ارشيف من :أخبار لبنانية
سقوط قناع الضحية: فرصة جعجع الضائعة
غسان سعود - صحيفة "الاخبار"
حتى بضعة أيام ماضية كان الأب اليسوعي في المدرسة الكاثوليكية قبل الظهر، وفي حديقة دير بعده، سيدافع عن سمير جعجع؛ سيصلّب بيديه على وجهه ويدعو محاوره إلى تقدير دفع ذلك الرجل في سجنه وحده ثمن حروب اللبنانيين كلها. كان نقاشه صعباً، يصطدم بجدار التعاطف الإنساني الذي بنى البطريرك نصر الله صفير بكفيه الناعمتين حجارته. وما دأب هؤلاء الرهبان على إشاعته في كنائسهم ومدارسهم وجامعاتهم، وحتى نواديهم الرياضية، كان يجد في مجلة المسيرة من ينشره أيضاً، وتتبناه في صالونات كثيرة أصوات أنساها التضامن مع «الظلم» الذي تعرض له ابن طائفتهم مآخذهم الكثيرة عليه. وفي ذلك الدير كما في أديرة كثيرة أخرى وكنائس ومدارس وجامعات ونوادٍ وساحات القرى، كان الحديث عن جعجع يجد غالباً من يقاطعه بتمني الكفّ عن التذكير بجرائمه المفترضة كأنه هو وحده من أجرم في تلك الحرب، منبّهين إلى وجود شركاء له، سواء في معارك الحرب أو في الطائف وسائر المحطات.
كان يمكن مسيحياً المضي في استراتيجية الغفران والصفحة الجديدة، رغم عدم محو جعجع من ذاكرته مفردات الحرب، وعدم خروجه من مصافحته النائب سليمان فرنجية معتذراً، وعدم بحثه عن ثغر الطائف ليستفيد من تحالفه وتيار المستقبل في ملئها. لكنه آثر قصم ظهر البعير.
بعد ثماني سنوات من إطلاق سراحه، ما عاد جعجع بالنسبة إلى ذلك المهجر من بلدة بحمدون الذي يسكن منذ ثلاثين عاماً في غرفة صغيرة في بلدة الضبية بدل منزله البحمدوني الواسع، ضحية السجن الطويل. عاود جعجع منذ سنوات حياته الطبيعية، أما المهجرون جراء حرب الجبل، فما زالوا يدفعون بعد نحو ثلاثين عاماً على تهجيرهم ثمن تلك الحرب، حياة غير طبيعية في منازل ليست منازلهم مهما طال سكنهم فيها وفي قرى غير قراهم. انتهى كابوسه الذي سببه لنفسه، لكن لم ينته كابوسهم. يشير المهجر المسن إلى دفع جعجع عبر سجنه ثمن خياراته الشخصية، أما المهجرون منذ ثلاثة عقود فيدفعون ثمن خيارات غيرهم ممن يدور جعجع في فلكهم. وكان الأجدر بجعجع، يتابع أحد مهجري معاصر الشوف التي لا يتجاوز عدد المصلين في كنيستها يوم الأحد خمسة عشر شخصاً، سؤال رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط عن أهالي القرى المهجرة، وسبب عدم عودتهم إلى قراهم، بدل سؤاله عن أجراس الكنائس التي اتهمه عون بسرقتها بناءً على مئات الشهادات الموثقة في كتب وسير وروايات مواطنين ورهبان ومطارنة.
