخطيئة، بل لسفارة لبنان في روما ماضٍ حافلٌ بارتكابات مماثلة، وتبقى المشكلة الكبرى في عدم المحاسبة.
أن تعترف دولة أجنبية بما يسمّى «دولة إسرائيل» أمرٌ يُعتبر عادياً، خصوصاً أنّ غالبية هذه الدول، لا سيما «الكبرى» والأخرى ذات المصالح السياسية والاقتصادية المشتركة مع كيان العدوّ، ضالعة حتى أخمص أقدامها في استمرار المؤامرة التي تستهدف فلسطين المحتلة عبر اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم والعمل على توسيع رقعة المستطونات الصهيونية.
أن تعترف دولة مستعربة بما يسمّى «دولة إسرائيل»، خصوصاً تلك التي باعت «الشرف» العربيّ والانتماء إلى الأرض العربية، وحتّى دماء مئات الآلاف من الأطفال والنساء والشيوخ والعجزة والشهداء الفلسطينيين، فهذا أيضاً من الأمور التي اعتدنا عليها، لا سيما تلك الدول العربية التي تستضيف بكلّ رحابة صدر سفارات لـ«إسرائيل» في عواصمها، ومراكز تجارية وصناعية أيضاً.
أن يزور فنّان أجنبيّ أو لاعب كرة قدم، أو رجل أعمال «يطرّز» اسمُه لائحة مشاهير العالم وأغنيائه كيان العدوّ، ويقدّم واجب الطاعة للصهاينة، ربما يكون هذا الأمر عادياً أيضاً من ناحية هذا الفنان أو الرياضيّ أو رجل الأعمال، وإن وطأت قدماه أرض لبنان، يمكن لبعض اللبنانيين أن يرحّبوا به كونهم لا يأبهون للقضية الفلسطينية بل لجيوبهم، ويمكن للبعض الآخر ألا يهتمّ أساساً بالمسألة كونه يعيش على الهامش، ويمكن للبعض الثالث أن ينتفض ويرفض ويشجب ويدين ويستنكر ويفعل المستحيل كي يمنع تلك الزيارات، كون القضية الفلسطينية حيّة في جوّانيته ولم يحِد يوماً عن مؤشّر البوصلة.
أن تضعف ذات أحد اللبنانيين أمام مغريات المال، ويجنح نحو التعامل مع العدوّ الصهيونيّ بائعاً وطنه ومواطَنته، ومتخليّاً عن شرف الأرض وعبق التراب من أجل حفنة من فضّة الذلّ، ربما أيضاً يكون هذا الأمر عادياً في لبنان وله تداعياته عندما يكتشف أمر هذا العميل، فإمّا يُعاقب قانوناً وينال ما يستحقه، وإما يجد له بين القضاة من «يرأف» به فيخرج حرّاً وتقام له أعراس الحرّية كما هي الحال في لبنان خلال السنتين المنصرمتين.
كلّ ما ذكرناه آنفاًَ ربما يكون عادياً، وربما لا يكترث به اللبنانيون، فالدول الأجنبية حرّة بسلوكها وثمّة من هو مخوّل بالردّ عليها، والدول المستعربة حرّة أيضاً بخيانتها وطريقها نحو مزابل التاريخ سالكة سالكة، والفنانون والرياضيون ومشاهير العالم أحرار بولائهم لـ«إسرائيل» لكن الحريّ بهم ألا يزوروا لبنان، والعميل يكفيه أنّه نال ذلاً لا شرفاً، أمّا أن تقوم الدولة اللبنانية بالاعتراف بـ«إسرائيل» دولةً قائمةً وذات حدود مع لبنان، فهذا ما لا يقبله منطق ولا شعب ولا أيّ لبنانيّ.
نعم أيها اللبنانيون، دولتكم الكريمة التي تتلهّى اليوم بالبحث عن قانون انتخاب يبحث في تعميق الشرخ الطائفيّ والمذهبيّ تعترف بـ«إسرائيل». دولتكم الكريمة التي تعجز عن تشكيل حكومة يكون همّها تسيير شؤون الناس وتيسيرها لا مراعاة الأحجام السياسية، تعترف بـ«إسرائيل». إلا أنّ هذا الاعتراف لم يأت على لسان رئيس البلاد ولا على شفتيّ رئيس مجلس النواب، ولا حتّى من فم الرئيس المكلّف بتشكيل الحكومة العتيدة التي لم تعرف بعد طريقها خارج قشور البيضة لتفقس ربما أملاً بغدٍ يكون فيه العمل على حلّ المشاكل المعيشية عنواناً. الاعتراف بالكيان الصهوينيّ لم يصدر عن وزارة أو أيّ إدارة رسمية داخل لبنان، بل عن الناطق الرسميّ بِاسم هذا اللبنان في إيطاليا: سفارة الجمهورية اللبنانية في بلاد المعكرونة.
