ارشيف من :أخبار لبنانية
هل يقبل سمير جعجع الحوار؟
جان عزيز - صحيفة "الاخبار"
محق سمير جعجع تماماً، في رفضه للأسلوب الغوغائي في مناقشة خياره الانتخابي. فالبروباغاندا والغوبلزيات وتشنيع وسائط الإعلام الأنتي ـــ اجتماعي، كلها لا تؤدي إلى إظهار حقيقة ولا إلى تقدم جماعة ولا إلى ترقي إنسان. وقد كانت هذه الزاوية بالذات ضحية مميزة، وهدفاً بامتياز، لممارسة من هذا النوع من قربه، علنية حيناً وسرية خبيثة أخطر أحياناً. وهو ما يجعلنا نتمسك أكثر بسلاح الكلمة ومنطق الواقعة وتفنيد التوثيق في محاورته ومناقشته، فهل يقبل؟
لماذا اعتبرنا خياره الانتخابي من نوع الخطيئة المميتة أو الخطأ القاتل؟ ولماذا ربطنا خياره هذا بما كان زمن الطائف و13 تشرين؟ ليس الأمر من باب التعبئة ولا التحريض ولا التهشيم ولا التنغيم، بل انطلاقاً من «عقل بارد وذهنية حادة وقوة روح»، كما علمه يوماً الراحل روبير عبده غانم.
فلنستعرض أولاً، لماذا كان تفرده في خياره الانتخابي خطيئة. والمسألة هنا لا علاقة لها بتأييد الاقتراح الأرثوذكسي أو معارضته، لكنها مرتبطة بالسؤال: لماذا تصرف سمير جعجع على هذا النحو؟ فالرجل هو من وقف في لقاء بكركي في 16 كانون الأول 2011، وقال بالحرف ـــ ونقرأ من محضر بكركي بالذات ـــ أن هناك مشروعاً واحداً يستحق أن نحمله وأن نطرحه وندافع عنه. إنه اقتراح اللقاء الأرثوذكسي. لا بل أنا أسميه «المشروع». لأنه لا مشروع سواه يؤمن حقوق المسيحيين... وأسهب جعجع يومها في عرض وجهة نظره، كيف على الملتقين في بكركي أن يوحدوا موقفهم حول «الأرثوذكسي». ثم كيف عليهم أن «يطحشوا» على حلفائهم لإقناعهم به. وصولاً إلى كيفية إقراره وتطبيقه وتأسيس نظام جديد منبثق من مساواته.
يومها، لم يكن أي طرف سياسي، مسيحي أو مسلم، يشك لحظة في أن «الأرثوذكسي» وهم. أو في أحسن الأحوال مناورة. وكان سمير جعجع متمسكاً به حرفياً حصرياً نهائياً. ما يعني أن الرجل كان على اقتناع ذاتي عميق بهذا الطرح.
بعدها جاء ميشال عون بحلفائه ووافقوا على المشروع. وبالتالي صار إقراره ممكناً، لا بل مضموناً. عندها خرج سعد الحريري عن صمته. وأعلن في 31 كانون الثاني الماضي أنه ضد «الأرثوذكسي»، لكنه أعلن في حديثه نفسه أيضاً، أنه إذا أقر هذا المشروع، فهو سيخوض الانتخابات على أساسه، وأنه لن يقاطع الاستحقاق. ماذا يعني هذا الكلام؟ يعني ذلك أن تهويل سمير جعجع على المسيحيين، وعلى بكركي، بأن إقرار «الأرثوذكسي» سوف يحرق البيت، كلام لا صحة له ولا دقة. لكن في المقابل، ماذا قال معاونو الحريري في الأيام التي تلت موقفه هذا؟ قالوا بوضوح، وعلناً، تماماً كما قالها أحمد فتفت ونهاد المشنوق ومحمد شطح لجعجع مباشرة، إنه إذا اقترع جعجع لمصلحة «الأرثوذكسي»، يكون قد أنهى تحالفه مع الحريري، ويصير الأخير في حل منه، لا بل سيذهب عندها إلى تشكيل لوائحه الخاصة من كل المذاهب في كل لبنان.
