ارشيف من :أخبار لبنانية

جعجع تاريخياً... معادلة «السلطة أولاً»

جعجع تاريخياً... معادلة «السلطة أولاً»

نبيل هيثم - صحيفة "السفير"


يعطي سمير جعجع انطباعا للآخرين بأنه «استراتيجي» ويدرس خطواته بعناية شديدة، بحيث لا يهمل تفصيلا مهما كان صغيرا. هنا يصبح السؤال، هل أن قرار جعجع إطاحة قانون «اللقاء الارثوذكسي»، كان محسوبا بكل تداعياته، أم أن «الحكيم» وقع في الحفرة التي حفرها للآخرين، وبالتالي سلف خصمه المسيحي الأول ميشال عون خدمة وربما خدمات مان كان ليحلم بأن يتلقاها من «الحكيم اللدود». توحي ردة فعل جعجع والمؤتمرات الصحافية المتتالية لفرقته الحربية من معراب الى ساحة النجمة، بأنه يواجه واقعا جديدا، في الساحة المسيحية، ربما يصح القول عنه، واقع ما قبل «الأرثوذكسي» وما بعده.

واذا كان الدفاع عن «الأرثوذكسي» متروكا لعرابيه، فان سقوط المشروع كان له وقعه السلبي في المجتمع الذي لطالما كان جعجع يردد انه فوق كل اعتبار، بدليل تلك المعركة الوقائية الدفاعية التبريرية المستمرة منذ أيام للحد من الخسائر ومحاولة اصلاح ما افسدته الخطوة وتحسين صورة «القوات» وقائدها.

ولعل اضفاء بعد «المصلحة الوطنية العليا» على التنازل القواتي عن دزينة من النواب المسيحيين، يحتل أولوية في خطاب جعجع، مدعما بالكثير من الشواهد التي تقطع الطريق على ميشال عون وتمنعه من الاستثمار مسيحيا، على حساب ما راكمته «القوات» منذ ثماني سنوات حتى الآن. تبعا لذلك، يبدو جعجع امام مهمة شاقة، ذلك ان الذاكرة البرتقالية، استحضرت في المقابل، مضبطة اتهامية تفضي الى أن كل دروب جعجع منذ الثمانينيات حتى الآن «تؤدي الى السلطة ولا شيء غير السلطة». ولعل المؤتمر الصحافي الأخير لجعجع خير معبر عن الوجع الذي اصابه جراء مهر أدائه بختم «السلطة اولا»، على حساب المسيحيين في آخر ملاذ متبق لهم في الشرق. وابعد من ذلك، من الطبيعي ان يغتاظ سمير جعجع عندما تُستحضَر امام المجتمع المسيحي ذكريات الماضي المسيحي الحزين من اغتيال طوني فرنجية في اهدن ومجزرة الصفرا وابتلاع «الكتائب» ودفن «الجبهة اللبنانية» و«الاتفاق الثلاثي» ومعارك شرق صيدا والجبل والاقليم وصولا الى «حرب الإلغاء»، مرورا بمحاولة وراثة الدولة وهي حية في زمن امين الجميل والامساك بالارض المسيحية من كفرشيما الى المدفون، تحت عنوان: «الامر لي»، ومشاركته في دفن الجمهورية الأولى عبر اعطاء المشروعية للجمهورية الثانية مع ما أنتجه ذلك كله من احباط تلو احباط وتهجير تلو تهجير، وصولا الى السر الدفين الذي كشفه سعد الحريري بتغريدة «تويترية» قال فيها ان سمير جعجع هو مرشحي لرئاسة الجمهورية، من دون إغفال الشعار الشهير لـ«الحكيم»: «فليحكم الاخوان».

واذا كان جعجع قد أعطى خصومه مادة دسمة، فان ما يُخشى منه، أن «الجنرال»، وعلى جاري عادته في أكثر من مناسبة، قادر على تحويل الكثير من الانتصارات الى اخفاقات، ولعل الذهاب الى الترشح وفق «قانون الستين» يشكل أفضل فرصة لكي يحصن جعجع دفاعاته ويلتقط انفاسه، ليس من خلال ما قد يستحصل عليه من مقاعد، بل من خلال فرض التمديد لمجلس النواب الحالي اربع سنوات جديدة، اذ إن عون وفي أحسن الأحوال لن يستطيع أن يخرق بأكثر من ثلاثة مقاعد اذا حافظ على مقاعده الحالية، وبالتالي لا يستطيع وفريق 8 آذار من تحصيل أكثر من 60 مقعدا وهو رقم مشكوك فيه كثيرا.

يستطيع عون أن يراكم مع «الكتائب»، ولو أن آل الجميل قرروا النأي بانفسهم عن المشاركة في اسقاط «الأرثوذكسي»، وهذه نقطة تسجل لسامي الجميل، برغم الضغوط والاغراءات السعودية والأميركية التي تعرض لها، وهو المدرك أكثر من غيره أن خصمه المسيحي هو جعجع وليس ميشال عون.

ولعل «الكتائب» تلتقي مع «الجنرال» في النظرة الى «الارثوذكسي» كمنطلق لتعزيز وتحسين التمثيل المسيحي في لبنان في ظل ما يعاني منه المسيحيون من اضطهاد في زمن «الربيع العربي»، وفي الوقت نفسه، فان عدم السير به لا يسقط الشراكة الوطنية الحقيقية، بل يسقط مشروع فرصة تاريخية لخروج المسيحيين من معادلات التهميش والاحباط منذ ربع قرن حتى يومنا هذا، على حد تعبير نائب رئيس حزب «الكتائب» سجعان قزي.
   
2013-05-20