نعم أيها اللبنانيون، إن سفارة بلادكم في إيطاليا لم تتوان قط عن الاعتراف بـ«إسرائيل» كياناً قائماً ودولة ذات حدود معها، مغرّدةً بذلك خارج السرب اللبناني الرسمي، ضاربةً بعرض الحائط موقف الدولة اللبنانية الواضح تجاه هذه المسألة الحسّاسة، وناسيةً أو متناسيةً كل اعتداء صهيونيّ على لبنان منذ عشرات السنين وحتّى اليوم، وراميةً في «مهملات» ذاكرتها القضية الفلسطينية التي، كما هو ملاحظ، لم تعد تعني لها شيئاً.
مناسبة هذا الكلام أنّ الموقع الإلكتروني الناطق بِاسم سفارة لبنان في إيطاليا، وضمن الباب الإلكتروني الذي يروّج للسياحة في لبنان، ويا ليته لم يروّج، يذكر جغرافية لبنان، مبيّناً للطليان وبلغتهم وللجالية اللبنانية التي لم يتسنّ لها زيارة بلد الأرز و«قطعة السما»، يبيّن لهم مساحة لبنان، موقعه، أنهاره وجباله، سهوله ووديانه، وحدوده... وهنا الطامة الكبرى ونائبة النوائب، إذ أن الموقع، عن معرفة وسبق إصرار، أو عن جهل وعدم دراية، اعتبر أنّ «إسرائيل» تحدّ لبنان من ناحية الجنوب!.
إن كانت هذه الجريمة، نعم الجريمة، مقصودة، فعلى الدولة اللبنانية عبر وزارة الخارجية وكلّ مسؤول معنيّ، عظيم الشأن أم متوسّطه، التحرّك فوراً، ليس من أجل «تصحيح خطأ»، بل من أجل إجراء تحقيق فوريّ، ومعاقبة كلّ مجرم يتبيّن أنّه ضالع في هذه الجريمة حتّى لو كان سفيراً أو قائماً بالأعمال أو قنصلاً أو ربما موظفاً من الدرجة العاشرة.
وإن كان ما جرى عبارة عن «خطأ»، فعذراً سعادة السفير، هذا ليس خطأً، بل خطيئة، لأن التغاضي عن قضيّة حسّاسة بهذا المستوى لا يُعتبر سهواً، بل خطيئة لا تُغتفر، وعلى الدولة اللبنانية هنا، بأركانها التي ذكرناها آنفاً، أن تُعاقب «الخطّائين» ولا تغفر لهم، حتّى لو وُجد من على الأرض أو في السماء من يغفر.
ما يقدّم الاحتمال الأوّل على الثاني، أنّ السفارة اللبنانية في روما ارتكبت هذا «الخطأ» مرّات عديدة سابقاً، وإذ كان المثل الشعبيّ يقول «المرّة اللي بتعلّم ما بتخسّر»، فإن سفارتنا لدى الطليان ربما لا يحلو لها أن تتعلّم وتستسيغ الخسارة، أيّ خسارة؟ ثقة اللبنانيين بها وثقة الطليان أيضاً.
الخطوة الثانية التي يجب أن تتّخذها الدولة الاعتذار، نعم الاعتذار من فلسطين، ومن شعب فلسطين، وشهداء فلسطين، وكلّ من استشهد في سبيل فلسطين، وكل من يقاوم في سبيل تراب فلسطين، وكل أميركيّ حرّ، وفنزويليّ حرّ، وبريطانيّ حرّ، وإيطاليّ حرّ يؤمن بفلسطين وقضيتها المحقّة، ويناضل لا بل يستشهد في سبيل هذه القضية، ويعمل على تعرية الصهيونية في العالم. على الدولة اللبنانية أن تعتذر من الشعب اللبنانيّ المقيم، ومن الشعب اللبنانيّ المغترب في أصقاع العالم كافة، والجالية اللبنانية في إيطاليا، والأجيال اللبنانية التي تولد وتترعرع خارج حدود الوطن ولا تعرفه، ومن الشعب الإيطاليّ أيضاً، لعلّ ذلك يبرّد القلوب قليلاً، ويخفّف من وطأة غضب ربما يتعاظم ما لم يجرِ تدارك الأمور.
الجريمة وقعت، وآلاف متصفّحي الشبكة العنكبوتية وربما أكثر بكثير شاهدوا الجريمة بحقّ فلسطين، والكرة الآن في ملعب الدولة، في حيّز وزارة الخارجية تحديداً، وما على معاليه إلا استدعاء السفير وفتح تحقيق في هذه الجريمة، خصوصاً أن «البناء» علمت من مصادر مقرّبة من منصور، أنّه طلب إلى السفارة وبقوة، تصحيح هذه «الخطيئة» فوراً.
عذراً سعادة سفير لبنان في إيطاليا، وعذراً سعادة القائم بالأعمال إن لم يكن هناك سفير، وعذراً حضرة القنصل، وعذراً أيها الموظف في السفارة، كبيراً كنت أم صغيراً لا يهمّ، فـ«إسرائيل» تغتصب أرض فلسطين، ولبنان لم ولن يعترف بها كياناً ودولةً جارة، وإن فعل، فحتماً لن يبقى حينئذ شيء من لبنان، ومن الآن وحتى ذلك اليوم الذي لن يأتي، تحيا فلسطين، تحيا فلسطين، تحيا فلسطين.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018