المشكلة هنا إذن. لا في كون «الأرثوذكسي» يحرق البيت اللبناني أو منزل المسيحيين فيه أو منزلتهم. بل هو يحرق تحالف جعجع مع الحريري. أي إنه يحرق فرص جعجع في لعبة السلطة، نيابياً ووزارياً، الآن وبعد الآن. إنها لعبة سلطة إذن. أو معادلة مصلحة خاصة، فردية أو حزبية أو فئوية في أوسع نطاق. وهي في كل حال لعبة مشروعة في السياسة، وهي حق لكل سياسي، ولا يمكن إدانة سمير جعجع لأنه قرر أن يلعبها. لكن الخطيئة التي سقط فيها جعجع أنه حاول تغطية لعبة مصلحته الخاصة بالكلام عن المصلحة العامة، حاول تبرير حسابات سلطوية بمعادلات وطنية وكيانية.
ما الذي يؤكد ذلك؟ فلننتقل هنا إلى تفنيد خياره الانتخابي المتجسد في «الاتفاق الثلاثي» الجديد، بينه وبين الحريري وجنبلاط. ولنستعرضه في مضمون الخيار، كما في شكل اتخاذ هذا القرار. في المضمون، وبمنطق الحوار العقلاني الذي يحبه جعجع نفسه، وبعيداً عن الغوغائيات التي يمقتها، فلنتوقف عند هذه النقاط كأمثلة:
لماذا اختار جعجع في تحالفه الثلاثي، وكما قال جورج عدوان بعظمة لسانه، «التنازل» عن عدد معين من مقاعد النواب المسيحيين، طالما أن الخيار الذي لا يقدم أي تنازل كان متاحاً، ولم يكن ليحرق البلد؟ ولماذا هذا التنازل للطرف القابض على السلطة في لبنان منذ عقدين، وللطرف المرتبط بحلف إقليمي دولي «طويل عريض»، يعتقد، ويعتقد معه جعجع نفسه كما قال مراراً، أنه سيحكم لبنان والمنطقة؟ أليست لعبة سلطة؟
ولماذا اختار جعجع في تحالفه الثلاثي مثلاً، أن يضرب جبل لبنان ضربة قاضية. فيشلعه قسمين غير متوازيين. واحد يعطى هبة لوليد جنبلاط، وهو الأدرى بوليد جنبلاط. وقسم آخر يحاصر أمين الجميل بأصوات الشيعة، ويلزم ميشال عون بتهمة بيع مسيحيي الجبل لأصوات الضاحية؟ أليس إرضاءً لجنبلاط في سياق لعبة السلطة نفسها؟
ولماذا اختار جعجع مثلاً أن يجعل من حاصبيا دائرة فردية بمقعد واحد على الأكثري، فيما قرر أن يمنع قيام دائرة مماثلة بمقعد واحد في بشري، حيث هو، وفي صيدا، حيث السنيورة والحريري، وفي البترون، حيث الكتائب وجبران باسيل، الذي زاره أربع مرات، نعم اربع مرات؟ أليست حسابات السلطة نفسها؟
ولماذا اختار جعجع أن يحيل 4 مقاعد من خمسة في حاصبيا نفسها على النسبي، فيما أبقى 4 مقاعد من خمسة في الأشرفية على الأكثري؟ أليس هاجس التزلف لدى جنبلاط أيضاً؟ اصلاً لماذا فصل حاصبيا عن مرجعيون، إن لم يكن من الأثمان المفروضة من قبل جنبلاط لقاء المشاركة في تهريبة السلطة تلك؟
ولماذا اختار جعجع أن يلغي مقاعد الأقليات التي كان قد اتفق على إضافتها؟ أليس لأنهم يقعون خارج ظلال التهريبة الليلية؟
ولا تنتهي الأسئلة حول مضمون خيار جعجع. قبل الانتقال إلى الشكل، وهنا الكلام دقيق وحساس، بعضه معلوم وأكثره متروك لناسه وأسراره. صحيح أولاً أن لقاء بكركي كان قد قرر في 3 نيسان الماضي تعليق «الأرثوذكسي» للسعي إلى توافق بديل، لكن هل حصل التوافق على طرح بديل؟ هل حمل جعجع اتفاقه الثلاثي، ولو شكلاً، إلى بكركي لمناقشته؟ هل أطلع حلفاءه عليه، كي لا نتحدث عن خصومه؟ هل يريد أن نقول له كيف تصرف مع أمين الجميل، وكيف تصرف السنيورة وحتى محمد شطح؟ ام نكتفي بالصمت ضناً بجرح ذلك الرجل، جرح يزيده الظلم عمقاً كل يوم، مع الاعتراف بأنه ظلمنا به جميعاً؟
مشكلتنا مع سمير جعجع، في هذا الملف كما في كل ملف، أننا نعرف. ومشكلتنا مع أنفسنا إزاءه، أننا نحرص على القيم والحق، أكثر مما نعرف.