لم تكن أخطاء جعجع من النوع الذي يمكنه دفع ثمنها بنفسه وإكمال حياته السياسية كأنّ شيئاً لم يحصل. يتناسى كثيرون ذلك، لكن لا يلبث أن يذكرهم هو شخصياً بما سبق. يروي رئيس حزب الكتائب السابق كريم بقرادوني في «لعنة وطن» أن اتفاق الطائف كان أشبه بقطار يقف في محله، يصفر ويغبر، لكن يعجز عن التحرك ما لم تتفاهم القوى المسيحية في شأنه. فكان أن فعل جعجع ما فعله. يقول بقرادوني إن ذلك الاتفاق أعدّ لهتك موقعين لبنانيين: رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش. لكن نتائج التطبيق السعوديّ ـــ السوريّ للاتفاق هتكت مجتمعاً كاملاً. يرفع جعجع صوته، يسأل العماد ميشال عون عمّا أعاده للمسيحيين في السنوات الثماني السابقة: يضيّع هو ما لا يضيع ثم يسائل غيره عمّا وجدوه، محمِّلاً هؤلاء ذنب عدم استرجاعهم كل ما ضيعه حضرته. تحمل القوات في أدبياتها مسؤولية عون عن دخول الجيش السوري واستخباراته إلى جبل لبنان في 13 تشرين الأول 1990، توافق القوات على «الطائف» وتحمل عون مسؤولية الاجتياح السوري الذي كان عنوانه فرض «الطائف» بالقوة. تماماً كما تسقط القوات اليوم اقتراح القانون الأرثوذكسي الذي يتيح للمسيحيين انتخاب 64 نائباً وتحمل العونيين معاتبة مسؤولية إطاحة القانون المختلط الذي يوفر للمسيحيين انتخاب نحو 54 نائباً مسيحياً في حسابات القوات و45 في حسابات الكتائب.
يثير ما سبق جنون الأب اليسوعيّ في الدير الصغير في الأشرفية. يعجز عن الاستيعاب. عشية الطائف، خسّر جعجع المسيحيين ليُربح غيرهم، فزجه هذا الغير في السجن. أما اليوم، فخسر الآخرون عند تبنيه «الأرثوذكسي»، ولم يلبث أن خسر نفسه عند تخليه عنه. كان يفترض تعلمه شيئاً، يقول رئيس أحد الأديرة المتنية: «بقي جعجع يقنعنا بأن الطائف إنجاز، لتكريسه في النص المناصفة الحقيقية بين المسيحيين والمسلمين. وإذ به ينقلب على الطائف فور اقتراح قانون انتخابيّ يجعل المناصفة أمراً عملياً».
لا يمكن الاستمرار طويلاً في الترداد أنه دفع ثمناً باهظاً. يُمتِّع الرجل نفسه اليوم بحياة لا تضاهيها برفاهها حياة لبناني واحد آخر، فيما يمكن أيَّ فضولي مرافقة مقاتل واحد من مقاتلي القوات اللبنانية إلى شقته المتواضعة الصغيرة، سواء في عين الرمانة أو بسكنتا أو حراجل لرؤية كيف يعيش وأين يعلم أبناءه وماذا يطعمهم. هؤلاء، وليس سمير جعجع، هم من دفعوا وما زالوا ثمن الحرب الباهظ. خرجوا منها بلا شهادة جامعية ولا خبرة مهنية ولا حسابات مصرفية ولا قصر في معراب وولائم يومية.
سجن جعجع عشر سنوات، لكن زوجته اليوم نائبة وينشط محاموه ليعيدوا له حقه بالاقتراع والترشح إلى رئاسة الجمهورية، فيما لا تزال مجموعات واسعة من مجتمعه تفتقد بسببه هذا الحق. يصطف هنا المسيحيّ العكاريّ بجانب المسيحيّ الطرابلسيّ والهرمليّ والبيروتيّ والزهرانيّ والبقاعيّ الغربيّ ملوحين بأصوات لا تقدم أو تؤخر في نتائج الانتخابات بفضل قوانين جعجع الانتخابية.
انتهت فترة السماح. كان اقتراح القانون الأرثوذكسي الفرصة الثانية الحقيقية لجعجع وأضاعها. ما عاد يمكن الرجل ارتداء قناع الضحية. هو ليس الضحية، مجتمعه ضحية. مجتمعه ضحيته.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018