يبقى السؤال، لماذا ربطنا «الاتفاق الثلاثي» الجديد بحقبة الطائف و13 تشرين؟ ليس من باب التجريح ايضاً، بل من باب الاعتبار من الذاكرة الأليمة. فأنت تعرف يا سمير جعجع ونحن نعرف، أنك يوم ذهبت في خيار الطائف سنة 1989، لم تكن موافقاً على نصه، ولا مؤيداً لنظامه، ولا حالماً بتطبيقه. والأدلة الدامغة على ذلك أكثر من أن تحصى. نكتفي منها باثنين: أن تقف بعد أسابيع على إقرار الطائف، في «يوم المقاومة» 26 كانون الأول 1989، وتسأل مستهجناً مستنكراً: «وهل تسأل القوات عن موقفها من الطائف؟». ثم أن تخرج بعد اسبوع على اندلاع حربك مع ميشال عون في 31 كانون الثاني 1990، لتؤكد أنك لا تعترف «إلا بحكومة شرعية وحيدة، هي حكومة العماد عون». يوم ذهبت في خيار الطائف، كنت تعتقد أن المسألة مجرد مناورة. ستتنهي بانتخابات رئاسية، فينتهي بها ومعها عون. وهذا أيضاً مشروع في السياسة. كنت ترى أن كل همروجة وثيقة الوفاق الوطني ستقتصر على عودة النواب إلى بيروت، وانتخاب سركيس ما، تعيد معه إنتاج لعبة بشير. وهذا حق في حسابات السلطة، لكنك يومها تغافلت عن أمرين اثنين: أولاً أن انفلات الغرائز الداخلية في الألاعيب السلطوية، يخلق ديناميات تذهب بالخيارات الأساسية إلى غيرها، أو إلى خلافها، أو حتى نقيضها. وثانياً، أنك حين تبرم اتفاقاً غامضاً مع طرف أقوى منك، لست أنت من يفسر غموضه عند التطبيق، ولا أنت من يستفيد من التباسات ذلك الغموض لحظة التنفيذ.هكذا تحول خيار الطائف، من مزحة إلى مذبحة...
الأمران الاثنان واقعان اليوم أيضاً في خيارك الانتخابي. فاسأل عن العبرة منهما نادر سكر، أو فارس سعيد حتى، وتقبل منطق الحوار.
محق سمير جعجع تماماً، في رفضه للأسلوب الغوغائي في مناقشة خياره الانتخابي. فالبروباغاندا والغوبلزيات وتشنيع وسائط الإعلام الأنتي ـــ اجتماعي، كلها لا تؤدي إلى إظهار حقيقة ولا إلى تقدم جماعة ولا إلى ترقي إنسان. وقد كانت هذه الزاوية بالذات ضحية مميزة، وهدفاً بامتياز، لممارسة من هذا النوع من قربه، علنية حيناً وسرية خبيثة أخطر أحياناً. وهو ما يجعلنا نتمسك أكثر بسلاح الكلمة ومنطق الواقعة وتفنيد التوثيق في محاورته ومناقشته، فهل يقبل؟
لماذا اعتبرنا خياره الانتخابي من نوع الخطيئة المميتة أو الخطأ القاتل؟ ولماذا ربطنا خياره هذا بما كان زمن الطائف و13 تشرين؟ ليس الأمر من باب التعبئة ولا التحريض ولا التهشيم ولا التنغيم، بل انطلاقاً من «عقل بارد وذهنية حادة وقوة روح»، كما علمه يوماً الراحل روبير عبده غانم.
فلنستعرض أولاً، لماذا كان تفرده في خياره الانتخابي خطيئة. والمسألة هنا لا علاقة لها بتأييد الاقتراح الأرثوذكسي أو معارضته، لكنها مرتبطة بالسؤال: لماذا تصرف سمير جعجع على هذا النحو؟ فالرجل هو من وقف في لقاء بكركي في 16 كانون الأول 2011، وقال بالحرف ـــ ونقرأ من محضر بكركي بالذات ـــ أن هناك مشروعاً واحداً يستحق أن نحمله وأن نطرحه وندافع عنه. إنه اقتراح اللقاء الأرثوذكسي. لا بل أنا أسميه «المشروع». لأنه لا مشروع سواه يؤمن حقوق المسيحيين... وأسهب جعجع يومها في عرض وجهة نظره، كيف على الملتقين في بكركي أن يوحدوا موقفهم حول «الأرثوذكسي». ثم كيف عليهم أن «يطحشوا» على حلفائهم لإقناعهم به. وصولاً إلى كيفية إقراره وتطبيقه وتأسيس نظام جديد منبثق من مساواته.
يومها، لم يكن أي طرف سياسي، مسيحي أو مسلم، يشك لحظة في أن «الأرثوذكسي» وهم. أو في أحسن الأحوال مناورة. وكان سمير جعجع متمسكاً به حرفياً حصرياً نهائياً. ما يعني أن الرجل كان على اقتناع ذاتي عميق بهذا الطرح.
بعدها جاء ميشال عون بحلفائه ووافقوا على المشروع. وبالتالي صار إقراره ممكناً، لا بل مضموناً. عندها خرج سعد الحريري عن صمته. وأعلن في 31 كانون الثاني الماضي أنه ضد «الأرثوذكسي»، لكنه أعلن في حديثه نفسه أيضاً، أنه إذا أقر هذا المشروع، فهو سيخوض الانتخابات على أساسه، وأنه لن يقاطع الاستحقاق. ماذا يعني هذا الكلام؟ يعني ذلك أن تهويل سمير جعجع على المسيحيين، وعلى بكركي، بأن إقرار «الأرثوذكسي» سوف يحرق البيت، كلام لا صحة له ولا دقة. لكن في المقابل، ماذا قال معاونو الحريري في الأيام التي تلت موقفه هذا؟ قالوا بوضوح، وعلناً، تماماً كما قالها أحمد فتفت ونهاد المشنوق ومحمد شطح لجعجع مباشرة، إنه إذا اقترع جعجع لمصلحة «الأرثوذكسي»، يكون قد أنهى تحالفه مع الحريري، ويصير الأخير في حل منه، لا بل سيذهب عندها إلى تشكيل لوائحه الخاصة من كل المذاهب في كل لبنان.
المشكلة هنا إذن. لا في كون «الأرثوذكسي» يحرق البيت اللبناني أو منزل المسيحيين فيه أو منزلتهم. بل هو يحرق تحالف جعجع مع الحريري. أي إنه يحرق فرص جعجع في لعبة السلطة، نيابياً ووزارياً، الآن وبعد الآن. إنها لعبة سلطة إذن. أو معادلة مصلحة خاصة، فردية أو حزبية أو فئوية في أوسع نطاق. وهي في كل حال لعبة مشروعة في السياسة، وهي حق لكل سياسي، ولا يمكن إدانة سمير جعجع لأنه قرر أن يلعبها. لكن الخطيئة التي سقط فيها جعجع أنه حاول تغطية لعبة مصلحته الخاصة بالكلام عن المصلحة العامة، حاول تبرير حسابات سلطوية بمعادلات وطنية وكيانية.
ما الذي يؤكد ذلك؟ فلننتقل هنا إلى تفنيد خياره الانتخابي المتجسد في «الاتفاق الثلاثي» الجديد، بينه وبين الحريري وجنبلاط. ولنستعرضه في مضمون الخيار، كما في شكل اتخاذ هذا القرار. في المضمون، وبمنطق الحوار العقلاني الذي يحبه جعجع نفسه، وبعيداً عن الغوغائيات التي يمقتها، فلنتوقف عند هذه النقاط كأمثلة:
لماذا اختار جعجع في تحالفه الثلاثي، وكما قال جورج عدوان بعظمة لسانه، «التنازل» عن عدد معين من مقاعد النواب المسيحيين، طالما أن الخيار الذي لا يقدم أي تنازل كان متاحاً، ولم يكن ليحرق البلد؟ ولماذا هذا التنازل للطرف القابض على السلطة في لبنان منذ عقدين، وللطرف المرتبط بحلف إقليمي دولي «طويل عريض»، يعتقد، ويعتقد معه جعجع نفسه كما قال مراراً، أنه سيحكم لبنان والمنطقة؟ أليست لعبة سلطة؟
ولماذا اختار جعجع في تحالفه الثلاثي مثلاً، أن يضرب جبل لبنان ضربة قاضية. فيشلعه قسمين غير متوازيين. واحد يعطى هبة لوليد جنبلاط، وهو الأدرى بوليد جنبلاط. وقسم آخر يحاصر أمين الجميل بأصوات الشيعة، ويلزم ميشال عون بتهمة بيع مسيحيي الجبل لأصوات الضاحية؟ أليس إرضاءً لجنبلاط في سياق لعبة السلطة نفسها؟
ولماذا اختار جعجع مثلاً أن يجعل من حاصبيا دائرة فردية بمقعد واحد على الأكثري، فيما قرر أن يمنع قيام دائرة مماثلة بمقعد واحد في بشري، حيث هو، وفي صيدا، حيث السنيورة والحريري، وفي البترون، حيث الكتائب وجبران باسيل، الذي زاره أربع مرات، نعم اربع مرات؟ أليست حسابات السلطة نفسها؟
ولماذا اختار جعجع أن يحيل 4 مقاعد من خمسة في حاصبيا نفسها على النسبي، فيما أبقى 4 مقاعد من خمسة في الأشرفية على الأكثري؟ أليس هاجس التزلف لدى جنبلاط أيضاً؟ اصلاً لماذا فصل حاصبيا عن مرجعيون، إن لم يكن من الأثمان المفروضة من قبل جنبلاط لقاء المشاركة في تهريبة السلطة تلك؟
ولماذا اختار جعجع أن يلغي مقاعد الأقليات التي كان قد اتفق على إضافتها؟ أليس لأنهم يقعون خارج ظلال التهريبة الليلية؟
ولا تنتهي الأسئلة حول مضمون خيار جعجع. قبل الانتقال إلى الشكل، وهنا الكلام دقيق وحساس، بعضه معلوم وأكثره متروك لناسه وأسراره. صحيح أولاً أن لقاء بكركي كان قد قرر في 3 نيسان الماضي تعليق «الأرثوذكسي» للسعي إلى توافق بديل، لكن هل حصل التوافق على طرح بديل؟ هل حمل جعجع اتفاقه الثلاثي، ولو شكلاً، إلى بكركي لمناقشته؟ هل أطلع حلفاءه عليه، كي لا نتحدث عن خصومه؟ هل يريد أن نقول له كيف تصرف مع أمين الجميل، وكيف تصرف السنيورة وحتى محمد شطح؟ ام نكتفي بالصمت ضناً بجرح ذلك الرجل، جرح يزيده الظلم عمقاً كل يوم، مع الاعتراف بأنه ظلمنا به جميعاً؟
مشكلتنا مع سمير جعجع، في هذا الملف كما في كل ملف، أننا نعرف. ومشكلتنا مع أنفسنا إزاءه، أننا نحرص على القيم والحق، أكثر مما نعرف.
يبقى السؤال، لماذا ربطنا «الاتفاق الثلاثي» الجديد بحقبة الطائف و13 تشرين؟ ليس من باب التجريح ايضاً، بل من باب الاعتبار من الذاكرة الأليمة. فأنت تعرف يا سمير جعجع ونحن نعرف، أنك يوم ذهبت في خيار الطائف سنة 1989، لم تكن موافقاً على نصه، ولا مؤيداً لنظامه، ولا حالماً بتطبيقه. والأدلة الدامغة على ذلك أكثر من أن تحصى. نكتفي منها باثنين: أن تقف بعد أسابيع على إقرار الطائف، في «يوم المقاومة» 26 كانون الأول 1989، وتسأل مستهجناً مستنكراً: «وهل تسأل القوات عن موقفها من الطائف؟». ثم أن تخرج بعد اسبوع على اندلاع حربك مع ميشال عون في 31 كانون الثاني 1990، لتؤكد أنك لا تعترف «إلا بحكومة شرعية وحيدة، هي حكومة العماد عون». يوم ذهبت في خيار الطائف، كنت تعتقد أن المسألة مجرد مناورة. ستتنهي بانتخابات رئاسية، فينتهي بها ومعها عون. وهذا أيضاً مشروع في السياسة. كنت ترى أن كل همروجة وثيقة الوفاق الوطني ستقتصر على عودة النواب إلى بيروت، وانتخاب سركيس ما، تعيد معه إنتاج لعبة بشير. وهذا حق في حسابات السلطة، لكنك يومها تغافلت عن أمرين اثنين: أولاً أن انفلات الغرائز الداخلية في الألاعيب السلطوية، يخلق ديناميات تذهب بالخيارات الأساسية إلى غيرها، أو إلى خلافها، أو حتى نقيضها. وثانياً، أنك حين تبرم اتفاقاً غامضاً مع طرف أقوى منك، لست أنت من يفسر غموضه عند التطبيق، ولا أنت من يستفيد من التباسات ذلك الغموض لحظة التنفيذ.هكذا تحول خيار الطائف، من مزحة إلى مذبحة...
الأمران الاثنان واقعان اليوم أيضاً في خيارك الانتخابي. فاسأل عن العبرة منهما نادر سكر، أو فارس سعيد حتى، وتقبل منطق الحوار.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018